فهرس الكتاب

الصفحة 1056 من 2431

أي: ولقد خلقنا للنار -التي يعذّب الله فيها من يستحق العذاب في الآخرة- كثيرًا من الجن والإنس، لهم قلوب لا يعقلون بها، فلا يرجون ثوابًا ولا يخافون عقابًا، ولهم أعين لا ينظرون بها إلى آيات الله وأدلته، ولهم آذان لا يسمعون بها آيات كتاب الله فيتفكروا فيها، هؤلاء كالبهائم التي لا تفقه ما يقال لها، ولا تفهم ما تبصره، ولا تعقل بقلوبها الخير والشر؛ فتميز بينهما، بل هم أضل منها؛ لأن البهائم تبصر منافعها ومضارها، وتتبع راعيها، وهم بخلاف ذلك، أولئك هم الغافلون عن الإيمان بالله وطاعته 35.

فقد أخبر القرآن الكريم أن الله قد صرف الجن إلى الرسول عليه الصلاة والسلام؛ من أجل استماع القرآن منه.

قال ابن القيم: «وقوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ) [الأحقاف: 29] ، الآية تدل على تكليف الجن من وجوه كثيرة:

أحدها: أن الله سبحانه وتعالى صرفهم إلى رسوله؛ يستمعون القرآن؛ ليؤمنوا به، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه.

الثاني: أنهم ولّوا إلى قومهم منذرين، والإنذار: هو الإعلام بالخوف بعد انعقاد أسبابه، فعلم أنهم منذرون لهم بالنار إن عصوا الرسول.

الثالث: أنهم أخبروا أنهم سمعوا القرآن، وعقلوه، وفهموه، وأنه يهدي إلى الحق، وهذا القول منهم يدل على أنهم عالمون بموسى، وبالكتاب المنزل عليه، وأن القرآن مصدّق له، وأنه هادٍ إلى صراط مستقيم، وهذا يدل على تمكينهم من العلم الذي تقوم به الحجة، وهم قادرون على امتثال ما فيه، والتكليف إنما يستلزم العقل والقدرة.

الرابع: إنهم قالوا لقومهم: (? چ چ چ چ ?) [الأحقاف: 31] .

وهذا صريح في أنهم مكلفون مأمورون بإجابة الرسول، وهي تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر 36.

وقد جاءت هذه الآيات إخبارًا للرسول عليه الصلاة والسلام باستماع نفر من الجن إليه وهو يقرأ القرآن بأصحابه، وذلك بعد أن منع الجن من استراق أخبار السماء، فعرفوا أن هذا المنع ما حصل إلا لشيء قد حدث في الأرض، فجابوا الأرض، فكان النفر الذين أخذوا نحو تهامة في بلاد الحجاز قد مروا على الرسول عليه السلام وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن، استمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم منذرين، فأنزل الله تعالى إلى نبيه: (? ? ? ? ? پ پ پ) [الجن: 1] 37 الآية، ولم يكن يعلم باستماعهم إليه على الراجح من الروايات في ذلك، وظاهر القرآن يدل عليه.

وقد دلت هذه الآيات على إيمانهم بالقرآن، وأخذهم عهدًا على أنفسهم أن لا يشركوا بالله، وذلك في قوله تعالى عنهم: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ) [الجن: 1 - 2]

وقوله عنهم: (? ? ? ? ? ?) [الجن: 13] .

ففي إيمانهم بالقرآن، ووصفهم له بأنه يهدي إلى الرشد، وعدم إشراكهم بالله دلالة على أنهم مكلفون، وكذلك مسارعتهم لاستماعه، وذلك في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [الجن: 19] .

أي: لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ويقرأ القرآن اجتمع الجن عليه متلبدين متراكمين؛ حرصًا على ما جاء به من الهدى 38.

فقد كانوا فرحين حريصين متأملين عند سماعهم للقرآن، وفي هذا دلالة على كمال عقولهم، وهو يقتضي التكليف، وقد وردت آيات كثيرة تخاطب العقل كقوله تعالى: (ھ ے) ، وقوله: (? ?) ، وقوله: (? ? ?) [الحشر: 2] .

وفي هذا دلالة على توجه الخطاب للعاقل، وقد تقدم أن الجن مخلوقات عاقلة مريدة مختارة، عندها القدرة على التمييز بين الحق والباطل.

ففي تلك الآية ما يتضمن بالتصريح بإرسال رسل إليهم، وفي الآية خطاب للجن والإنس يوم القيامة، وهذا الخطاب فيه تقرير من الله في أنه قد بعث رسلًا إلى الجن والإنس حيث يسألهم وهو أعلم: هل بلغتهم الرسل رسالاته؟ 39.

وبذلك يزول العذر، وتنقطع الحجة لأي واحد من الجن والإنس؛ إذ بعث الله رسلًا يوضّحون الطريق، ويأمرون بعبادة الله، وينهون عن معصيته، ولا شك أن أمر الرسل ونهيهم للجن والإنس هو محض التكليف.

قال ابن القيم: «وهذه الآية تدل على أن الجن كانوا متعبدين بشرائع الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم، لكن دعوة أولئك الرسل كانت مقصورة على بعض الإنس والجن، أما رسالة نبينا عليه الصلاة والسلام فهي عامة لجميع الجن والإنس» 40.

وغير ذلك من الآيات التي تدل على تكليف الجن.

ومما يتبع مسألة تكليف الجن هي مسألة هل بعث إلى الجن رسل منهم، أم أن الرسل المبعوثين إليهم من الإنس فقط؟

اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين، وسبب الخلاف بين أهل العلم في تلك المسألة هو راجع إلى اختلافهم في فهم بعض نصوص القرآن.

القول الأول: أن رسل الجن هم من البشر، ولم يبعث إلى الجن رسول منهم، وهو رأي الجمهور من العلماء 41.

واستدل الجمهور بقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ) [الأنعام: 130] .

قال القرطبي في تفسير هذه الآية: «ولما كانت الجن ممن يخاطب ويعقل قال: (?) وإن كانت الرسل من الإنس، وغلب الإنس في الخطاب، كما يغلب المذكر على المؤنث، وفي التنزيل: (ٹ ? ? ?) [الرحمن: 22] .

أي من أحدهما، وإنما يخرج من الملح دون العذاب، فكذلك الرسل من الإنس دون الجن، فمعنى: (?) أي: من أحدكم، وكان هذا جائزًا؛ لأن ذكرها سبق. وقيل: إنما صير الرسل في مخرج اللفظ من الجميع؛ لأن الثقلين قد ضمتهما عرصة القيامة، والحساب عليهم دون الخلق، فلما صاروا في تلك العرصة في حساب واحد، في شأن الثواب والعقاب؛ خوطبوا يومئذٍ بمخاطبة واحدة، كأنهم جماعة واحدة؛ لأن بدء خلقهم للعبودية، والثواب والعقاب على العبودية، ولأن الجن أصلهم من مارج من نار، وأصلنا من تراب، وخلقهم غير خلقنا، فمنهم مؤمن وكافر، وعدونا إبليس عدو لهم، يعادي مؤمنهم، ويوالي كافرهم، وفيهم أهواء: شيعة، وقدرية، ومرجئة» 42.

واستدل أيضًا الجمهور بقوله تعالى: (گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ںں) [يوسف: 109]

«فهذا يدل على أنه لم يرسل جنيًّا ولا امرأة ولا بدويًّا، وأما تسميته تعالى الجن رجالًا في قوله: (? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک) [الجن: 6] .

فلم يطلق عليهم الرجال، بل هي تسمية مقيدة بقوله: (ک ک) فهم رجال من الجن، ولا يستلزم دخولهم في الرجال عند الإطلاق، كما تقول: رجال من حجارة، ورجال من خشب ونحوه» 43.

وقوله تعالى: (? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹٹ ? ? ?) [النساء: 163] .

وقوله تعالى: (گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ) [العنكبوت: 27] .

فهذه الآيات قد أخبرت أن الله قد جعل النبوة في الرجال من البشر، ولو كان في الجن رسل وأنبياء، لأخبر القرآن بذلك، والآيات السالفة إخبار من الله عن إبراهيم عليه السلام أن الله قد جعل النبوة في ذريته من بعده.

«فلم يبعث الله نبيًّا بعد إبراهيم إلا من صلبه» 44.

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الفرقان: 20] .

فقد أخبر الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن الرسل الذين بعثهم قبله كانوا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، والمقصود بذلك أنهم بشر، وليس في الآية ما يدل على بعث الرسل من خلاف الإنس.

وقوله تعالى: (ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ?) [آل عمران: 33] .

«وأجمعوا على أن المراد بهذا الاصطفاء إنما هو النبوة، فوجب كون النبوة مخصوصة بهؤلاء فقط» 45.

فليس في الجن رسل، ولكن منهم نذر عن الرسل 46.

القول الثاني: أنه قد بعث إلى الجن رسل منهم، وهو رأي مقاتل والضحاك، وابن حزم الأندلسي 47.

استدل هذا الفريق على ما ذهب إليه بقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 130] .

قال الشوكاني: «وظاهره أن الله بعث في الدنيا إلى الجن رسلًا منهم، كما بعث إلى الإنس رسلًا منهم» 48.

وقال ابن حجر الهيتمي: «وظاهر القرآن يشهد للضحاك، والأكثرون في خلافه» 49.

ووجه استدلال الضحاك بهذه الآية: أن الله خاطب الجن والإنس بأنه قد بعث إليهم رسلًا منهما؛ بدليل قوله تعالى: (?) وهو يقتضي بعث الرسل إلى الجن منهم، وبعث الرسل إلى الإنس منهم كذلك.

ويتبين مما تقدم من أدلة الفريقين أن قول الجمهور هو القول الراجح إن شاء الله تعالى؛ وذلك للأدلة التي اعتمدوا عليها 50.

رابعًا: أصناف الجن:

إن الجن أصحاب ملل ونحل متباينة، وفيهم المؤمن والكافر، والعادل والظالم، فمنهم الكامل في الاستقامة وعمل الخير، ومنهم من هو دون ذلك، ومنهم البله المغفلون، ومنهم الكفرة، وهم الكثرة الكاثرة.

قال تعالى: (? ? ? ? ?پ پ پ پ ? ?) [الجن: 14] .

يقول ابن القيم تعليقًا على هذه الآية التي تبين أحوال الجن وأصنافهم، وأنهم كأحوال الإنس في الإيمان والكفر، والصلاح والفساد: «وقد تضمنت هذه الآيات انقسامهم إلى ثلاث طبقات: صالحين، ودون الصالحين، وكفار، وهذه الطبقات بإزاء طبقات بني آدم، فإنها ثلاثة: أبرار، ومقتصدون، وكفار، فالصالحون بإزاء الأبرار، ومن دونهم بإزاء المقتصدين، والقاسطون بإزاء الكفار، وهذا كما قسم سبحانه بني إسرائيل إلى هذه الأقسام الثلاثة في قوله: (? ? ں ں? ? ? ? ? ?ہ ہ ہ ہ ھ ھ) [الأعراف: 168] .

فهؤلاء الناجون منهم، ثم ذكر الظالمين وهم خلف السوء الذين خلفوا بعدهم، ولما كان الإنس أكمل من الجن، وأتم عقولًا، ازدادوا عليهم بثلاثة أصناف أخر، ليس شيء منها للجن، وهم: الرسل، والأنبياء، والمقربون، فليس في الجن صنف من هؤلاء بل حيلتهم الصلاح» 51.

ويقول القرطبي في تفسير تلك الآية السابقة: «هذا من قول الجن، أي قال بعضهم لبعض لما دعوا إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم: وأنّا كنا قبل استماع القرآن منا الصالحون، ومنا الكافرون، وقيل: ومنا دون ذلك، أي ومن دون الصالحين في الصلاح» 52.

وقوله تعالى: (? ? ?) [الجن: 11] ، أي: فرقًا شتى، قاله السدي.

وقال الضحاك: أديانًا مختلفة.

وقال قتادة: أهواء متباينة.

والمعنى: لم يكن كل الجن كفارًا، بل كانوا مختلفين، منهم كفار، ومنهم مؤمنون صلحاء، ومنهم مؤمنون غير صلحاء، وقال مجاهد: يعنون: مسلمين وكافرين، وقال الحسن والسدي: في الجن أمثالكم، فمنهم قدرية، ومرجئة، ورافضة، وخوارج، وشيعة، وسنة، وقال سعيد بن جبير: ألوانًا شتى. وقال ابن كيسان: شيعًا وفرقًا، ومعنى الكلام: أصنافًا مختلفة، ومذاهب متفرقة، وقال سعيد بن المسيب: كنا مسلمين، ويهودًا، ونصارى، ومجوسًا 53.

وذهب بعض أهل العلم كالقرطبي إلى أن هذه المذاهب المختلفة في الجن إنما هي بعد مبعث الرسول عليه الصلاة والسلام واستماعهم للقرآن منه.

يقول القرطبي: «وقال قوم: أي: وإنا بعد استماع القرآن مختلفون، منا المؤمنون، ومنا الكافرون، والأول أحسن، يقصد أنهم كانوا مؤمنين وكافرين قبل استماعهم للقرآن، بعد مبعث الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كان في الجن من آمن بموسى وعيسى، وقد أخبر عنهم أنهم قالوا: (ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحقاف: 30] .

وهذا يدل على إيمان قوم منهم بالتوراة، وكان هذا مبالغة منهم في دعاء من دعوهم إلى الإيمان.

وقال السبكي: لا شك أنهم مكلّفون في الأمم الماضية كهذه الملة، إما بسماعهم من الرسول، أو من صادقٍ عنه، وكونه إنسيًّا، أو جنيًّا لا قاطع به» 54.

والشاهد لكلام القرطبي أنهم قد عبروا عن حالتهم السابقة قبل استماع القرآن بلفظ الماضي.

ولكن قد أخبر القرآن عن أحوالهم أيضًا بقوله: (? ? ? ? ?پ پ پ پ ? ?) [الجن: 14] .

فقوله تعالى: (پ پ پ ? ?) توحي أيضًا أنه ليس كل الجن على الاستقامة والصلاح.

قال ابن القيم: «فالمسلمون: الذين آمنوا بالله ورسوله منهم، والقاسطون: الجائرون العادلون عن الحق، قال ابن عباس: هم الذين جعلوا لله أندادًا، يقال: أقسط الرجل: إذا عدل فهو مقسطٌ، ومنه: ( ? ? ? ?) [الحجرات: 9] .

وقسط: إذا جار؛ فهو قاسط، قال تعالى: (? ? ? ? ?) [الجن: 15] » 55.

أولًا: الإيمان بالجن من الإيمان بالغيب:

1.الإيمان بالجن.

أفاض القرآن الكريم والسنة النبوية في الحديث عن الجن وأحوالهم في مواضع كثيرة، فقد ورد ذكرهم في القرآن في مواضع متعددة، تقرب من أربعين موضعًا، عدا الآيات التي تحدثت عن الشيطان،-وهي كثيرة-، وانفردت سورة كاملة للحديث عن أحوال النفر الذين استمعوا للقرآن من الرسول عليه الصلاة والسلام وهو بمكة، هي سورة الجن، إذ ورد في مطلعها إخبار الله لنبيه باستماع هذا النفر للقرآن.

قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ) [الجن: 1 - 2] .

وقال في معرض الحديث عن نعيم الجنة: (ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے) [الرحمن: 56] .

وتحدى الله الجن والإنس أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فقال: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ?) [الإسراء: 88] .

واستنكر القرآن المزاعم التي تقول بأن الجن يعلمون الغيب، فقال في معرض الحديث عن موت سليمان عليه السلام: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [سبأ: 14] .

وغير ذلك من الآيات التي تحدثت عن أحوال هذا المخلوق.

ومعلوم أن القرآن الكريم قد ثبتت صحته؛ لأنه منقول إلينا بالتواتر، فعلى هذا الأساس لا مجال لإنكار هذا النوع من المخلوقات -متى كان الخبر صادقًا-، وإنكارهم يكون تكذيبًا لخبر الله عنهم دون حجة أو برهان، وذلك لا يكون إلا من سمات الجاهلين أو الكافرين، ووجودهم بشكل قاطع لا يحتمل التأويل بأي شكل من الأشكال 56.

قال ابن حزم رحمه الله: «وأن الجن حق، وهم خلق من خلق الله عز وجل، فيهم الكافر والمؤمن، يروننا ولا نراهم، يأكلون، وينسلون، ويموتون.

قال الله تعالى: (? ? ?) [الأنعام: 130] .

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) [الحجر: 27] .

وقال تعالى حاكيًا عنهم أنهم قالوا: (? ? ? ? ?پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ?) [الجن: 14 - 15] .

وقال تعالى: (? ? ? ? ں ں ? ) [الأعراف: 27] .

وقال تعالى: (ھ ھ ے ے ?) [الكهف: 50] .

وقال تعالى: (? ? ? ?) [الرحمن: 26] .

وقال تعالى: (ں ں ? ) [آل عمران: 185] 57.

2.المنكرون لوجود الجن.

انقسم الناس قديمًا وحديثًا في أمر الجن إلى مذاهب شتى، فما بين مثبت لوجودهم، أو منكر، أو مؤوّل لهم بشتى التأويلات الفاسدة، أو مغالٍ في قدرتهم وسلطانهم في الأرض، إلى غير ذلك من المذاهب والتصريفات المختلفة في شأن هذا المخلوق.

ويمكن إجمال هذه المذاهب في ما يلي:

أولًا: المثبتون لوجود الجن:

1.أهل السنة والجماعة.

الذي عليه أهل السنة والجماعة من المسلمين هو إثبات وجود مخلوقات غائبة عن حواسنا، تسمى الجن، وأنها لا تظهر إلا إذا تشكّلت في صور غير صورها في بعض الأحوال ولبعض الناس، وأنها مخلوقات عاقلة مكلفة بالتكاليف الشرعية على نحو ما عليه البشر، وأنهم يأكلون، ويشربون، ويتناكحون، ولهم ذرية، قال ابن حزم: «لكن لما أخبرت الرسل الذين شهد الله عز وجل بصدقهم بما أبدى على أيديهم من المعجزات المحيلة للطبائع بنص الله عز وجل، وعلى وجود الجن في العالم؛ وجب ضرورة العلم بخلقهم ووجودهم، وقد جاء النص بذلك وبأنهم أمة عاقلة مميزة، متعبدة، موعودة متوعدة، متناسلة، يموتون، وأجمع المسلمون كلهم على ذلك» 58.

ويقول ابن تيمية: «لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن، ولا في أن الله أرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم إليهم، وجمهور طوائف الكفار على إثبات الجن، أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهم مقرون بهم كإقرار المسلمين، وإن وجد فيهم من ينكر ذلك، وكما يوجد في المسلمين من ينكر ذلك، كما يوجد في طوائف المسلمين الغالطون والمعتزلة من ينكر ذلك، وإن كان جمهور الطائفة وأئمتها مقرين بذلك؛ وهذا لأن وجود الجن تواترت به أخبار الأنبياء تواترًا معلومًا بالاضطرار، ومعلوم بالاضطرار أنهم أحياء عقلاء، فاعلون بالإرادة، بل مأمورون منهيون، ليسوا صفات وأعراضًا قائمة بالإنسان أو غيره، كما يزعمه بعض الملاحدة» 59.

وقد تقدم كثير من الأدلة التي يستند إليها أهل السنة والجماعة في إثبات وجود الجن، سواء كانت هذه الأدلة مأخوذة من القرآن أو السنة، بالإضافة إلى دلالة الإجماع على ذلك.

2.جمهور الكفار.

كعامة أهل الكتاب، والمجوس، وجمهور الكنعانيين، واليونانيين، والرومان، والهنود القدماء، وعامة مشركي العرب: الإقرار بوجود الجن، مع انحراف في تصورهم عن هذا المخلوق.

هذه الطوائف المختلفة أقرت بوجود الجن، ولكن إقرارهم هذا صاحبه تصورات فاسدة ومنحرفة، فمنهم من اعتبر أن الجن شركاء لله في الخلق والتدبير، ومنهم من اعتبر أن للجن سلطانًا في الأرض، وأنهم يعلمون الغيب، ومنهم من أثبت أخوة بين الله وإبليس، -تعالى الله عن ذلك-، إلى غير ذلك من التصورات المنحرفة 60.

ثانيًا: المنكرون لوجود الجن:

مذهب أكثر الفلاسفة والأطباء، وجماعة من القدرية والمعتزلة والجهمية، وكافة الزنادقة قديمًا وحديثًا: إنكار الجن، بالإضافة إلى نفر قد أولوا النصوص الدالة على وجود الجن تأويلًا يدل على إنكارهم.

قال القرطبي: «وقد أنكر جماعة من كفرة الأطباء والفلاسفة الجن، وقالوا: إنهم بسائط، ولا يصح طعامهم، اجتراء على الله وافتراء، والقرآن والسنة ترد عليهم» 61.

وقال ابن تيمية: «وجمهور طوائف الكفار على إثبات الجن، أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهم مقرون بهم كإقرار المسلمين، وإن وجد فيهم من ينكر ذلك، وكما يوجد في المسلمين من ينكر ذلك كما يوجد في طوائف المسلمين الغالطون والمعتزلة من ينكر ذلك، وإن كان جمهور الطائفة وأئمتها مقرين بذلك» 62.

1.المتأخرون من القدرية.

ينكر متأخرو القدرية وجود الجن، مع اعتراف متقدميهم بذلك، قال أبو بكر الباقلاني: وكثير من القدرية يثبتون وجود الجن قديمًا، وينفون وجودهم الآن، ومنهم من يزعم أنهم لا يرون؛ لرقة أجسامهم، ونفوذ الشعاع فيها، ومنهم من قال: إنما لا يرون لأنهم لا ألوان لهم.

والمعتزلة قدرية، فهم ينكرون وجود الجن.

يقول الجويني: «وقد أنكرهم معظم المعتزلة، ودل إنكارهم إياهم على قلة مبالاتهم، وركاكة ديانتهم، فليس في إثباتهم مستحيل عقلي، وقد نصت نصوص الكتاب والسنة على إثباتهم، وحقّ على اللبيب المعتصم بحبل الدين أن يثبت ما قضى العقل بجوازه، ونص الشرع على ثبوته» 63.

وقال ابن حجر الهيتمي: «وإنكار المعتزلة لوجودهم فيه مخالفة للكتاب والسنة والإجماع، بل ألزموا به كفرًا؛ لأن فيه تكذيب النصوص القطعية بوجودهم» 64.

2.الزنادقة.

وأما الزنادقة قديمًا وحديثًا كالدهرية والملحدين من الشيوعيين وغيرهم، فإنهم ينكرون الغيبيات بشكل عام، ويعتبرون أن الكون وجد هكذا صدفة؛ وعلى هذا فهم يحاربون الأديان، ويعتبرونها أفيون الشعوب، وذلك كما تفعل الشيوعية في الوقت الحاضر.

وليس لهؤلاء حجة في إنكار الغيبيات -والجن من بينهم- إلا عدم الإيمان بما لا يقع عليه الحس، ولا يعرف بالتجربة والمشاهدة، وهي حجة ساقطة من أساسها، لا تقوى على الوقوف أمام الأدلة الكثيرة الناطقة بوجودهم.

ثانيًا: موقف الإنسان من الجن:

يجب على الإنسان المسلم بأن يؤمن بأن الجن مخلوق من مخلوقات الله تعالى مأمور بطاعة الله، ومنهي عن معصية الله تعالى، وأن الجن فيهم المسلم والكافر.

والكفار من الجن يوسوسون للإنسان، ويزيّنون له المعاصي، ويشكّكون المسلم في الله عز وجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت