فهرس الكتاب

الصفحة 1729 من 2431

زعموا لجهلهم بتاريخ شرائعهم أن إبراهيم وأبناءه كانوا على اليهودية أو على النصرانية فأكذبهم الله تعالى: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} ، وأكد كذبهم في آيات أخرى مثل قوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا} [آل عمران: 67] .

إن الأمة إذا انغمست في الجهالة وصارت عقائدها غرورًا، ومن دون تدبر، اعتقدت ما لا ينتظم مع الدليل، واجتمعت في عقائدها المتناقضات 148.

وهذا القول الكذب من أهل الكتاب لما يعلمون من إمامة إبراهيم عليه السلام في الدين، وثناء الله عليه في كتبهم، ولذا نسبوا أنفسهم إليه، وحاجوا المسلمين في ذلك، وحتى مشركي العرب كانوا ينسبون أنفسهم إلى إبراهيم، ويدعون اتباعه كما جاء في الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة، أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما من الأزلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(قاتلهم الله، لقد علموا: ما استقسما بها قط) ، ثم دخل البيت، فكبر في نواحي البيت، وخرج ولم يصل فيه) 149.

ومعنى قوله تعالى: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} «قد أخبرنا الله بذلك، أفأنتم أعلم أم الله؟، بل إن الله قد أخبركم أنتم بذلك في أسفاركم فلا تكتموا الحق المدون في أسفاركم هذه، ومن أظلم ممن كتم حقيقة يعلمها من كتابه وسيجازيكم الله على ما تلجون فيه من باطل، فليس الله بغافل عما تعملون» 150.

وقال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) } [آل عمران: 65 - 68] .

فذكر تعالى محاجة ومجادلة أهل الكتاب في إبراهيم عليه السلام، وزعمهم أنه كان على ملتهم، ثم رد عليهم بعدة ردود فيها:

-التنديد بأهل الكتاب لمحاجتهم في إبراهيم مع أن التوراة والإنجيل إنما أنزلا من بعده، (وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ، «أي: كيف تدعون، أيها اليهود، أنه كان يهوديًا، وقد كان زمنه قبل أن ينزل الله التوراة على موسى، وكيف تدعون، أيها النصارى، أنه كان نصرانيًا، وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر. ولهذا قال: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) » 151.

-التنديد بأهل الكتاب لمحاجتهم في شيء ليس عندهم علم به.

-نفي كون إبراهيم يهوديًا أو نصرانيًا، والتقرير بأنه كان مسلمًا حنيفًا غير مشرك، وفي ذلك رد على اليهود والنصارى الذين يدعون اتباع ملة إبراهيم عليه السلام وهي التوحيد - وهم مقيمون على الشرك.

-بيان أن أولى الناس بإبراهيم هم الذين على ملته، ومنهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا به؛ لأنهم أيضًا عليها 152.

خامسًا: دعوى نفي الحق عمن سواهم.

من دعاوى أهل الكتاب الباطلة والتي ردها القرآن الكريم عليهم: دعواهم نفي الحق عمن سواهم، قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) } [البقرة: 113] .

«والمراد من القول: التصريح بالكلام الدال، فهم قد قالوا هذا بالصراحة حين جاء وفد نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم أعيان دينهم من النصارى، فلما بلغ مقدمهم اليهود، أتوهم وهم عند النبي صلى الله عليه وسلم، فناظروهم في الدين وجادلوهم حتى تسابوا، فكفر اليهود بعيسى وبالإنجيل وقالوا للنصارى: ما أنتم على شيء، فكفر وفد نجران بموسى وبالتوراة، وقالوا لليهود: لستم على شيء. وقولهم {عَلَى شَيْءٍ} نكرة في سياق النفي، والشيء الموجود هنا مبالغة، أي: ليسوا على أمر يعتد به ... فالمراد هنا: ليست على شيء من الحق، وذلك كناية عن عدم صحة ما بين أيديهم من الكتاب الشرعي، فكل فريق من الفريقين رمى الآخر بأن ما عنده من الكتاب لا حظ فيه من الخير، كما دل عليه قوله بعده: {وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} فإن قوله: {وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} جملة حالية جيء بها لمزيد التعجب من شأنهم أن يقولواذلك.

وكل فريق منهم يتلون الكتاب، وكل كتاب يتلونه مشتمل على الحق لو اتبعه أهله حق اتباعه» 153.

وقال أبو حيان في دلالة قوله تعالى {وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} : «وهذا نعي عليهم في مقالتهم تلك؛ إذ الكتاب ناطق بخلاف ما يقولونه، شاهدة توراتهم ببشارة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وصحة نبوتهما. وإنجيلهم شاهد بصحة نبوة موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، إذ كتب الله يصدق بعضها بعضًا. وفي هذا تنبيه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في أن من كان عالمًا بالقرآن، يكون واقفا عنده، عاملًا بما فيه، قائلًا بما تضمنه، لا أن يخالف قوله ما هو شاهد على مخالفته منه، فيكون في ذلك كاليهود والنصارى» 154.

ثم قال تعالى زيادة في توبيخهم على مقالتهم: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} ، أي: أن حال هؤلاء في مقالتهم تلك شابهت حال أولئك الجهلة من مشركي العرب، والذين لم ينزل عليهم كتاب يعلمهم ويهديهم، قال أبو حيان: «الذين لا يعلمون: هم مشركو العرب في قول الجمهور» 155، قالوا: لكل أهل دين ليسوا على شيء، وهو توبيخ عظيم من الله تعالى لأهل الكتاب، حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم.156

ثم قال تعالى: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} وهو تعقيب من الله تعالى على ذلك الخلاف بين أهل الكتاب، يقرر أن الله سبحانه وتعالى سوف يحكم يوم القيامة فيما يختلف فيه الفريقان فيؤيد الحق وأصحابه ويخذل الباطل وأصحابه.157

-بين القرآن الكريم عدة قواعد وضوابط في التعامل مع أهل الكتاب، ذلك لأنه كتاب تشريع شامل لكل مناحي الحياة، بين فيه كيفية تعامل المسلمين مع بعضهم البعض، وتعامل المسلمين مع غيرهم سواء كانوا من أهل كتاب أو من غيرهم من الكافرين.

وتبرز في هذه الضوابط والأحكام جميعًا ربانية القرآن الكريم، وعدالة تشريعاته وعظمتها، {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] .

وقد فرق القرآن الكريم في التعامل بين أهل الكتاب وغيرهم من الأمم الكافرة، وأعطى كل واحد منهم منزلته التي يستحقها، فهم وإن كانوا جميعًا كفارًا ضلالًا، إلا أنه تبقى لأهل الكتاب رتبة على غيرهم من الكفار، فهم أهل الكتاب، يؤمنون بالله تعالى، وبعض كتبه - على ما دخلها من تحريف - ورسله، وإن كان إيمانهم إيمانًا فاسدًا ناقصًا لا ينفعهم في الآخرة شيئًا، لكنهم يفترقون به عن المشركين وعبدة الأوثان وأهل الإلحاد، ولذا كان من العدل أن يفرق بينهم في بعض الأحكام في الدنيا، كإباحة نكاح نسائهم، وأكل ذبائحهم، وغير ذلك.158

وسنبين الضوابط الشرعية التي قررها القرآن الكريم في التعامل مع أهل الكتاب فيما يأتي:

أولًا: دعوتهم للإسلام ومجادلتهم بالتي هي أحسن.

إن الإسلام هو دين الله تعالى الذي شرعه لعباده وارتضاه لهم، ولا يقبل من أحد منهم دينًا غيره، ولا ينجو أحد منهم إلا به، قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) } [آل عمران: 85] .

وقال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) } [آل عمران: 19] .

أي: إن أصل دين أهل الكتاب الذي جاءت به رسلهم هو الإسلام، وإنما بدلوه عن حقيقته بغيًا منهم بينهم 159، فضلوا وانحرفوا عن دين الله تعالى.

ولقد دعا القرآن الكريم أهل الكتاب في آيات كثيرة وبأساليب شتى، من ذلك الدعوة الصريحة لهم كما في قوله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) } [آل عمران: 64] .

وفند عقائدهم وردها، وبين أنها تخالف أصول ديانتهم الصحيحة التي جاء بها موسى وعيسى - عليهما السلام -، وغير ذلك من الأساليب المنهجية الحكيمة التي سلكها في دعوتهم.

كما نهى القرآن الكريم نهيًا صريحًا عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالطريقة التي هي أحسن، أي: «بحسن خلق ولطف ولين كلام، ودعوة إلى الحق وتحسينه» 160، وبالحكمة، لكون ذلك أنفع وأنجع في دعوتهم، وأقرب إلى استجابتهم، قال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) } [العنكبوت: 46] .

ومن بلاغة الآية: أن الله تعالى بدأها بالنهي عن جدال أهل الكتاب {إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ، ولم يقل: وجادلوا أهل الكتاب بالتي هي أحسن، وهذا أوكد في النهي، وأبلغ في الأمر بمراعاة الأدب في النقاش والحوار والمناظرة، أي: فلا تجادلوهم إلا بالتي هي أحسن.

ثانيًا: عدم إكراههم على ترك دينهم.

قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256] .

فالإسلام لا يجبر أهل الكتاب على ترك دينهم وعقيدتهم، أو على اعتناق الإسلام بالتهديد والتخويف، بل يترك لهم الخيار مفتوحًا في اختيار الإسلام أو البقاء على دينهم، فإن اختاروا البقاء على دينهم، أقرهم الإسلام عليه في مقابل أن يخضعوا لحكمه العام، والذي يكفل الحقوق لهم ولغيرهم.

قال سيد قطب: « {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} وفي هذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان، واحترام إرادته، وفكره، ومشاعره، وترك أمره لنفسه فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد، وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه ... ولا يزيد السياق على أن يلمس الضمير البشري لمسة توقظه، وتشوقه إلى الهدى، وتهديه إلى الطريق، وتبين حقيقة الإيمان التي أعلن أنها أصبحت واضحة وهو يقول: {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} .

فالإيمان هو الرشد الذي ينبغي للإنسان أن يتوخاه ويحرص عليه. والكفر هو الغي الذي ينبغي للإنسان أن ينفر منه ويتقي أن يوصم به» 161.

ولا يخفى على كل من له معرفة أو اطلاع بتاريخ الأمم والشعوب، غياب هذا المبدأ العظيم عن واقع كثير منها، فمحاكم التفتيش، وممارسة أبشع أساليب القسوة والوحشية على المخالفين في العقيدة، - بل في الرأي - شاهدة على ذلك، أما المسلمون فعاش بينهم اليهود والنصارى وغيرهم من الملل لمئات السنين في أمن وراحة وطمأنينة على النفس والمال والأهل، إلى أن دخل كثير منهم الإسلام عن كامل اقتناع وإرادة لما رأوه من عدالة الإسلام وأخلاق المسلمين.

ولعل الوصول إلى هذه النتيجة هي الحكمة من الإبقاء على هؤلاء المخالفين في العقيدة في ديار الإسلام، وهو أن يروا الإسلام بأعينهم عن قرب، ويعلموا عظمته وأنه دين الله تعالى دون غيره، ويروا المسلمين وهم يلتزمون بدينهم في أداء صلواتهم في الجمع والجماعات، ويجتنبون المحرمات، بخلاف ما عليه غيرهم من أهل الأديان الأخرى من البعد عن دينهم والتفريط فيه.

ثالثًا: الإنصاف للأمناء منهم.

قال تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) } [آل عمران: 75] .

ففرق تعالى بين أهل الأمانة من أهل الكتاب وأهل الخيانة منهم 162، فقال في أهل الأمانة: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} ، وقوله (بقنطار) ، «أي بمال كثير» 163، وهو يدل على مبالغتهم في أداء الأمانة، كما لم يذكر تعالى القيام عليهم كما ذكره في الصنف الثاني: {إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} ، أي: أنه يؤدي الأمانة وإن كانت عظيمة دون إلحاح عليه.

قال الفخر لرازي: «المراد من ذكر القنطار والدينار هاهنا: العدد الكثير والعدد القليل، يعني: أن فيهم من هو في غاية الأمانة حتى لو اؤتمن على الأموال الكثيرة أدى الأمانة فيها، ومنهم من هو في غاية الخيانة حتى لو اؤتمن على الشيء القليل، فإنه يجوز فيه الخيانة» 164.

رابعًا: النهي عن موالاتهم.

من أصول العقيدة الإسلامية التي قررها القرآن الكريم: الولاء والبراء، الولاء لأهل التوحيد والإسلام بالحب لهم والإخلاص والنصرة، والبراء من أهل الشرك والكفر، بالبغض لهم والمعاداة، وذلك من ملة إبراهيم عليه السلام والذين معه، الذين أمرنا بالاقتداء بهم؛ قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4] 165.

وقد نهى الله تعالى عن موالاة اليهود والنصارى نهيًا صريحا في كتابه العزيز، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) } [المائدة: 51] .

وذلك لأن اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر هم أعداء لله تعالى، غضب الله تعالى عليهم، ولعنهم، وأنزل في كتابه آيات في الوعيد لهم، فكيف يحب- المسلم ويود أمثال هؤلاء، وهو- أي: المسلم يحب الله ورسوله، وهؤلاء حادوا الله ورسوله، وكفروا به، وخالفوا أمره، ولذلك ينبغي أن نبغضهم.

قال ابن جرير الطبري: «إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعًا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارًا وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله وغيرهم، وأخبر أنه من اتخذهم نصيرًا وحليفًا ووليًا من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان» 166.

وقال ابن حزم: «صح أن قول الله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} ، إنما هو على ظاهره: بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين» .167

والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهي تربي المسلمين على معرفة كيد أهل الكتاب للإسلام والمسلمين، وتقطع ما في نفوس بعضهم من ود وولاء لهؤلاء الأعداء، من أجل أن يكون الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين فقط.168

وهذا النهي عن موالاة أهل الكتاب في القرآن الكريم لا يتناقض أبدًا مع ما ورد فيه أيضًا من السماحة في معاملتهم والبر بهم.

إن سماحة الإسلام مع أهل الكتاب شيء، واتخاذهم أولياء شيء آخر، ولكنهما يختلطان على بعض المسلمين، الذين لم تتضح في نفوسهم الرؤية الكاملة لحقيقة هذا الدين ووظيفته، بوصفه حركة منهجية واقعية، تتجه إلى إنشاء واقع جديد في الأرض، ... وهؤلاء الذين تختلط عليهم تلك الحقيقة، فيخلطون بين دعوة الإسلام إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب والبر بهم في المجتمع المسلم الذي يعيشون فيه مكفولي الحقوق، وبين الولاء الذي لا يكون إلا لله ورسوله وللجماعة المسلمة. ناسين ما يقرره القرآن الكريم من أن أهل الكتاب، بعضهم أولياء بعض في حرب الجماعة المسلمة، وأن هذا شأن ثابت لهم، وأنهم ينقمون من المسلم إسلامه، وأنهم لن يرضوا عن المسلم إلا أن يترك دينه ويتبع دينهم. وأنهم مصرون على الحرب للإسلام وللجماعة المسلمة. وأنهم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، إلى آخر هذه التقريرات الحاسمة. إن المسلم مطالب بالسماحة مع أهل الكتاب، ولكنه منهي عن الولاء لهم بمعنى التناصر والتحالف معهم. وإن طريقه لتمكين دينه وتحقيق نظامه المتفرد لا يمكن أن يلتقي مع طريق أهل الكتاب، ومهما أبدى لهم من السماحة والمودة فإن هذا لن يبلغ أن يرضوا له البقاء على دينه وتحقيق نظامه، ولن يكفهم عن موالاة بعضهم لبعض في حربه والكيد له 169.

خامسًا: إباحة الأكل من ذبائحهم، ونكاح نسائهم.

قال تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5) } [المائدة: 5] .

فقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} يعني: ذبائحهم، أباح الله لأهل الإسلام الأكل منها، لأنهم - أي: أهل الكتاب - يذكرون اسم الله عليها، وهم متعبدون بذلك، ودل مفهوم المخالفة في الآية على أنه لا يحل طعام غيرهم من أهل الأديان، لأنهم لا يذكرون اسم الله تعالى على ذبائحهم، بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة، بل يأكلون الميتة، وقوله تعالى: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} أي: ويحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم. وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة 170.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت