فهرس الكتاب

الصفحة 1820 من 2431

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20] .

لكنهم غيروا وبدلوا، وطال عليهم الأمد وقست قلوبهم، اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، قتلوا الأنبياء ونقضوا العهود، أوقدوا الحروب، وقالوا: يد الله مغلولة، غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا.

قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64] .

لذلك انتقلت الرسالة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل، حيث تسلمها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في حضور كل الأنبياء، ليلة الإسراء، في مكانٍ طيب هو المسجد الأقصى {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1] .

وفي أفضل الأعمال وهي الصلاة، وتسلمت أمته الرسالة منه بعد وفاته؛ لتكون لها العزة والكرامة، والعهد الأمانة.

قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] .

والله تعالى لا يفضل أحدًا على أحدٍ إلا بالتقوى، ولا يختار أحدًا على أحدٍ إلا بالعمل الصالح، وإنما يتفاضل الناس عند الله بإيمانهم وتقواهم، وإذا غيرنا أو بدلنا أو قصرنا في هذه الرسالة العظيمة؛ فإن الله تعالى سيأتي بأقوام آخرين، لهم صفات غير صفاتنا وأخلاق غير أخلاقنا.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54] .

وسورة الإسراء وضحت كيف ورثت هذه الأمة النبوة من الأمم السابقة، فكان الانتقال من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كما قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1] .

ثم جاء ذكر الكتاب الذي انتقل من نوح إلى موسى عليهما السلام.

فقال تعالى: {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء: 2 - 3] .

ولما فرطت بنو إسرائيل في الكتاب {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 4] .

ووصل الكتاب إلى أمة محمد.

قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9] .

وقال تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} [الإسراء: 45] .

وقال تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء: 105 - 106] .

وسورة الإسراء تدعو لعدم التخلي عن القرآن كما فعلت الأمم السابقة لما تخلوا عن الكتاب استبدلهم الله بأمم أخرى تحافظ على الكتاب 68.

وذكر الشهرستاني: وكان المنحدر منه إلى بني إسرائيل ظاهرًا، و المنحدر منه إلى بني إسماعيل مخفيًا، وهكذا، فقد كان نور بني إسماعيل مخفيًا إلى أن بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

فمحمد هو ابن عبد الله بن عبد المطلب لكنه ابن إبراهيم روحيًا. فأولى الناس بإبراهيم هم الذين اتبعوه منذ البدء، وأتباعه هم الأميون.

قال تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران: 68] .

والذين آمنوا هم الذين اتبعوا الإسلام 69.

أولًا: أمية القراءة والكتابة:

معنى كلمة اقرأ في قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] .

هو مجرد فعل القراءة، وجاء الفعل مكسور الهمزة من قرأ يقرأ اقترأ الكتاب بمعنى: نطق بالمكتوب فيه، وألقى النظر عليه وطالعه. وقرأ الكتاب: تتبع ما فيه، وقرأ الآية: نطق بها 70، و أقرأ: اسم تفضيل من قرأ، أي: أجود قراءة، واستقرأه: طلب منه أن يقرأ، والقراء: الحسن القراءة 71.

وقيل للعرب: الأميون؛ لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة أو عديمة 72.

قال الرازي: «إنه تعالى وصف محمدًا في هذه الآية بصفات تسع ... إلى أن قال: الصفة الثالثة كونه أميًا، قال الزجاج: معنى الأمي الذي هو على صفة أمة العرب، قال عليه الصلاة والسلام: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) 73.

فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرءون، والنبي صلى الله عليه وسلم كان كذلك؛ فلهذا السبب وصفه بكونه أميًا» 74.

وقال البيضاوي: «الأمي: لا يكتب ولا يقرأ، وصفه به؛ تنبيهًا على أن كمال علمه مع حاله هذا إحدى معجزاته» 75.

وقال سيد قطب: «إن العرب سموا أميين؛ لأنهم كانوا لا يقرءون ولا يكتبون في الأعم الأغلب، واقتضت حكمة الله أن يكون هذا النبي من العرب، من الأميين؛ إذ علم الله أن يهود قد فرغ عنصرها من مؤهلات القيادة الجديدة الكاملة للبشرية، وأنها زاغت وضلت، وأنها لا تصلح لحمل الأمانة، بعد ما كان منها في تاريخها الطويل» 76.

قال ابن فارس: « (أم) له أصل واحد يتفرع منه أربعة أبواب، وهي: الأصل، والمرجع، والجماعة، والدين، قال الخليل: كل شيء تضم إليه ما سواه مما يليه، فإن العرب تسمي ذلك: أمًا، ومن ذلك أم الرأس: وهو الدماغ، أم التنائف: أشدها وأبعدها، أم القرى: مكة، وكل مدينة هي أم ما حولها من القرى، وأم القرآن: فاتحة الكتاب، وأم الكتاب: ما في اللوح المحفوظ، وأم الرمح: لواؤه وما لف عليه، وتقول العرب للمرأة التي ينزل عليها: أم مثوى، وأم كلبة: الحمى، وأم النجوم: السماء، وأم النجوم: المجره ... إلى أن عد كثيرًا من هذه التراكيب، فقال: الأمي في اللغة: المنسوب إلى ما عليه جبلة الناس لا يكتب، فهو في أنه لا يكتب على ما ولد عليه» 77.

وخاطب النبي صلى الله عليه وسلم جبريل أول مرة فقال: (ما أنا بقارئ) ، وإنه عاجز عن القراءة التي بمعنى فعل القراءة فكان مصيبًا، أي: غير قادر على القراءة و الكتابة.

وكرر الله تعالى القراءة مرتين في هذه السورة فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} [العلق: 1 - 4] .

وذكر القلم كأداة للتعليم وإشارة إلى أهميته واهتمام الشريعة به؛ لذا سميت سورة من القرآن بالقلم، واستهلت بالقسم به.

قال المراغي في تفسير قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} ، أي: «صر قارئًا بقدرة الله الذي خلقك، وقد جاء الأمر الإلهي بأن يكون قارئًا وإن لم يكن كاتبًا، وسينزل عليه كتابًا يقرؤه وإن كان لا يكتبه» 78.

وقال الألوسي: «قوله عليه السلام لجبريل عليه السلام حين قال له: اقرأ فقال: (ما أنا بقارئ) يريد أن القراءة شأن من يكتب ويقرأ، وأنا أمي، فقيل {وَرَبُّكَ} الذي أمرك بالقراءة مفتتحًا ومبتدًا باسمه {الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} أي: علم ما علم بواسطة القلم لا غيره تعالى، فكما علم سبحانه القارئ بواسطة الكتابة بالقلم يعلمك بدونها» 79.

إن تخلف أمة من الأمم عن القراءة والكتابة يؤدي بها إلى عدم العلم والمعرفة والابتعاد عن الحضارة، فيكون مقدمة للضلال والانحراف.

فيبعث الله تعالى النبي لعلاج الحال الذي هم عليه من الأمية، فيعلمهم الكتاب والحكمة، قال تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2] .

وقال تعالى: {مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} [هود: 49] .

وقال تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] .

وعلى هذا كل إنسان قبل التعليم أمي، والقرآن الكريم عالج مشكلة الأمة الإسلامية بقوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [ال عمران: 164] .

فيفهم من هذا السياق أن سبب أميتهم عدم معرفتهم بالكتاب، وعدم التزكية لنفوسهم، ولأجل هذا الداء جاءت الرسالة بذلك الدواء 80.

ثانيًا: أمية الظنون والأوهام:

لا يختص مفهوم الأمية بأمية القراءة والكتابة بل هناك أمية من نوع آخر، وهي أمية الضلال والظنون والأوهام.

قال تعالى في وصفه لطائفة من اليهود: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [البقرة: 78] . ذكرت الآية طائفة من اليهود حيث إن أميتهم ناشئة من عدم معرفتهم بالكتاب إلا أماني، فقالوا ظلمًا: نحن أبناء الله وأحبائه، وأنه لا يعذبهم، إلى غير ذلك من أمانيهم 81.

قوله سبحانه: {لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ} توضيح لقوله: أميون، أي: منهم أمة منقطعون عن كتابهم لا يعلمون منه إلا أوهامًا وظنونًا يتلوها عليهم علماؤهم، الذين يحرفون كتاب الله وكلماته عن مواضعها، ويحسب هؤلاء السذج أنه الكتاب المنزل إليهم من ربهم. ولذلك قال سبحانه في الآية التالية: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79] 82.

فلو كانوا عارفين بالكتاب قادرين على قراءته وتلاوته لما اغتروا بعمل المحرفين، ولميزوا الصحيح من الزائف، غير أن أميتهم وجهلهم به حالت بينهم وبين أمنيتهم.

وفسر الزمخشري قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} بأنهم لا يحسنون الكتاب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها 83.

فلامهم على تكذيبهم وعنادهم، فلو كانوا يحسنون القراءة والكتابة فليس في ذلك مدح، ولو كانوا يجهلونهما فليس في ذلك ذم؛ إذ كل ذلك منصب على الطاعة لله ولرسوله.

يقول الفخر الرازي: «اعلم أن المراد بقوله: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} اليهود، ثم بين فرقة رابعة من اليهود المعاندين للحق ووصفهم بالأمية؛ لأنهم كانوا يقلدون في المعارف، ويمتنعون من قبول الحق» 84.

قال محمد رشيد رضا في تفسير: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} : «لا علم لهم بشيء من الكتاب ولا معرفة لهم بالأحكام وما عندهم من الدين، فهو أماني ... إلى أن يقول: وهذا محل الذم، لا مجرد كونهم أميين -بمعنى عدم معرفة القراءة والكتابة-، فإن الأمي قد يتلقى العلم عن العلماء الثقات ويعقله عنهم فيكون علمه صحيحًا، وهؤلاء لم يكونوا كذلك» 85.

وعلق سيد قطب على هذه الآية بقوله: «ثم يستطرد القرآن الكريم ويذكر للمسلمين من أحوال بني إسرائيل أنهم فريقان: فريق أمي جاهل لا يهتدي شيئًا من كتابهم الذي نزل عليهم، ولا يعرف منه إلا أوهامًا وظنونًا وإلا أماني في النجاة من العذاب بما أنهم شعب الله المختار، وفريق يستغل هذا الجهل وهذه الأمية» 86.

وبالتأمل في كلام المفسرين عندما يفسرون الأمية فإنهم يوكدون على أنها أمية الضلال والظنون، والأوهام والجهل، وعدم معرفتهم بكتابهم السماوي المنزل من عند الله تعالى.

يختلف مفهوم الأمية من دولة إلى أخرى، ففي البلدان العربية مثلًا نقصد بالأمية الإنسان الذي لم يتعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب بلغة ما. أما في البلدان المتقدمة فيقصد بالأمية الشخص الذي لم يصل إلى المستوى التعليمي الذي يجعله يفهم التعليمات الكتابية في المواضيع التقنية في عمله.

فالأمية ظاهرة عالمية خطيرة من أبرز المشكلات التي تواجه المجتمعات الإنسانية، باعتبارها مشكلة مؤثرة في التقدم الاجتماعي والحضاري والاقتصادي.

والإسلام أول دين أعلن الحرب على الأمية ودعا إلى التعليم، ورفع مكانة العلم والعلماء، وحتى جعل العلم فريضة يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9] . وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) 87.

لذا يجب نشر ثقافة أن العلم فريضة على كل مسلم، حيث إن هذا المبدأ يغرس في النفوس العزم والتصميم على التعليم والإيمان بضرورته، ومتى ما استقر الإيمان بوجوب التعلم، وأيقن كل مسلم أن دينه لا يستقيم إلا إذا تعلم ثم عمل بعلمه، فإن ذلك سيكون أفضل حافز للقضاء على الأمية.

وحسبنا أن أول آيات نزلت من القرآن على قلب النبي الكريم كانت إشادة بفضل القراءة والقلم والعلم، والتعليم بالقلم: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5] .

وذكر الله تعالى في كتابه العزيز سورة كاملة باسم القلم، وسميت بذلك؛ لأن الله أقسم فيها بالقلم وما يسطره به الكاتبون من علم وحكمة، قال تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم: 1] .

ويقسم الله في القرآن بالشيء؛ تنبيهًا على عظيم منفعته، ولفتًا لأنظار الخلق إليه، وأي شيء أعظم نفعًا من القلم مثبت العلم، وناقله إلى الأجيال؟

ولقد حارب الإسلام الأمية بالحث على الكتابة في عدة أمور:

منها كتابة الدين، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282] . وكذلك كتابة الوصية، كما في الحديث: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما حق امرئٍ مسلمٍ له شيءٌ يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبةٌ عنده) 88.

والنبي الأمي الذي لم يكن يتلو من كتاب، ولا يخطه بيمينه حتى لا يرتاب المبطلون، لم يقتصر على الحث النظري والترغيب في تعلم القراءة والكتابة، بل جاهد عليه الصلاة والسلام ودبر الوسائل العملية لنشر التعليم، ومحاربة الأمية ما وجد إلى ذلك سبيلًا.

ومن هذه الوسائل انتهاز فرصة وقوع عدد من أسرى قريش المشتركين في غزوة بدر في أيدي المسلمين، وكانوا يحسنون الكتابة، ولا يملكون مالًا؛ ليفدوا أنفسهم، فاشترط النبي صلى الله عليه وسلم؛ لفدائهم أن يعلم كل منهم عشرة من أولاد المسلمين الكتابة.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان ناسٌ من الأسرى يوم بدرٍ لم يكن لهم فداءٌ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة» 89.

فكان هذا أول مشروع ينظمه رئيس الدولة الإسلامية لإعلان الحرب على الأمية في تاريخ هذه الأمة، بل لعله في تاريخ البشرية كلها. وكان من الذين استفادوا من هذا المشروع من أبناء الأنصار: الفتى العبقري زيد بن ثابت، كاتب الوحي، وجامع القرآن بعد ذلك، والذي كلفه الرسول الكريم تعلم لغة (يهود) حتى يقرأ له رسائلهم إليه صلى الله عليه وسلم، ويكتب له رسائله إليهم.

وحين انتشر العلم في أوساط المسلمين اتجه الرسول إلى فرض التكافل بين المسلمين في هذا الجانب، كما فرضه في الجانب المادي المعيشي، فالعالم عليه أن يعلم الجاهل، والقارئ عليه أن ينور الأمي ويأخذ بيده.

فعن علقمة بن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن جده قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأثنى على طوائف من المسلمين خيرًا ثم قال: (ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم ولا يعلمونهم ولا يعظونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم! وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون! والله ليعلمن قوم جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتفقهون ويتعظون، أو لأعجلنهم العقوبة) ثم نزل، فقال قوم: من ترونه عنى بهؤلاء؟ قال: الأشعريين، هم قوم فقهاء ولهم جيران جفاة من أهل المياه والأعراب، فبلغ ذلك الأشعريين، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ذكرت قومًا بخير وذكرتنا بشر، فما بالنا؟ فقال: (ليعلمن قوم جيرانهم وليعظنهم وليأمرنهم ولينهونهم، وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتعظون ويتفقهون، أو لأعجلنهم العقوبة في الدنيا) فقالوا: يا رسول الله أنفطن غيرنا؟ فأعاد قوله عليهم، فأعادوا قولهم: أنفطن غيرنا؟ فقال ذلك أيضًا، فقالوا: أمهلنا سنة، فأمهلهم سنة؛ ليفقهوهم ويعلموهم ويعظوهم، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [المائدة: 78] 90.

فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يقر قومًا على الأمية بجانب قوم متعلمين، واعتبر بقاء الجاهلين على جهلهم وامتناع المتعلمين عن تعليمهم عصيانًا لأوامر الله وشريعته يوجبان اللعنة والعذاب.

وأعلن الحرب والعقوبة على الفريقين حتى يبادروا إلى التعلم والتعليم، وأعطاهم مهلة عام واحد للقضاء على آثار الأمية فيما بينهم.

والحادثة قد وردت بشأن الأشعريين العلماء وجيرانهم الجهلاء، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أعلن ذلك المبدأ بصفة عامة، لا بخصوص الأشعريين وحدهم بدليل أن الأشعريين لما جاءوا يسألونه عن سر تخصيصهم بهذا الإنكار كما فهم الناس، لم يقل لهم أنتم المرادون بذلك، بل أعاد القول العام الذي سلف ثلاث مرات دون أن يخصصه بالأشعريين، إشعارًا بأن القضية قضية مبدأ عام غير مخصوص بفئة ولا عصر معين.

وبذلك يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعلن مكافحة الأمية قبل أن تعلنه الدول المتحضرة في عصرنا هذا بأربعة عشر قرنًا.

فلذا يجب على العلماء تعليم الأميين من هذه الأمة وذلك عن طريق:

1.تفعيل دور المساجد: من خلال قيام أئمة المساجد بتسليط الضوء على هذه المشكلة، والتوعية بأضرار الأمية من خلال خطب الجمعة مثلًا، ويمكن أن يساعد المسجد في حملة القضاء على الأمية إذا استندت قضية التعليم على أسس دينية.

2.استنهاض الهمم نحو مقاومة الأمية في كل الأعمار صغارًا، وكبارًا، رجالًا ونساءً، وأن يطرح مشروع محو الأمية كمشروع إسلامي قومي وطني بأولوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت