فهرس الكتاب

الصفحة 2051 من 2431

فهذا الرجل لم يكتف بتحذير موسى عليه السلام ممن أرادوا قتله، بل ونصحه بالخروج من قريتهم حتى لا يمسكوا به فينالوا منه، هذا إلى جانب المجهود الذي بذله والسعي الذي سعاه ليسبق القوم إلى موسى عليه السلام ويحذره، فهكذا يجب أن يكون المسلم ناصحا ً لغيره ومحذرا ً له من أي ضرر قد يلحق به أو أي خطر قد يهدد حياته، بل عليه أن يدله على طريق النجاة إن كان على علم بها، وكذلك الأمور الدنيوية الأخرى عليه أن يقدم النصح فيما فيه خير للمسلمين في أمور دنياهم.

والنصيحة للمسلمين: أن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، ويشفق عليهم، ويرحم صغيرهم، ويوقر كبيرهم، ويحزن لحزنهم، ويفرح لفرحهم، وإن ضره ذلك في دنياه كرخص أسعارهم، وإن كان في ذلك فوات ربح ما يبيع من تجارته، وكذلك جميع ما يضرهم عامة، ويحب صلاحهم ودوام النعم عليهم، ونصرهم على عدوهم، ودفع كل أذى ومكروه عنهم، وإرشادهم إلى مصالحهم، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ونصرتهم على أعدائهم، والذب عنهم، ومجانبة الغش، والحسد لهم، وإيثار فقيرهم وتعليم جاهلهم، ورد من زاغ منهم عن الحق في قول أو عمل بالتلطف في ردهم إلى الحق، والرفق بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محبة لإزالة فسادهم ولو بحصول ضرر له في دنياه 26.

ومن النصائح الدنيوية: لو أن إنسانًا قال لك: أنا لا أعرف انتق لي بنطالًا على ذوقك، وانتقيت له البنطال الكاسد ذي اللون غير المرغوب، من أجل أن تصرف هذا اللون الذي ربص أمامك، فأنت لست ناصحا أمينا، وإذا قال لك إنسان: أفتح محلا بهذه المصلحة، وأنت تعلم أن هذه المصلحة ذات أرباح طائلة، تقول: لا هذه مصلحة فاقورة، تريد أن تصرفه عن هذه المصلحة وأنت مسلم؟! فقد غششته، والمستشار مؤتمن.

وهناك أمثلة لا تعد ولا تحصى، أكثرها في العمل، قال لك فلان: هل أشتري هذا البيت؟ تبيع البيت أنت، وأنت تبيع هذا البيت لعلةٍ خطيرة شعرت أن فيه خطرًا، وزينت له هذا البيت حتى بعته له، أنت مسلم؟ لا والله.

عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (حق المسلم على المسلم ستٌ) قيل: ما هن يا رسول الله؟، قال: (إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فسمته، وإذا مرض فعده وإذا مات فاتبعه) 27.

فحينما يأتيك إنسان، ويقول لك: انصحني ماذا أفعل؟ هل تعلم ماذا يعني ذلك؟ يعني ذلك: أنه واثقٌ من رجاحة عقلك، ومن إخلاصك له، إنسان وضع ثقته فيك، وضع ثقته برجاحة عقلك، وضع ثقته بإخلاصك له، أعطاك صفتين؛ صفة عقلية وهي الرجحان، وصفة نفسية وهي الإخلاص، لا يمكن أن تأتي إنسانًا وتستنصحه إلا إذا وثقت بعقله وأخلاقه، إلا إذا وثقت برجاحة عقله وصدق إخلاصه، إذًا حينما يأتيك إنسان وقد منحك الثقة، وقد منحك كل عوامل الرضا تخونه؟! لذلك كبرت خيانةً عند الله: أن تحدث الناس بحديث هم لك مصدقون وأنت لهم به كاذب.

فإذا طرق بابك واستنصحت فانصح، فالإنسان يستشير بموضوع زواج، بموضوع تجارة، بموضوع فتح محل تجاري، بموضوع استثمار مال، بموضوع سفر، بموضوع شراء بيت، هذه أشياء تعارف الناس على أنها تنفع فيها المشورة، ويجب أن تنصح المسلمين من خلال عملك في الدرجة الأولى، كلٌ في عمله؛ الطبيب في عيادته، والمحامي في مكتبه، والبائع في دكانه، والموظف وراء طاولته، هذا الذي أمامك إن كان مخلوقًا فهو مخلوقٌ لله عليك أن تنصح له، وإن كان مسلمًا له عليك حقان؛ الحق الأول هو الأخوة في الإنسانية، والحق الثاني هو الأخوة في الدين، يجب أن تنصح له، والمؤمن ناصحٌ ونصوح، من صفات أهل الإيمان أنهم نصحةٌ متوادون، من صفات أهل النفاق أنهم غششةٌ متحاسدون.

فلذلك: حينما فهم المسلمون أن الدين عباداتٌ شعائرية تؤدى وتركوا جوانب الدين الأخرى كأمور العقيدة والمعاملات وغيرها، صاروا خلف الأمم، ولم تكن كلمتهم هي العليا، وحينما فهم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أن الدين نصحٌ لكل مسلم؛ الدين معاملة، الدين انضباط، فتحوا العالم، فإذا أردت أن تكون من المؤمنين الصادقين، فالدين النصيحة.

عن جرير بن عبد الله، قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلمٍ) 28.

النصيحة من أهم الأساليب التي تعمل على نشر الدين الإسلامي، ونشر تعاليمه وشعائره الصحيحة، وقد عني القرآن الكريم بالنصيحة لأهميتها أشد العناية وأمر بها.

قال تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:3] .

وقال جل شأنه: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات:5] .

وقال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: 71] .

ووضع لها أساليب وآدابًا وأخلاقًا حتى تؤتي ثمرها وتجدي نفعها.

قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) 29.

فبدأ بالنصح لله ولكتابه، ثم لرسوله، ثم لأئمة المسلمين وعامتهم، وذلك حتى تتحقق الغاية من النصيحة، فيستقيم حال الفرد والمجتمع ويصلح، وقد ذكر الله في كتابه أن الأنبياء عليهم السلام نصحوا أممهم.

قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 91] .

وهذا يعني أن من تخلف عن الجهاد لعذر، فلا حرج عليه بشرط أن يكون ناصحًا لله ورسوله في تخلفه، فإن المنافقين كانوا يظهرون الأعذار كاذبين، ويتخلفون عن الجهاد من غير نصح لله ورسوله 30.

أولًا: النصيحة لله ولكتابه:

فالنصيحة لله تكون في «إخلاص الاعتقاد في الوحدانية، ووصفه بصفات الألوهية وتنزيهه عن النقائص، والرغبة في محابه، والبعد من مساخطه» 31.

وباتباع أمره، ونصرة دينه، والتسليم له في حكمه، ومن أوامره تعالى الطهارة، والصلاة، والصيام، والزكاة 32.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 132] .

وقال تعالى: {يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .

وقال: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] .

كما أن معنى النصيحة لله تعالى منصرف إلى الإيمان به، ونفي الشريك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الكمال والجلال، وتنزيهه من جميع النقائص، والقيام بطاعته، واجتناب معصيته، والحب فيه والبغض فيه، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، وجهاد من كفر به، والاعتراف بنعمته وشكره عليها، والإخلاص في جميع الأمور 33.

فاحذروا المحرمات واجتنبوا المنكرات، وحذروا الناس منها بالنصيحة، فإن ديننا هو دين النصيحة، وما سمي دين النصيحة إلا لأننا كنا به إخوة.

قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10] .

وكنا به كالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالحمى والسهر، وكنا به كالبنيان الذي يشد بعضه بعضًا، وبالنصيحة يتحقق الإيمان، وتسلم القلوب من أمراضها، وقد نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وبفعله وبتعامله وبأخلاقه، ونصح أصحابه من بعده، ولا تزال الأمة بخير ما دامت النصيحة 34.

وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} [البينة: 5] .

كما أنه يجب أن يكون الإنسان دائمًا ذاكرًا لربه بقلبه ولسانه وجوارحه، وأن تكون غيرته لله فيغار لله عز وجل إذا انتهكت محارمه، وأن يبطل كيد الكائدين، ويرد على الملحدين، وأن يكون باثًا دين الله في عباد الله؛ لأن هذا مقام الرسل كلهم، فهم دعاة إلى الله يدعون الناس إلى الله عز وجل، كما قال الله تعالى عنهم: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} [النحل: 36] .

وقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ} أي: من الأمة التي بعث فيها الرسول 35.

وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .

وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن الدين النصيحة يدل على أن النصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان، وسمى ذلك كله دينًا، فإن النصح لله يقتضي القيام بأداء واجباته على أكمل وجوهها، وهو مقام الإحسان، فلا يكمل النصح لله بدون ذلك، ولا يتأتى ذلك بدون كمال المحبة الواجبة والمستحبة، ويستلزم ذلك الاجتهاد في التقرب إليه بنوافل الطاعات على هذا الوجه وترك المحرمات والمكروهات على هذا الوجه أيضًا 36.

كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن النصيحة أيضا تكون لكتاب الله تعالى، وذلك بأن «تؤمن به وتتلوه وتعمل بما فيه وتدعو الناس اليه» 37.

ومن ذلك أيضًا: «الاعتقاد بأنه كلام الله والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه» 38.

والنصح يشمل كتاب الله الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، بأن يدافع المسلم، يدافع من حرفه تحريفًا لفظيًا، أو تحريفًا معنويًا، أو من زعم أن فيه نقصًا، أو أن فيه زيادة.

قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .

فالله عز وجل تكفل بحفظه، ومن ادعى أنه قد نقص حرفًا واحدًا اختزل منه؛ فقد كذب الله عز وجل، فعليه أن يتوب ويرجع إلى الله من هذه الردة، ومن النصيحة لكتاب الله: الإيمان بأن الله تعالى تكلم بهذا القرآن حقيقة، وأنه كلامه عز وجل؛ الحرف والمعنى.

قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:192] .

وقال تعالى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] .

ومن النصيحة لكتاب الله عز وجل أن يقوم الإنسان باحترام هذا القرآن العظيم.

قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9] .

فمن ذلك أن لا يمس القرآن إلا وهو طاهر، وأن لا يضعه في موضع يمتهن فيه 39، ومن ذلك «قراءته والتفقه فيه، والذب عنه وتعليمه، وإكرامه والتخلق به» 40.

قال تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [الأنعام: 92] .

وقال تعالى: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 113 - 114] .

كما أنه يجب الإيمان بأنه لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحد من الخلق، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوة، والوقوف على أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله، والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه، والتسليم لمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه، ونشر علومه، والدعاء إليه.

قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة:6] .

ثانيًا: النصيحة لرسول الله:

والنصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تتضمن: «التصديق بنبوته، والتزام طاعته، في أمره ونهيه وحب من أحبه، وحب آل بيته ومن سار بسيرته وإحياء سنته بالمدارسة والنفقة والعمل بها والدفاع عنها» 41، والإيمان التام برسالته، وأن الله أرسله إلى جميع الخلق.

قال تعالى: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا} [النساء: 79] .

وقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال:24] .

فنؤمن بأن محمدًا رسول الله إلى جميع الخلق من جن وإنس، وأنه صادق مصدوق، صادق فيما يخبر به، مصدوق فيما أخبر به من الوحي 42.

ومن النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، بذل المجهود في طاعته ونصرته ومعاونته.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] .

وقال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء:13 - 14] .

وبذل المال إذا أراده والمسارعة إلى محبته، وأما بعد وفاته: فالعناية بطلب سنته، والبحث عن أخلاقه وآدابه، وتعظيم أمره، ولزوم القيام به، وشدة الغضب والإعراض عمن تدين بخلاف سنته، والغضب على من ضيعها لأثرة دنيا، وإن كان متدينًا بها، والتشبه به في زيه ولباسه 43.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال:20] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] .

والآيات التي دعت إلى ذلك كثيرة، ومن النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم بث دعوته ونشر شريعته، ونفي التهمة عنها واستثارة علومها، والتفقه في معانيها، والدعاء إليها، والتلطف في تعلمها وتعليمها وإعظامها وإجلالها، والتأدب عند قراءتها، والإمساك عن الكلام فيها بغير علم، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومجانبة من ابتدع في سنته أو تعرض لأحد من أصحابه 44، وإكرام قرابته، فقد قال تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23] .

قال ابن عباس: يعني: لا تؤذوا قرابتي. ومن النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم الشفقة على أمته، وتكون بثلاثة أمور: القيام لهم بفروض الكفاية كالعلم، والجهاد، وصلاة الجنازة، ومنها القيام بالحرف المهمة، التي بها نظام العالم، وبالسنن المؤكدة على الكفاية، كالأذان، والإمامة، ونحو ذلك، فإن فعل ذلك بنية إعانة إخوانه المسلمين، أثيب عليه ثواب من رفع المشقة عن حاضري الموضوع الذي تعين ذلك فيه، والنية إكسير الأعمال، تقلب أعيانها وتحقق حقائقها 45.

ثالثًا: النصيحة للعلماء والأمراء:

العلماء: هم أئمة الدين الذين يقودون الناس لكتاب الله، ويهدونهم إليه، ويدلونهم على شريعته تعالى.

قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة:24] .

والنصح لهم بأن يحرص الإنسان على تلقي ما عندهم من العلم.

قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] .

فإنهم الواسطة بين الرسول - صلى الله عليه وسلم- وبين أمته، فيحرص على تلقي العلم منهم بكل وسيلة، وليكن تلقيه على وجه التأني لا على وجه التسرع؛ لأن الإنسان إذا تسرع في تلقي العلم فربما يتلقاه على غير ما ألقاه إليه شيخه وقد أدب الله النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأدب، فقال تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} [القيامة: 16] .

ومن النصح أيضًا: أن لا يتتبع الإنسان عوراتهم وزلاتهم وما يخطئون فيه؛ لأنهم غير معصومين، فكم من إنسان انتفع من تلاميذه، لذلك من نصيحتك لهم أن تدافع عن عوراتهم، وأن تسترها ما استطعت، وأن لا تسكت إذا سمعت شيئًا بل نبه العالم، فقوم أخاك ولا سيما أهل العلم؛ لأن العالم خطره عظيم، إن أصاب هدى الله على يده خلقًا كثيرًا، وإن أخطأ ضل على يده خلق كثير فزلة العالم من أعظم الزلات.

أما الأمراء: فهم أئمة السلطة وهم في الغالب أكثر خطأ من العلماء؛ لأنه لسلطته قد تأخذه العزة بالإثم فيريد أن يفرض سلطته على الصواب والخطأ، والنصيحة لهم بأن نكف عن مساوئهم، وأن لا ننشرها بين الناس، وأن نبذل لهم النصيحة ما استطعنا، لأن الأمة إذا امتلأت صدورها من الحقد على ولاة أمورها عصت الولاة، ونابذتهم، وحينئذ تحصل الفوضى، ويسود الخوف، ويزول الأمن، فإذا بقيت هيبة ولاة الأمور في الصدور صار لهم هيبة، وحميت أوامرهم ونظمهم التي لا تخالف الشريعة.

فالمهم أن أئمة المسلمين تشمل النوعين، أئمة الدين وهم العلماء، وأئمة السلطان وهم الأمراء، فيجب علينا أن نناصحهم، ونحرص على بذل النصيحة لهم، في الدفاع عنهم وستر معايبهم 46، «ومعاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك» 47.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] .

واختلف أهل التأويل في {وَأُولِي الْأَمْرِ} الذين أمر الله عباده بطاعتهم في هذه الآية، فقال بعضهم: هم الأمراء، وقال آخرون: هم أهل العلم والفقه 48.

«قال الخطابي: ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم، وأداء الصدقات إليهم، وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة، وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يدعى لهم بالصلاح» 49.

رابعًا: النصيحة لعامة الناس:

والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ونصرتهم على أعدائهم، والذب عنهم، ومجانبة الغش، والحسد لهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكرهه لنفسه، ودفع الأذى والمكروه عنهم، وإيثار فقيرهم وتعليم جاهلهم، ورد من زاغ منهم عن الحق في قول أو عمل بالتلطف في ردهم إلى الحق، والرفق بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محبة لإزالة فسادهم ولو بحصول ضرر له في دنياه.

ومن أعظم أنواع النصح أن ينصح لمن استشاره في أمره، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إذا استنصح أحدكم أخاه، فلينصح له) 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت