فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 2431

كما أخبر الله عنهم بقوله (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ? يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ? نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ? إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ?67?) [التوبة: 67] .

أي: هم على دين واحد. وقيل: أمرهم واحد بالاجتماع على النفاق، (يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ) بالشرك والمعصية، (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ) أي عن الإيمان والطاعة، (وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ) أي: يمسكونها عن الصدقة والإنفاق في سبيل الله ولا يبسطونها بخير، (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) تركوا طاعة الله، فتركهم الله من توفيقه وهدايته في الدنيا، ومن رحمته في الآخرة، وتركهم في عذابه 38.

كما أخبر الله عنهم بقوله: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى? يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء: 142] .

وهذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها؛ لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها.

فقوله تعالى: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى) هذه صفة ظواهرهم، كما قال: (وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى?) [التوبة:54] .

ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال: (يُرَاءُونَ النَّاسَ) أي: لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله بل إنما يشهدون الناس تقية من الناس ومصانعة لهم؛ ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يرون غالبًا فيها كصلاة العشاء وقت العتمة، وصلاة الصبح في وقت الغلس، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال، معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) 39.

ولذلك ورد عن ابن عباس رضي الله عنه قال: يكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان، ولكن يقوم إليها طلق الوجه، عظيم الرغبة، شديد الفرح، فإنه يناجي الله تعالى. وإن الله أمامه يغفر له ويجيبه إذا دعاه، ثم يتلو ابن عباس هذه الآية: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى) 40.

قال تعالى: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ ? قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ(64 ) ) [التوبة: 64] .

وهنا يخبر جل شأنه أن المنافقين يحذرون أن ينزل الله سورة تفضحهم وتبين ما تنطوي عليه ضمائرهم من الخبث، فهم يقولون القول بينهم، ثم يقولون: عسى الله ألا يفشي علينا سرنا هذا. وقال سبحانه في هذه الآية: (قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ) أي: إن الله سينزل على رسوله ما يفضحكم به ويبين له أمركم 41.

كما أخبر الله عنهم بقوله: (چوَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) [التوبة: 58] .

وهنا يصف الله قوما من المنافقين بأنهم عابوا النبي صلى الله عليه وسلم في تفريق الصدقات، وزعموا أنهم فقراء ليعطيهم. قال أبو سعيد الخدري: (بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم مالا إذ جاءه حرقوص بن زهير أصل الخوارج، ويقال له ذو الخويصرة التميمي، فقال: اعدل يا رسول الله. فقال:(ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل) فنزلت الآية .. وعندها قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله أقتل هذا المنافق. فقال: (معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية) 42.

كما قال الله عنهم (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ? وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ? كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ? يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ? هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ? قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ? أَنَّى? يُؤْفَكُونَ ?4?) [المنافقون: 4] .

والمعنى: وإذا رأيت هؤلاء المنافقين تعجبك صورهم، وإذا تكلموا تعجبك أقوالهم لأنهم ذوو صور متناسقة، وذوو لسن وفصاحة، ولكنهم في الحقيقة أشباح بلا أرواح، وقلوبهم فارغة من الإيمان فكأنهم خشب جوفاء قد نخر السوس داخلها، وهم في غاية الهلع والجزع، يحسبون كل صوت يقع أن البلاء قد جاءهم، وأن أمرهم قد افتضح، وأنهم هالكون لا محالة.

وهؤلاء هم الأعداء الحقيقيون للإسلام والمسلمين فلا تأمنهم على سر، لأن قلوبهم متحرقة حسدًا وبغضًا، لعنهم الله وطردهم من رحمته، فما أقبح حالهم، وما أشد غفلتهم، فكيف يصرفون عن الحق إلى الباطل، وعن الإيمان إلى الكفر؟ 43.

كما أخبر الله عنهم بقوله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ? وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى? ? وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) [التوبة: 107] .

وقد نزلت هذه الآية في جماعة من المنافقين بنوا مسجدًا يضارون به مسجد قباء ضرارًا يعني: مضارة للمؤمنين (وَكُفْرًا) بالله ورسوله (وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ) لأنهم كانوا جميعا يصلون في مسجد قباء فبنوا مسجد الضرار ليصلي فيه بعضهم فيؤدي ذلك إلى الاختلاف وافتراق الكلمة (وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ) أي: انتظارًا وإعدادًا لمن حارب الله ورسوله. يقال: أرصدت له إذا أعددت له، وهو أبو عامر الفاسق أرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، وابنوا لي مسجدًا فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآت بجند من الروم، فأخرج محمدًا وأصحابه من المدينة، فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء، فذلك قوله تعالى: (وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ) وهو أبو عامر الفاسق ليصلي فيه إذا رجع من الشام 44.

قال جل شأنه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى? مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ?204?) [البقرة: 204] .

والمقصود: أن هناك أناسا منافقين تعجب المرء حلاوة ألسنتهم، ويتظاهرون بالورع وطيب السريرة، ويشهدون الله على صدق طويتهم وقلوبهم، وقلوبهم في الحقيقة هي أمر من الصبر، فهم يقولون حسنا ويفعلون سيئا، وهم شديدو الجدل، لا يعجزهم أن يغشوا الناس بما يظهر عليهم من الميل إلى الإصلاح 45.

قال تعالى: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ?138?الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ? أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ?139?) [النساء: 138 - 139] .

وهنا يقول الله لنبيه: يا محمد، بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر بي والإلحاد في ديني (أَوْلِيَاءَ) يعني: أنصارًا وأخلاء (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ، يعني: من غير المؤمنين (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ) يقول: أيطلبون عندهم المنعة والقوة، باتخاذهم إياهم أولياء من دون أهل الإيمان بي؟ (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) يقول: فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاء العزة عندهم، هم الأذلاء الأقلاء، فهلا اتخذوا الأولياء من المؤمنين، فيلتمسوا العزة والمنعة والنصرة من عند الله الذي له العزة والمنعة، الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء، فيعزهم ويمنعهم؟ 46.

كما أخبر الله عنهم بقوله: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ? فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ? وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا(141 ) ) [النساء: 141] .

وهنا يخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، بمعنى ينتظرون زوال دولتهم، وظهور الكفر عليهم، وذهاب ملتهم (فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ) أي: نصر وتأييد وظفر وغنيمة (قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ) أي: يتوددون إلى المؤمنين بهذه المقالة (وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ) أي: إدالة على المؤمنين في بعض الأحيان، كما وقع يوم أحد، فإن الرسل تبتلى ثم يكون لها العاقبة (قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: ساعدناكم في الباطن، وما ألوناهم خبالا وتخذيلا حتى انتصرتم عليهم. وهذا أيضًا تودد منهم إليهم، فإنهم كانوا يصانعون هؤلاء وهؤلاء؛ ليحظوا عندهم ويأمنوا كيدهم، وما ذاك إلا لضعف إيمانهم، وقلة إيقانهم.

قال الله تعالى: (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: بما يعلمه منكم -أيها المنافقون-من البواطن الرديئة، فلا تغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليكم ظاهرًا في الحياة الدنيا، لما له تعالى في ذلك من الحكمة، فيوم القيامة لا تنفعكم ظواهركم، بل هو يوم تبلى فيه السرائر ويحصل ما في الصدور 47.

قال تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ?) [البقرة:9] .

والمراد من مخادعتهم لله أنهم صنعوا معه صنع المخادعين وإن كان العالم الذي لا يخفى عليه شيء لا يخدع وصيغة فاعل تفيد الاشتراك في أصل الفعل فكونهم يخادعون الله والذين آمنوا يفيد أن الله سبحانه والذين آمنوا يخادعونهم.

والمراد بالمخادعة من الله: أنه لما أجرى عليهم أحكام الإسلام مع أنهم ليسوا منه في شيء فكأنه خادعهم بذلك كما خادعوه بإظهار الإسلام وإبطان الكفر، مشاكلة لما وقع منهم بما وقع منه والمراد بمخادعة المؤمنين لهم: هو أنهم أجروا عليهم ما أمرهم الله به من أحكام الإسلام ظاهرا وإن كانوا يعلمون فساد بواطنهم كما أن المنافقين خادعوهم بإظهار الإسلام وإبطان الكفر.

والمراد بقوله تعالى: (وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) الإشعار بأنهم لما خادعوا من لا يخدع كانوا مخادعين لأنفسهم، لأن الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن، وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع فإنما يخدع نفسه وما يشعر بذلك 48.

قال تعالى عن مجموعة من المنافقين أرادوا الخروج مع النبي في غزوة تبوك: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) [التوبة: 47] .

والقلوب الحائرة تبث الخور والضعف في الصفوف، والنفوس الخائنة خطر على الجيوش؛ ولو خرج أولئك المنافقون ما زادوا المسلمين قوة بخروجهم بل لزادوهم اضطرابًا وفوضى. ولأسرعوا بينهم بالوقيعة والفتنة والتفرقة والتخذيل. وفي المسلمين من يسمع لهم في ذلك الحين. ولكن الله الذي يرعى دعوته ويكلأ رجالها المخلصين، كفى المؤمنين الفتنة، فترك المنافقين المتخاذلين قاعدين 49.

قال الله تعالى عنهم: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَ?كِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ) التوبة: 56].

والمعنى: يتظاهر هؤلاء المنافقون بأنهم منكم، ليأمنوا بأسكم، ويحلفون بالله كذبا أنهم منكم في الدين والملة، وهم في الحقيقة ليسوا من أهل دينكم، بل هم أهل شك ونفاق، وإنهم إنما يفعلون ذلك، ويحلفون لكم، خوفا منكم وفرقا، فهم خوفًا منكم يقولون بألسنتهم: «إنا منكم» ، ليأمنوا فيكم فلا يقتلوا 50.

كما أخبر الله تعالى عنهم: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ?75?فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ?76?فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى? يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ?77?) [التوبة: 75 - 77] .

وهذا صنف من المنافقين قد عاهد الله تعالى لئن أغناهم من فضله وأصبحوا ذوي ثروة ومال كثير ليصدقن منه ولينفقنه في طريق البر والخير، فلما أعطاهم الله ما سألوا وكثر مالهم شحوا به وبخلوا، وتولوا عما تعهدوا به وما كانوا عليه من تقوى وصلاح، وهم معرضون. فأورثهم هذا البخل وخلف الوعد والكذب (نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ) لا يفارقهم حتى يلقوا ربهم 51.

قال الله تعالى: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ? قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ? لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) [التوبة: 81] .

والسياق هنا في الحديث عن المنافقين، فقال تعالى مخبرًا عنهم: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ?) أي: سر المتخلفون (بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ) أي: بقعودهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة (وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) في سبيله، وكرههم هذا للجهاد هو ثمرة نفاقهم وكفرهم وقولهم: (لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ) لأن غزوة تبوك كانت في شدة الحر، قالوا هذا لبعضهم بعضًا وهنا أمر الله تعالى رسوله أن يرد عليهم قولهم هذا فقال: (قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا) فلماذا لا يتقونها بالخروج في سبيل الله كما يتقون الحر بعدم الخروج.

وقوله تعالى: (لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) أي: لما تخلفوا عن الجهاد لأن نار جهنم أشد حرًا، ولكنهم لا يفقهون. وقوله تعالى: (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا) أي: في هذه الحياة الدنيا بما يحصل لهم من المسرات (وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا) أي يوم القيامة لما ينالهم من الحرمان والعذاب، وذلك كان (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) من الشر والفساد 52.

كما أخبر الله تعالى عنهم: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ? وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ? إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ?13?) [الأحزاب: 13] .

فهم يحرضون أهل المدينة على ترك الصفوف، والعودة إلى بيوتهم، بحجة أن إقامتهم أمام الخندق مرابطين هكذا، لا موضع لها ولا محل، وبيوتهم معرضة للخطر من ورائهم .. وهي دعوة خبيثة تأتي النفوس من الثغرة الضعيفة فيها، ثغرة الخوف على النساء والذراري.

والسياق هنا يرسم صورة نفسية لهؤلاء المنافقين والذين في قلوبهم مرض. صورة نفسية داخلية لوهن العقيدة، وخور القلب، والاستعداد للانسلاخ من الصف غير مبقين على شيء، ولا متجملين لشيء 53.

قال جل شأنه: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَ?ذِهِ إِيمَانًا ? فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ?124?وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى? رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ?125?) [التوبة: 124 - 125] .

وهذا من جملة شقائهم أن ما يهدي القلوب يكون سببا لضلالهم ودمارهم، كما أن سيئ المزاج لو غذي بما غذي به لا يزيده إلا خبالًا ونقصًا 54.

قال الله تعالى عنهم: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) } [النساء: 108] .

وهنا يبين الله أحوال هؤلاء الخائنين، وينعي عليهم أفعالهم، فقال الله تعالى إن من شأن هؤلاء الخائنين أنهم يستترون من الناس عند اجتراح السيئات والآثام، إما حياء، وإما خوفا من العقاب، ولا يستخفون من الله، ولا يستترون منه بترك ارتكابها، لضعف إيمانهم، لأن الإيمان يمنع من الإصرار، ومن تكرار الذنب، فمن يعلم أن الله يراه في حالك الظلمة، لا بد له من أن يترك الذنب حياء من الله. ويقول تعالى: إنه مشاهدهم حين يتفقون ليلًا على ما لا يرضي الله من القول تبرئة لأنفسهم، ورميا لغيرهم بجريمتهم، والله حافظ لأعمالهم (محيطا) لا يعزب عن عمله مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض، فلا سبيل إلى نجاتهم من عقابه 55.

وهكذا تتضح صفات المنافقين في كتاب الله تعالى وهي صفات لا تخطئها عين المؤمن ولا بصيرته.

أبرز القرآن الكريم مظاهر النفاق في عدد من آياته الكريمة، حتى يجلي للمؤمنين حال المنافقين، ويهتك سترهم. وليحدد - كذلك - المعالم الأساسية لهذه الظاهرة الخبيثة، حتى لا تتوه بين دروب المجتمع المسلم. والمتدبر في كتاب الله تعالى يجد أن أهم هذه المظاهر ما يأتي:

أولًا: التكذيب والتشكيك:

قال الله تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) } [الأحزاب: 12] .

ذكر الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة عن قتادة قال: ذلك أناس من المنافقين، قد كان محمد يعدنا فتح فارس والروم، وقد حصرنا هاهنا، حتى ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا.

كما ذكر الطبري رواية أخرى في هذا السياق عن ابن زيد، قال: (قال رجل يوم الأحزاب لرجل من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم: يا فلان أرأيت إذ يقول رسول الله:(إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله) فأين هذا من هذا، وأحدنا لا يستطيع أن يخرج يبول من الخوف (ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) فقال له: كذبت، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرك، قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فدعاه فقال: (ما قلت؟) فقال: كذب علي يا رسول الله، ما قلت شيئًا، ما خرج هذا من فمي قط، قال الله في ذلك: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (74) } [التوبة: 74] 56.

وفي ظلال هذه الآية الكريمة يقول سيد قطب رحمه الله: وجد هؤلاء المنافقون في الكرب المزلزل، والشدة الآخذة بالخناق فرصة للكشف عن خبيئة نفوسهم وهم آمنون من أن يلومهم أحد؛ وفرصة للتوهين والتخذيل وبث الشك والريبة في وعد الله ووعد رسوله، وهم مطمئنون أن يأخذهم أحد بما يقولون. فالواقع بظاهره يصدقهم في التوهين والتشكيك. وهم مع هذا منطقيون مع أنفسهم ومشاعرهم؛ فالهول قد أزاح عنهم ذلك الستار الرقيق من التجمل، وروع نفوسهم ترويعًا لا يثبت له إيمانهم المهلهل. فجهروا بحقيقة ما يشعرون غير مبقين ولا متجملين! ومثل هؤلاء المنافقين والمرجفين قائمون في كل جماعة؛ وموقفهم في الشدة هو موقف إخوانهم هؤلاء. فهم نموذج مكرر في الأجيال والجماعات على مدار الزمان 57.

ثانيًا: إيذاء المؤمنين والاستهزاء بهم:

قال الله تعالى: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49) } [الأنفال:49] .

أما المنافقون فهم قوم من الأوس والخزرج. وأما الذين في قلوبهم مرض فهم قوم من قريش أسلموا وما قوي إسلامهم في قلوبهم ولم يهاجروا .. ثم إن قريشًا لما خرجوا لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أولئك: نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه وإن كان في قلة أقمنا في قومنا قال محمد بن إسحق ثم قتل هؤلاء جميعًا مع المشركين يوم بدر.

وقوله: {غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ} 58.

قال ابن عباس: معناه أنه خرج بثلاثمائة وثلاثة عشر يقاتلون ألف رجل وما ذاك إلا أنهم اعتمدوا على دينهم. وقيل: المراد إن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم رجاء أن يجعلوا أحياء بعد الموت ويثابون على هذا القتل.

ومن يسلم أمره إلى الله ويثق بفضله ويعول على إحسان الله فإن الله حافظه وناصره؛ لأنه عزيز لا يغلبه شيء حكيم يوصل العذاب إلى أعدائه والرحمة والثواب إلى أوليائه 59.

ومن صور إيذائهم للمؤمنين: الانتقاص منهم والسخرية بهم، كما أخبر الله عنهم بقوله: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) } [التوبة: 79] .

قال ابن كثير رحمه الله: (وهذه أيضًا من صفات المنافقين، ألا يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال، حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا هذا مراء!! وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا) 60.

كما جاء في البخاري عن أبي مسعود قال: (لما أمرنا بالصدقة كنا نتحامل فجاء أبو عقيل بنصف صاع وجاء إنسان بأكثر منه فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا وما فعل هذا الآخر إلا رئاء فنزلت {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} الآية 61.

ثالثًا: خذلان المؤمنين:

قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168) } [آل عمران: 166 - 168] .

وهذا دأب المنافقين في كل زمان ومكان وموقف: خذلان المؤمنين والتخلي عنهم في المحن والشدائد. وهذه الآيات الكريمة السابقة في شأن غزوة أحد حيث خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد في ألف رجل من أصحابه وحتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة، انخذل عنهم عبد الله بن أبى ابن سلول بثلث الناس وقال: أطاعهم، أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج وعصاني. والله ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس؟ فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق والريب، فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام - أخو بني سلمة - يقول لهم: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم وقاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكننا لا نرى أن يكون قتالا.

فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عن المؤمنين قال لهم: أبعدكم الله يا أعداء الله فسيغني الله رسوله عنكم، ثم مضى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم 62.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت