فهرس الكتاب

الصفحة 1550 من 2431

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الإسراء: 16] .

قال سيد قطب: «فالآية تقرر سنة الله، لقرية انها هالكة لأنها أخذت بأسباب الهلاك، فكثر فيها المترفون الذين نشروا الفاحشة واستهترت بالقيم والمقدسات والكرامات فلم تدافعهم ولم تضرب على أيديهم، فهي مسؤولة عما يجري لها على أيدي المترفين.» 114.

فكلما زاد الإحساس بالأمن لدى المجاميع الواسعة في أفراد الشعب من ناحية، كلما زادت مساحة العدل المتحققة في صوره المتعددة من ناحية ثانية، كل ما زاد التقدم الحضاري في ذلك المجتمع. «فالسلم هو المرتكز الأساس لكل عوامل البناء والتنمية، وتحقيق النهضة الشاملة في كافة المجالات. ولهذا ذكره الله إلى جانب الغذاء، فقال ممتنًا على أهل مكة: أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. بل قدمه على الغذاء، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف» 115.

يقول الدكتور محسن عبدالحميد: «بناء العلاقات على أساس السلم ستساعد كثيرًا على تنمية الحياة والمجتمع وإنجاح خطط التقدم الحضاري والاستفادة القصوى من الأمم المتقدمة، لأجل التغيير والبناء والتعويض عما فات من الخير» 116.

والتنازع والتخاصم يؤدي إلى انتكاسة في الاقتصاد، لأن الأموال تنفق في وجوه غير مشروعة من شراء السلاح، ودفع التعويضات للمتضررين. أما السلم فيحقق للمجتمع عمارتها وازدهارها، ويسرع تقدم عجلة التنمية.

والمراد بالمساواة: «تشابه المكانة الاجتماعية والحقوقية والمسئوليات والفرص للناس في المجتمع على النحو الذي تقوم فيه الحالة المتماثلة فيما بينهم» 117.

وبناءً على هذه الصورة للمساواة فالحكام والمحكومون والراعي والرعية متساوون في نظر الشريعة الإسلامية من جهة الحقوق والواجبات الإنسانية، فلا امتياز من حيث الأصل والمنشأ، إنما التفاوت بحسب القدرة والكفاءة والطموح والإبداع والتفوق.

ومن المباديء التي على أساسها تم السلم في المجتمع: الأخوة والمحبة بين الناس، لذلك أمر الله سبحانه بتوزيع الثروة بالعدل والمساواة، وهذا لا يتم إلا في أجواء الحب والإخاء والمحبة بين الناس.

قال تعالى: (ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ںں ? ? ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحشر: 7 - 8] .

فالآية ترفض كل من ينادي بتغذية الصراع بين الأغنياء والفقراء، أو بين الطبقات بعضها مع بعض.

قال الماوردي رحمه الله: «العدل الشامل يدعو إلى الألفة، ويبعث على الطاعة وتعمر البلاد، وتنمو به الأموال ويكثر معه النسل ويأمن به السلطان، فليس شيء أسرع في خراب الأرض، ولا أفسد لضمائر الخلق، من الجور؛ لأنه ليس يقف على حد ولا ينتهي إلى غاية، ولكل منه قسط من الفساد حتى يستكمل» 118.

فالسلم يدعو إلى الألفة ويبعث على الطاعة وتعمر البلاد، وما أجمل ذلك المشهد لتلك الأمة الجادة في عملها، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [هود:117] .

يقول الرازي: «والمعنى أنه تعالى لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم. والحاصل أن عذاب الاستئصال لا ينزل لأجل كون القوم معتقدين للشرك والكفر، بل إنما ينزل ذلك العذاب إذا أساؤا في المعاملات وسعوا في الإيذاء والظلم» 119.

فلا يهلك الله أهل القرى بمجرد كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم، وعذاب الاستئصال لا ينزل لأجل كون القوم مشركين فقط، بل إنما ينزل ذلك العذاب إذا أساؤوا في المعاملات وسعوا في الإيذاء والظلم، وهذا ما حدث في قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب لما حكى الله تعالى عنهم من إيذاء الناس.

من الآثار الهامة في السلم وجود حالة من الحرية تسمح للناس أن تسمع كلام الآخرين ومناقشتها وقبولها، وهذه الحالة لا توجد في الحرب والصراع. «إن حرية الإنسان في الرؤية الإسلامية هي فريضة اجتماعية وتكليف إلهي، تتأسس عليها أمانة المسؤولية ورسالة الاستخلاف، التي هي جماع المقاصد الإلهية في خلق الإنسان.

وفي الاصطلاح الإسلامي: الحرية ضد العبودية، والحر نقيض العبد والرق، وتحرير الرقبة عتقها من الرق والعبودية، فالحرية هي الإباحة التي تمكن الإنسان من الفعل المعبر عن إرادته في أي ميدان من ميادين الفعل أو الترك، وبأي لون من ألوان التعبير» 120.

وفي السلم يتمتع الناس بحرياتهم من غير ضغوط أو إكراه، ولذلك سمى الله سبحانه حالة السلم والهدنة مع قريش بالفتح بقوله: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ?) [الفتح: 1 - 3] .

يقول الزهري: «وما فتح في الإسلام فتح كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس؛ فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب، وأمن الناس كلهم بعضهم بعضًا، فالتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، فلقد دخل في تينك السنتين في الإسلام مثل من كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر» 121.

فقد وضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس بعضهم بعضًا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة. وهذه هي حالة السلم في كل العصور، تتلاقى فيها الأفكار والمباديء ويسمع الناس كل مة الحق بحرية ودون إكراه.

ففي السلم حقن الدماء التي قد تراق بين المتنازعين، وحماية للنفس البشرية التي حرم الله الاعتداء عليها وقتلها إلا بالحق.

قال تعالى: (گ گ ? ? ? ? ? ) [الإسراء: 33] .

يقول سيد قطب: «والإسلام دين الحياة ودين السلام، فقتل النفس عنده كبيرة تلي الشرك بالله، فالله واهب الحياة، وليس لأحد غير الله أن يسلبها إلا بإذنه وفي الحدود التي يرسمها» 122.

ولتحقيق السلم شرع القصاص في القتلى ووصف بالحياة، وكذلك مبدأ العفو في القصاص له أثر في الحد من الجريمة وتقليلها.

ففي موضوع أثر العفو في التقليل من الجرائم يقول محمد أبو ركاب: «فشرعية القصاص فيها حياة لنفوس كثيرة، وفتح باب أخذ رأي أولي الدم يفتح بابًا للحياة وبابًا لسد المشكلات ونشر الأمن والاستقرار» 123.

فالمجتمع الآمن هو الذي يأمن الناس فيه على النفس والعرض والممتلكات؛ لأن وجود الأمن والسلم في المجتمع يؤدي إلى الحد من ارتكاب الجريمة، بل كفيل بمنعها نهائيًّا، وتجربة سيدنا عمر بن عبدالعزيز خير دليل على ما ذكرنا، حيث لم يرتكب الجريمة في عهده إطلاقًا 124.

أولًا: مفهوم السلم بين الفكر الإسلامي والمواثيق الدولية:

1.مفهوم السلم في الفكر الإسلامي.

الفكر الإسلامي هو الفكر الذي ينطلق من الكتاب والسنة الصحيحة.

وقد بين علماؤنا الكرام من مفسرين وفقهاء ومحدثين وغيرهم قديمًا وحديثًا مفهوم السلم كما جاء في القرآن والسنة.

فقد بحثوا في كتاباتهم طبيعة العلاقة بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول: هل الأصل السلم أم الحرب؟ وتقسيم العالم إلى دار الإسلام ودار الحرب، كما حصل الآن من تقسيمه إلى دول وحكومات.

وبحثوا مسائل الأمان والمعاهدات وأنواعها، وأهل الذمة، ولم ينسوا مسألة أسرى الحرب ومصيرهم والجرحى وكيفية معاملتهم، وكذلك مسألة الضرائب والخراج والغنائم وأموال الحرب. وذكروا المسائل المتعلقة بانتهاء الحرب والصلح وأقسامه وشروطه.

استخدم علماؤنا مصطلح (السير) للدلالة على الأحكام المتعلقة بتنظيم العلاقة مع الغير في حالة الحرب. وأول من استعمل هذا المصطلح هو الإمام أبو حنيفة، ثم دون تلميذه محمد بن الحسن الشيباني هذه الأحكام في كتابين: السير الصغير والسير الكبير. فعلم السير هو «قواعد التعامل مع غير المسلمين في دار الكفر وفي دار الإسلام، وقت السلم ووقت الحرب» 125. وهو ما يعرف بالقانون الدولي.

يقسم الفكر الإسلامي مصطلح السلم إلى أقسام، وهو ما يميز الفكر الإسلامي عن غيره:

ويعني به «إصلاح نفسية الفرد ليكون خاضعًا لله في حكمه وأمره، محبًّا للناس في عسره ويسره، عاملًا للخير في منشطه ومكرهه، بعيدًا عن الأذى في غضبه ورضاه» 126.

والمراد به: «إقامة نظام الأسرة على حب تسكن إليه النفس، وسلم لا تشوبه محن ولا نزاع، وحقوق يتوازن بعضها مع بعض» 127.

وتبنى السلم في المجتمع على أسس العلم، وإعطاء الحقوق، ونشر الفضائل في المجتمع، وسيادة القانون. ووثيقة المدينة بين سكان المدينة من مسلمين وغيرهم خير شاهد على ذلك: فقد نظم العلاقة في مجموعة بنود تصب في صالح السلم والسلام في المجتمع على قاعدة الإخاء بين المهاجرين والأنصار، وأنهم أمة واحدة دون الناس، وأنهم كجسد واحد، وأن يدهم واحدة على من عاداهم. وعلى قاعدة العدل والمواطنة والحقوق والواجبات المتقابلة لغير المسلمين، كما أكدت على الحرية الدينية لكل الطوائف 128. وسلم المجتمع بحاجة لإقامة حكومة عادلة تعمل على إقامة السلم في المجتمع بتربية النفوس على الخلق القويم، ومنع ما يؤدي إلى الاضطراب وتعكير صفو الأمن.

2.مفهوم السلم في الوثائق الدولية:

يقصد بالقانون الدولي العام: «المواثيق والأعراف الدولية التي تطبق حال النزاعات المسلحة على اختلاف أقسامها، وتهدف إلى تقييد النزاع في حق استخدام أساليب القتال ووسائله، وحماية المتضررين من هذا النزاع، وتخفيف آثاره عنهم، وذلك حفاظًا على كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية» 129.

وهذا القانون يشمل: قانون لاهاي (1809 - 1907) والذي ينظم حقوق وواجبات المقاتلين عند وقوع الحرب، وقانون جنيف والذي يستهدف حماية المدنيين الذين لا يشاركون في الحروب ومعاملتهم معاملة إنسانية (1949) 130.

وقد مرت مفهوم السلم في العلاقات الدولية بعدة مراحل من خلال اتفاقيات، أهمها:

••معاهدة لاهاي عام 1899 م: اتفقت الدول الموقعة على أن محاولة التسوية السلمية أمر مرغوب فيه، وقطعت على نفسها عهدًا ببذل جهودها.

••إتفاقية لاهاي 1907 م: هذه الاتفاقية سدت الثغرات الموجودة في الإتفاقية الأولى، وأسهمت في تأصيل السلم وتفضيل وسائل التسوية في حل النزاعات بين الدول.

••عصبة الأمم بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى: قامت محمكمة دائمة للعدل الدولي، وتضمن مادته السادسة عشرة جزاءات توقع على الدول التي تلجأ للحروب.

••مؤتمر الأمم المتحدة: بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عقد ممثلون عن 50 دولة مؤتمرًا للمحافظة على السلام والأمن في العالم وتنمية الود بين الأمم، وتحقيق التعاون في حل المشكلات الدولية، وأن تكون مركزًا لتنسيق أعمال الأمم للوصول إلى تلك الغايات العامة.

••العرف: والمقصود به العرف المتبع بين الدول، والعدالة من الحق الطبيعي أو تعاليم الدين أو إملاء العقل والتأثر بآراء الفلاسفة والمفكرين والفقهاء ورجال السياسة. وتتبلور بقرارات هيئات التحكيم أو محاكم العدل الدولية.

••الاتفاق: فيبنى بوجه خاص على المعاهدات العامة ذات الصفة التشريعية، إلى جانب المعاهدات الخاصة والتعامل الفعلي المستمر 131.

فمفهوم السلم في القانون الدولي العام هي: إشاعة السلم بين الدول وحل المنازعات الدولية بالطرق السلمية والودية، ومراعاة قواعد الحرب أثناء اندلاع الحروب بين الدول والتعايش السلمي وصيانة السلم العالمي. وقد سبق الإسلام كل المواثيق الدولية وأكد الحقوق المنصوص عليها في تلك المواثيق.

ثانيًا: ضمانات تحقيق السلم بين القرآن والمواثيق الدولية:

الضمان في الاصطلاح الشرعي هو: «ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق، فيثبت في ذمتهما جميعًا، ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما، ويكون برد الشيء أو بدله، بالمثل أو بالقيمة.

أما في الاصطلاح القانوني فيراد به: رابطة قانونية، نكون بمقتضاها مجبرين على الوفاء بأمر ما طبقًا للقانون» 132. عندما يقر القرآن الكريم أمرًا أو تشريعًا فلا يكتفي بمجرد الدعوة إليها، بل يضع من الضمانات والأسس ما يجعلها على أرض الواقع.

ولتحقيق السلم في المجتمع، وضع ضمانات نذكرها في نقاط:

الضمانة الأولى: طاعة الله ورسوله ضمان لتحقيق السلم والأمان.

في كثير من الآيات يربط القرآن الكريم بين حصول الأمن والسلام وبين اتباع أوامر الله سبحانه، وذلك ليؤكد لنا أن السلم يعني الدخول في الإسلام، كما أمر بقوله: (ھ ے ے ? ? ? ?) [البقرة: 208] .

وربط دفع المضرة عنه وهو تحقيق السلم بتقوى الله، فقال: (? ? ? ? ں ں) [الطلاق: 2] .

وبعكسه الذنوب والمعاصي تجلب الويلات للإنسان وتدمر أمنه وحياته، كما قال: (? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النحل: 112] .

وإلى هذا المعنى أشار الرسول الكريم بقوله: (يا معشر المهاجرين: خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدو من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم) 133.

الضمانة الثانية: إقرار القرآن الكريم لمباديء السلام.

السلام هو: اسم من أسماء الله الحسنى، والإسلام دين السلام، وتحية المسلمين هي السلام، ودار السلام هي الجنة. وقد أقر القرآن الكريم جملة من المباديء تعتبر الالتزام بها جزءًا من الإيمان. فالناس جميعًا إخوة مهما اختلفت لغاتهم وأنسابهم وأوطانهم، فهم أبناء أب واحد وأم واحدة، والحب والتعاون وبذل الخير للناس جميعًا هو أساس الايمان. وفي كثير من الآيات المذكورة في ثنايا البحث فيها الإشادة بالسلام، فكل ما يؤدي إلى إيغار الصدور وإيقاع العداوة والبغضاء بين الناس حرام لا يجوز فعله، والأديان السماوية واحدة في أصولها وأهدافها العامة. هذه المباديء وغيرها كفيل بتحقيق السلام في المجتمع ومع غير المسلمين 134.

الضمانة الثالثة: التنمية بمعناها الشامل والتي تبناها القرآن الكريم أكبر ضمانة لتحقيق السلم، وعدم نشوب الحرب.

والتنمية هي: تلبية الحاجات المتمثلة بتحقيق النمو الاقتصادي والتوزيع العادل للثروات، وتحقيق التنمية الاجتماعية بين أفراد المجتمع، والمحافظة على البيئة وحمايتها، واحترام التنوع الثقافي في المجتمع، وتحقيق التوازن بين المدن والأرياف والتهيئة العمرانية 135.

والأصل فيها قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ںں) [الحشر: 7] .

يقول الشيخ المراغي في معنى الآية: «وإنما حكمنا بذلك وجعلناه مقسمًا بين هؤلاء المذكورين، لئلا يأخذه الأغنياء ويتداولوه فيما بينهم، ويتكاثروا به، كما كان ذلك دأبهم في الجاهلية، ولا يصيب الفقراء من ذلك شئ» 136.

وفي سبيل تحقيق العيش الكريم للفرد فقد ربط القرآن الكريم كثيرًا من العبادات والكفارات بالإطعام والكسوة، وحرم الافتخار بكثرة المال، وأكد على تواضع الأغنياء مراعاة للفقراء.

الضمانة الرابعة: ضمان حقوق الكل من المعاهدين والمقاتلين وأهل الذمة.

في المجتمع الإسلامي تعيش إلى جانب المسلمين من هو على غير دينهم وهم أهل الذمة من أهل الكتاب، وهؤلاء لهم حقوق وعليهم واجبات.

وقد تربط الدولة الإسلامية بغيره من الدول علاقات تترتب عليها مسؤوليات والتزامات، وقد ألزم القرآن الكريم في الحالتين الوفاء بالعهود والالتزامات، فالوفاء بها ضرورة دينية، وكذلك تعتبر الضمان لتحقيق السلم بين المسلمين وغيرهم.

«إن الضمان الوحيد لتكريس السلم في واقع أي مجتمع، هو ضمان حقوق أفراده، وهذا الضمان ليس من باب الإحسان أو المنة، وإنما هي واجبات على الدولة وحق مقرر لكل مواطن فيها بمقتضى العقد الاجتماعي» 137.

وقد كفل القرآن الكريم لهم حرية الاعتقاد والعبادة، ومساواتهم بالمسلمين أمام القانون في كثير من المسائل، وضمن لهم حقوقًا عامة كسائر المسلمين مثل حق حفظ كرامتهم الإنسانية، وعصمة النفس بالإضافة إلى حقوقهم المالية مع وجوب البر والعدل معهم، ولهم الحق في تقلد الوظائف العمومية.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ) [البقرة: 256] .

يقول ابن عاشور: «وهي دليل واضح على إبطال الإكراه على الدين بسائر أنواعه، لأن أمر الإيمان يجري على الاستدلال، والتمكين من النظر وبالاختيار 138.

وإذا تعامل المسلمون مع هذا الاختلاف في مجتمعهم المتمثل بوجود أهل الكتاب، انعكس إيجابيًّا عليهم فيكونون عامل تطور وتقدم، وإذا أهملوها صارت عامل تفرق وتشرذم وصراع، تهدد سلمهم، فالحفاظ على حقوقهم مع كونه واجب شرعي، أكبر ضمانة لتحقيق السلم في مجتمعهم.

في بحث مفهوم السلم في المواثيق الدولية، ذكرنا أهم المعاهدات التي أدت إلى تأصيل مفهوم السلم في العالم. وتبعتها اتفاقيات أخرى بين الأعضاء، فقد عقدت اتفاقية السلم والتسامح في باريس من 25 تشرين الأول -16 تشرين الثاني 1995 م، وحضرتها الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، وفي تحليل لنص الاتفاقية وضح لنا ما يلي:

••تأكيد الأعضاء على إيمانهم بحقوق الإنسان وعزمهم على العيش بسلام.

••ركزوا على دور التربية في تنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب.

••الخوف من انتشار مظاهر الكراهية والعنف والإرهاب، وهي أعمال تهدد السلم.

••الإعلان عن مباديء بشأن التسامح، موضحًا معنى التسامح، ودور الدولة في ضمان العدل وعدم التحيز.

••يجب أن تتخذ اليونسكو التدابير الكافية بضمان التساوي في الكرامة والحدود للأفراد والجماعات.

••التعليم هو أنجح الوسائل لمنع اللاتسامح، أي تعليم الناس الحقوق والحريات التي يتشاركون فيها مع غيرهم، وذلك لكي تحترم هذه الحقوق.

••الالتزام بالعمل على تعزيز التسامح عن طريق برامج ومؤسسات.139

ونظرة على الوثيقة تبين لنا جانبًا من ضمانات تحقيق السلم في المواثيق الدولية، وهي:

••حفظ السلم عن طريق النصوص القانونية والمباديء المقررة لضمان احترام القانون الدولي. إن الكم الهائل من الاتفاقيات الدولية في مجال القانون الدولي تعد شاهدًا ودليلًا على حرص المجتمع الدولي على إرساء قواعد قانونية ذات طابع دولي لحماية حقوق الإنسان، حيث تمثل هذه القواعد الجانب الموضوعي للحماية الجنائية الدولية لحقوق الإنسان، والتي تعد في نظري ضمانةً مهمةً لهذه الحماية، وإن كانت الصيغة عامةً.

ومن بين البنود المتعلقة:

••عدم خضوع مجرمي الحرب لنظام التقادم، وتشمل الجرائم ضد الإنسانية المقترفة في وقت الحرب أو السلم، وعدم امتداد الحصانات الداخلية والدولية لمجرمي الحرب.

••وجود آلية تضمن تطبيق تلك القواعد من قبل الدول، وهو ما سعت الأمم المتحدة إلى إنشائها، وتبين لنا في ثنايا هذه الدراسة بأن تلك الآليات منها ذات طبيعة وقائية (آلية الإشراف والرقابة) ومنها مالها طابع علاجي كآلية الحماية القضائية.

••نشر ثقافة السلم في الدول والمجتمعات، عن طريق التربية والتعليم والبرامج والمؤسسات.

••مرحلة الإنتقال من نصوص قانونية عقيمة، كثيرًا ما نجحت المصالح السياسية للدول العظمى في إيقاف دواليب وضعها حيز النفاذ، فرضتها الحاجة الإجتماعية للسلم. و يميّز ذلك عبر إحياء المعطيات الدينية والعقائدية التي تحث على السلم. ثقافة السلم تتطلب إقصاء العنف و القوة خارج الإطار الشرعي على المستوى الوطني كذلك. هذه السبل تضفي على مجهودات تحقيق السلم فاعلية واقعية ناجعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت