ومن هذه الآيات التي اقترن فيها العمل الصالح بالإيمان قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) } [البقرة:25] .
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) } [البقرة:82] .
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) } [البقرة:277] .
وقوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) } [آل عمران:57] .
وغيرها من الآيات الكثير.
وتظهر الحكمة من اقتران العمل الصالح بالإيمان فيما يأتي:
أولًا: أنه لابد مع الإيمان من العمل الصالح؛ فمجرد الإيمان لا ينفع العبد حتى يقوم بواجبه، أي واجب الإيمان: وهو العمل الصالح.
ثانيًا: أن العمل لا يفيد حتى يكون صالحًا؛ والصلاح أن ينبني العمل على أمرين: الإخلاص لله عز وجل، وضده الشرك؛ والمتابعة، وضدها البدعة؛ فمن أخلص لله في شيء، ولكنه أتى بعمل مبتدع لم يقبل منه؛ ومن أتى بعمل مشروع لكن خلطه بالشرك لم يقبل منه؛ وأدلة هذا معروفة 76.
ثالثًا: الإيمان أفرد وحده في آيات كثيرة، وقرن مع العمل الصالح في آيات كثيرة، فالآيات التي أفرد فيها يدخل فيه جميع عقائد الدين وشرائعه الظاهرة والباطنة، ولهذا يرتب الله عليه حصول الثواب، والنجاة من العقاب، ولولا دخول المذكورات ما حصلت آثاره، وهو عند السلف: قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح.
والآيات التي قرن الإيمان فيها بالعمل الصالح، كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة:277] .
يفسر الإيمان فيها بما في القلوب من المعارف والتصديق، والاعتقاد والإنابة، والعمل الصالح بجميع الشرائع القولية والفعلية 77.
رابعًا: أن عامة ذكر الإيمان في القرآن مقرونة بالأعمال الصالحة تنبيهًا إلى أن جملة الاعتقاد والمقال لا اعتداد بها ما لم يضامها الأعمال الصالحة، إذ الاعتقاد كالأس، والعمل كالبناء، ولا غناء في أس بلا بناء، كما لا ثبات لبناء بلا أس 78.
خامسًا: أن الأعمال الصالحة من تمام الإيمان، ومن لم يأت بذلك فإنه يقال له مؤمن على المجاز 79.
سادسًا: أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان؛ لأنه تعالى قال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} فلو دل الإيمان على العمل الصالح لكان ذكر العمل الصالح بعد الإيمان تكرارًا، وإن كان يدخل فيه جميع الأعمال الصالحة 80؛ لأن العمل الصالح معتبر مع الإيمان، فإن الإيمان المجرد مفيد للنجاة دون رفع الدرجات ولا يبلغ المؤمن الدرجة العالية إلا بإيمانه وعمله الصالح، وأما الكافر فهو في الدركات بمجرد كفره فلو قال: والذين كفروا وعملوا السيئات في العذاب محضرون، لكان العذاب لمن يصدر منه المجموع، فإن قيل فمن يؤمن ويعمل السيئات غير مذكور في القسمين، فنقول: له منزلة بين المنزلتين لا على ما يقوله المعتزلة، بل هو في الأول في العذاب ولكن ليس من المحضرين دوام الحضور، وفي الآخرة هو في الرياض ولكنه ليس من المحبورين غاية الحبور كل ذلك بحكم الوعد 81.
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) } [يونس:9] دلت هذه الآية على أن الإيمان الذي يستحق به العبد الهداية والتوفيق والنور يوم القيامة، هو إيمان مقيد، وهو الإيمان المقرون بالعمل الصالح والإيمان الذي لم يقرن بالعمل الصالح فصاحبه لا توفيق له ولا نور 82.
وبهذا يتبين أن الإيمان هو الاعتقاد فقط، أما الأعمال الصالحات والإيمان فكل منهما غير الآخر ولكن الجمع بينهما شرط لاستحقاق البشارة بالجنات 83.
ثانيًا: أسباب صلاح الأعمال:
إن أسباب العمل الصالح تتمثل في: الإخلاص لله تعالى ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن الآيات التي جمعت بين ذلك قوله تعالى:. {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) } [النساء:124 - 125] .
فالآيتان تبينان شرطا العمل الصالح اللذان لا يصح عمل عامل بدونهما، وهما الإخلاص والمتابعة فمتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد، فمتى فقد الإخلاص كان منافقا وهم الذين يراءون الناس، ومن فقد المتابعة كان ضالًا جاهلًا، ومتى جمعهما كان عمله من أعمال المؤمنين {الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ} [الأحقاف:16] 84.
وكل عمل لا يقوم على أسباب العمل الصالح يكون يوم القيامة لا قيمة له ولا وزن، قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) } [الفرقان:23] .
قال ابن كثير: «هذا يوم القيامة حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من الخير والشر، فأخبر أنه لا يحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال التي ظنوا أنها منجاة لهم شيء، وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي إما الإخلاص فيها وإما المتابعة لشرع الله. فكل عمل لا يكون خالصا وعلى الشريعة المرضية فهو باطل، فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معا فتكون أبعد من القبول حينئذ، ولهذا قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) } قال مجاهد والثوري {وَقَدِمْنَا} أي: عمدنا، وكذا قال السدي، وبعضهم يقول: أتينا عليه.
وقوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه في قوله: {هَبَاءً مَنْثُورًا} قال: شعاع الشمس إذا دخل الكوة، وكذا روي من غير هذا الوجه عن علي وروي مثله عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي والضحاك وغيرهم، وكذا قال الحسن البصري: هو الشعاع في كوة أحدهم، ولو ذهب يقبض عليه لم يستطع. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {هَبَاءً مَنْثُورًا} قال: هو الماء المهراق. وقال أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي {هَبَاءً مَنْثُورًا} قال: الهباء رهج الدواب، وروي مثله عن ابن عباس أيضًا والضحاك، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم» 85.
وكذلك قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) } [الكهف:110]
إن العمل لا يكون صحيحًا مقبولًا عند الله إلا إذا توفرت فيه ثلاثة شروط على وجه الإجمال، دل عليها الكتاب العزيز والسنة المطهرة، وهذه الشروط هي:
الشرط الأول: أن يكون العامل مؤمنًا موحدًا.
الشرط الثاني: الإخلاص وهو أن يقصد بعمله وجه الله عز وجل.
الشرط الثالث: المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم وهو أن يعمل مهتديا بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم من دون غلو أو ابتداع 86.
والدليل على وجوب المتابعة قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران:31] .
قال ابن المنذر: «جعل الله اتباع نبيه صلى الله عليه وسلم علما لحبه، وكذب من خالفها، ثم جعل على كل قول دليلا من عمل يصدقه أو يكذبه، فإذا قال العبد قولا حسنا، وعمل عملا حسنا رفع الله قوله بعمله، وإذا قال العبد قولا حسنا، وعمل عملا حسنا رفع الله قوله بعمله، وإذا قال العبد قولا حسنا، وعمل عملا سيئا رد الله القول على العمل، وذلك في كتابه: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:10] » 87.
ثالثًا: تمني القيام بالعمل الصالح بعد الموت:
بين الله تعالى أن من لا يعمل صالحًا يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيعمل صالحًا، قال تعالى: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37) } [فاطر:37]
فهم يستغيثون ربهم يقولون: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} ، أي أخرجنا إلى الدنيا فنؤمن بدل الكفر ونطيع بدل المعصية، فوبخهم الله فقال: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ} 88.
قال الماوردي: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ} فيه خمسة تأويلات:
أحدها: أنه البلوغ، قاله الحسن لأنه أول زمان التذكر.
الثاني: ثماني عشرة سنة.
الثالث: أربعون سنة، قاله ابن عباس ومسروق.
الرابع: ستون سنة، قاله علي بن أبي طالب مرفوعًا.
الخامس: سبعون سنة؛ لأنه آخر زمان التذكر، وما بعده هرم.
قوله عز وجل: {وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} فيه أربعة أقاويل:
أحدها: محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن زيد.
الثاني: الشيب، حكاه الفراء والطبري.
الثالث: الحمى.
الرابع: موت الأهل والأقارب.
ويحتمل خامسًا: أنه كمال العقل 89.
وقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) } [السجدة:12] .
«يخبر تعالى عن حال المشركين يوم القيامة وقالهم حين عاينوا البعث وقاموا بين يدي الله عز وجل، حقيرين ذليلين ناكسي رؤوسهم، أي من الحياء والخجل يقولون: ربنا أبصرنا وسمعنا أي: نحن الآن نسمع قولك ونطيع أمرك، كما قال تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} [مريم:38] .
وكذلك يعودون على أنفسهم بالملامة إذا دخلوا النار بقولهم: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) } [الملك:10] ، وهكذا هؤلاء يقولون: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} أي: قد أيقنا وتحققنا فيها أن وعدك حق ولقاءك حق، وقد علم الرب تعالى منهم أنه لو أعادهم إلى دار الدنيا لكانوا كما كانوا فيها كفارًا يكذبون بآيات الله ويخالفون رسله» 90.
ولا يقتصر تمني من لا يعمل صالحًا على ذلك في الآخرة بل يتمنى قبل ذلك عند حضور الموت، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) } [المؤمنون:99 - 100] .
يخبر تعالى عن حال المحتضر عند الموت من الكافرين أو المفرطين في أمر الله تعالى، وقيلهم عند ذلك وسؤالهم الرجعة إلى الدنيا ليصلح ما كان أفسده في مدة حياته، ولهذا قال: {رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} ، كما قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11) } [المنافقون:10 - 11] 91.
ولما تمنى أن يرجع ليعمل رد الله عليه ذلك بقوله: كلا إنها كلمة هو قائلها فجاء بكلمة الردع والزجر، والضمير في «إنها» يرجع إلى قوله: رب ارجعون أي: إن هذه الكلمة هو قائلها لا محالة، وليس الأمر على ما يظنه من أنه يجاب إلى الرجوع إلى الدنيا، أو المعنى: أنه أجيب إلى ذلك لما حصل منه الوفاء، كما في قوله: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام:28] . وقيل: إن الضمير في {قَائِلُهَا} يرجع إلى الله، أي: لا خلف في خبره 92.
بين الله تعالى في كتابه الكريم الجزاء على الصلاح، وأنه يكون في الدنيا للصالحين، ويكون كذلك في الآخرة بسبب صلاحهم.
أولًا: جزاء الصلاح في الدنيا:
إن جزاء الصلاح في الدنيا يتمثل في وراثة الأرض، وصلاح الأولاد، وولاية الله تعالى، والنجاة من المجرمين، والاصطفاء الإلهي، والتوفيق للهداية للحق والصواب، والمودة والمحبة في قلوب الخلق، وفضل الله تعالى على الصالحين، والخروج من الظلمات إلى النور، والخيرية بين الخلق، وبيان ذلك فيما يأتي:
1.وراثة الأرض.
قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) } [الأنبياء:105] .
يقول تعالى مخبرًا عما حتمه وقضاه لعباده الصالحين من السعادة في الدنيا والآخرة ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة؛ كقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور:55] .
وأخبر تعالى أن هذا مسطور في الكتب الشرعية والقدرية وهو كائن لا محالة، ولهذا قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ} 93.
وقد اختلف المفسرون في معنى الأرض المذكورة في الآية، على أقوال، والراجح من هذه الأقوال: إن الأرض هي الدنيا 94، ورجح هذا القول الإمام الزجاج 95؛ وذلك لما مضى في السورة ذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأممهم، وختم الحديث عنهم بذكر الساعة وقربها ومقدماتها، وأحوال الخلق يوم القيامة جاء في هذه الآية ذكر الأمة التي جاءت بعد تلك الأمم كلها، وهي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما كانت هذه الآية في أمة محمد؛ لأنه لما تكلم على الأمم الخالية لم يسبق الكلام إلا عليها؛ فخوطبت بما قضاه الله وكتبه من إرث الصالحين الأرض.
ولأن المخاطبين بهذه الآية المكية هم المؤمنون بالله، الموحدون له، المتبعون لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم المصدق لجميع الرسل صلوات الله عليهم، وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم الصالحون الموجودون يوم ذاك على وجه الأرض، فكانت الآية إعلامًا بما كتبه الله لهم، ووعدًا بإرثهم الأرض 96.
2.صلاح الأولاد.
ذكر الله سبحانه وتعالى أن من جزاء الصلاح في الدنيا صلاح الأولاد، قال تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82) } [الكهف:82] .
فقد أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس، في قوله: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} قال: حفظا بصلاح أبيهما، وما ذكر منهما صلاح 97.
وعن ابن عباس أيضا قال: إن الله يصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده ويحفظه في ذريته والدويرات حوله، فما يزالون في ستر من الله وعافية 98، وبهذه الروايات يتبين أن صلاح الأولاد ثمرة وجزاء لصلاح الآباء في الدنيا.
3.ولاية الله تعالى.
ثبتت ولاية الله تعالى للصالحين في قوله تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) } [الأعراف:196] .
والمعنى: أن الله تعالى هو حسبي وكافي، وهو نصيري وعليه متكلي وإليه ألجأ، وهو وليي في الدنيا والآخرة وهو ولي كل صالح بعدي، وهذا كما قال هود عليه السلام لما قال له قومه: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) } [هود:54 - 56] .
وكقول الخليل عليه السلام: {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) } [الشعراء:75 - 78] .
وكقوله لأبيه وقومه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28) } [الزخرف:26 - 28] 99.
قال الخازن: «إن وليي الله يعني: أن الذي يتولى حفظي وينصرني عليكم هو الله الذي نزل الكتاب، يعني القرآن، والمعنى كما أيدني بإنزال القرآن علي، كذلك يتولى حفظي وينصرني، وهو يتولى الصالحين يعني يتولاهم بنصره وحفظه، فلا تضرهم عداوة من عاداهم من المشركين وغيرهم ممن أرادهم بسوء أو كادهم بشر، قال ابن عباس: يريد بالصالحين الذين لا يعدلون بالله شيئًا ولا يعصونه وفي هذا مدح للصالحين لأن من تولاه الله يحفظه فلا يضره شيء» 100.
وقال الشعراوي في قوله تعالى: {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} «أي أنه لا يجعل الولاية خصوصية للرسول صلى الله عليه وسلم، بل يقول لكل واحد من أتباعه: كن صالحًا في أي وقت، أمام أي عدو، ستجد الله وهو يتولاك بالنصر، وساعة يعمم الله الحكم؛ فهو ينشر الطمأنينة الإيمانية في قلوب أتباعه صلى الله عليه وسلم، وكل من يحمل من أمر دعوته صلى الله عليه وسلم شيئًا ما سوف يكون له هذا التأييد، وهو سبحانه الذي جعل رسوله مبلغًا عنه هذا المنهج، وهو سبحانه يتولى الصالحين لعمارة الكون؛ لأن الله قد جعل الإنسان خليفة ليصلح في الكون، وأول مراتب الإصلاح أن يبقى الصالح على صلاحه، أو أن يزيده صلاحًا إن أمكن» 101.
4.النجاة من المجرمين.
إن الله تعالى ينجي الصالحين من المجرمين ومكرهم وتآمرهم كما نجى الله تعالى نبيه إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) } [الأنبياء:68 - 72] .
والمعنى: ونجينا إبراهيم ولوطًا من أعدائهما نمرود وقومه من أرض العراق {إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} وهي أرض الشام، فارق صلوات الله عليه قومه ودينهم وهاجر إلى الشام 102.