فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 2431

قال تعالى: وَأَحْسِنُوا ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة:195] : «إثبات المحبة لله عز وجل؛ لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)؛ وهي محبة حقيقية على ظاهرها؛ وليس المراد بها الثواب؛ ولا إرادة الثواب خلافًا للأشاعرة، وغيرهم من أهل التحريف الذين يحرفون هذا المعنى العظيم إلى معنى لا يكون بمثابته؛ فإن مجرد الإرادة ليست بشيء بالنسبة للمحبة؛ وشبهتهم أن المحبة إنما تكون بين شيئين متناسبين؛ وهذا التعليل باطل، ومخالف للنص، ولإجماع السلف، ومنقوض بما ثبت بالسمع والحس من أن المحبة قد تكون بين شيئين غير متناسبين؛ فقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم: (أن أحدًا -وهو حصى- جبلٌ يحبنا ونحبه) 34؛ والإنسان يجد أن دابته تحبه، وهو يحبها؛ فالبعير إذا سمعت صوت صاحبها حنت إليه، وأتت إليه؛ وكذلك غيره من المواشي؛ والإنسان يجد أنه يحب نوعا من ماله أكثر من النوع الآخر» 35.

••صفة الاستواء على عرشه.

ذكرت في سبعة مواضع «أنه جل وعلا وصف نفسه بالاستواء على العرش، ووصف غيره بالاستواء على بعض المخلوقات، فتمدح جل وعلا في سبع آيات من كتابه باستوائه على عرشه، ولم يذكر صفة الاستواء إلا مقرونة بغيرها من صفات الكمال، والجلال، القاضية بعظمته وجلاله جل وعلا، وأنه الرب وحده، المستحق لأن يعبد وحده

وقد علمت مما تقدم أنه لا إشكال في ذلك، وأن للخالق جل وعلا استواء لائقًا بكماله وجلاله، وللمخلوق أيضا استواء مناسبًا لحاله، وبين استواء الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق على نحو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير كما تقدم إيضاحه» 36.

«ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله تعالى وقد سئل عن قوله تعالى: (الرَّحْمَ?نُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى? ?5?ڑ) [طه:5] .

كيف استوى؟ فقال: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» .

هذا هو اللفظ المشهور عنه واللفظ الذي نقل عنه بالسند قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة 37.

وهذا اللفظ أدق من اللفظ الذي سقناه قبل، لأن كلمة «الكيف غير معقول» تدل على أنه إذا انتفى عنه الدليلان النقلي والعقلي فإنه لا يمكن التكلم به.

هذه الصفة من صفات الله لم يرد اسم من أسماء الله مشتق منه فلم يرد من أسمائه المستوى، ولكننا نقول: إنه استوى على العرش ونؤمن بهذه الصفة على الوجه اللائق به ونعلم أن معنى الاستواء هو العلو، فهو علو خاص بالعرش، ليس العلو المطلق على جميع المخلوقات، بل هو علو خاص ولهذا نقول في قوله تعالى: (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف:54] .

أي: علا واستقر على وجه يليق بجلاله وعظمته، وليس كاستواء الإنسان على البعير والكرسي مثلًا؛ لأن استواء الإنسان على البعير والكرسي استواء مفتقر إلى مكانه الذي يستوي عليه، أما استواء الله جل ذكره فإنه ليس استواء مفتقر، بل إن الله تبارك وتعالى غني عن كل شيء، كل شيء مفتقر إلى الله، والله تبارك وتعالى غني عنه.

ومن زعم أنه بحاجة إلى عرش يقله فقد أساء بربه عز وجل فهو سبحانه وتعالى غير مفتقر إلى شيء من مخلوقاته، بل جميع مخلوقاته مفتقرة إليه.

فاعلم أنه لا يجوز أبدًا أن يتخيل كيفية ذات الله، أو كيفية صفة من صفاته، واعلم أنك إن تخيلت أو حاولت التخيل فإنك لابد أن تقع في أحد محذورين: إما التحريف والتعطيل، وإما التمثيل والتشبيه.

ولهذا يجب علينا أن لا نتخيل أي شيء من كيفية صفات الله عز وجل، لا أقول لا تثبتوا المعنى يجب أن يثبت، لكن تخيل كيفية تلك الصفة لا يمكن أن تتخيلها وعلى أي مقياس تقيس هذا التخيل.

لا يمكن أبدًا أن تتخيل كيفية صفات الله عز وجل لا بالتقدير ولا بالقول يجب عليك أن تتجنب هذا لأنك تحاول ما لا يمكن الوصول إليه بل تحاول ما يخشى أن يوقعك في أمر عظيم لا تستطيع الخلاص منه إلا بسلوك التمثيل والتعطيل وذلك لأن الرب جلت عظمته لا يمكن لأحد أن يتخيله على كيفية معينة لأنه إن فعل ذلك فقد قفا ما ليس له به علم وقد قال الله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ?) [الإسراء:36] .

وإن تخيله على وصف مقارب بمثيل فقد مثل الله والله سبحانه وتعالى يقول: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ? وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى:11] .

وبهذا نعلم أن من أنكر صفات الله أنكرها لأنه تخيل أولًا، ثم قالوا: هذا التخيل يلزم منه التمثيل ثم حرفوا!!

ولهذا نقول: إن كل معطل ومنكر للصفات فإنه ممثل سبق تمثيله تعطيله، مثل أولًا وعطل ثانيًا ولو أنه قدر الله حق قدره ولم يتعرض لتخيل صفاته سبحانه ما احتاج إلى هذا الإنكار وإلى هذا التعطيل» 38.

••صفة النزول.

قال تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) [الفجر:22] .

قال ابن كثير: « (وَجَاءَ رَبُّكَ) يعني: لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم، بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحدًا بعد واحد، فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم حتى تنتهي النوبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: (أنا لها، أنا لها) .39، فيذهب فيشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء فيشفعه الله في ذلك، وهي أول الشفاعات، وهي المقام المحمود كما تقدم بيانه في سورة «سبحان» فيجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفًا صفوفًا» 40.

وقال ابن القيم: «المجيء والإتيان والذهاب والهبوط هذه من أنواع الفعل اللازم القائم به، كما أن الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، والقبض، والبسط أنواع الفعل المتعدي وهو سبحانه موصوف بالنوعين وقد يجمعهما كقوله: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى? عَلَى الْعَرْشِ) [الحديد:4] » 41.

وقد تكون الحكمة معلومة لنا، وقد نعجز عن إدراكها، ولكننا نعلم علم اليقين أنه سبحانه لا يشاء شيئًا إلا وهو موافق للحكمة، كما يشير إليه قوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ?) [الإنسان:30] 42.

الفرق بين القسمين:

أن الصفات الذاتية لا تنفك عن الذات، أما الصفات الفعلية يمكن أن تنفك عن الذات على معنى أن الله إذا شاء لم يفعلها.

ولكن مع ذلك فإن كلا النوعين يجتمعان في أنهما صفات لله تعالى أزلًا وأبدًا لم يزل ولا يزال متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا لائقان بجلال الله عز وجل 43.

و «صفات الله عز وجل ذاتية وفعلية، والصفات الفعلية متعلقة بأفعاله، وأفعاله لا منتهى لها» 44.

و «معاني صفات الله عز وجل الثابتة بالكتاب أو السنة معلومة، وتفسر على الحقيقة، لا مجاز ولا استعارة فيها البتة، أما الكيفية؛ فمجهولة» 45.

ثالثًا: صفات مقابلة:

وفي الآيات والأحاديث، نجد أفعالًا لربنا سبحانه وتعالى وهي كما يلي بحسب التتبع:

أفعال: الخداع، المكر، الكيد، الاستهزاء، اللعن، الغضب، الاستخلاف، الإغراق، السخرية، السخط، النسيان، التدمير، النزول، الفرح، الضحك. فهل يمكن أن نشتق من هذه الأفعال-وأمثالها-أسماء لله تعالى فنسميه جل وعلا بالأسماء الآتية؟:الخادع أو المخادع، الماكر، الكايد، المستهزئ، اللاعن، الغاضب، المستخلف، المغرق، الساخر، الساخط، الناسي، المدمر، النازل الفرح، الضاحك؟ لا ينبغي أن نسمي الله بهذه الأسماء، ونقرنها بالأسماء الحسنى كالرحمن، والرحيم، والغفور، والودود، واللطيف، والعلي، والكبير، والسميع، والبصير، ونحو ذلك مما سمى الله تعالى به نفسه من أسمى وأجل وأعظم الأسماء، ولا أن نصف الله بها على سبيل الإطلاق، بل نصفه بها بقيودها وأحوالها وضوابطها التي استخدمت فيها.

ولنضرب أمثلة من القرآن الكريم تبين ذلك:

قال تعالى في المنافقين: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) [البقرة:9] .

فإنه ذكر هذا عقيب قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ?8?) [البقرة:8] .

فكان هذا القول منهم كذبًا وظلمًا في حق التوحيد والإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه.

«وقوله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) أي: بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما يروج على بعض المؤمنين، كما قال تعالى: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ? وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى? شَيْءٍ ? أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ?18?) [المجادلة:18] .

ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله: (وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) [البقرة:9] .

يقول: وما يغرون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم، وما يشعرون بذلك من أنفسهم، كما قال تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) [النساء:142] » 46.

وقال تعالى حيث ذكر بعض مكر اليهود بقوله: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ? وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [آل عمران:54] .

«قال تعالى مخبرًا عن ملأ بني إسرائيل فيما هموا به من الفتك بعيسى، عليه السلام، وإرادته بالسوء والصلب، حين تمالؤوا عليه ووشوا به إلى ملك ذلك الزمان، وكان كافرًا، فأنهوا إليه أن هاهنا رجلا يضل الناس ويصدهم عن طاعة الملك، ويفند الرعايا، ويفرق بين الأب وابنه إلى غير ذلك مما تقلدوه في رقابهم ورموه به من الكذب، وأنه ولد زانية حتى استثاروا غضب الملك، فبعث في طلبه من يأخذه ويصلبه وينكل به، فلما أحاطوا بمنزله وظنوا أنهم قد ظفروا به، نجاه الله من بينهم، ورفعه من روزنة ذلك البيت إلى السماء، وألقى الله شبهه على رجل ممن كان عنده في المنزل، فلما دخل أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل عيسى، عليه السلام، فأخذوه وأهانوه وصلبوه، ووضعوا على رأسه الشوك. وكان هذا من مكر الله بهم، فإنه نجى نبيه ورفعه من بين أظهرهم، وتركهم في ضلالهم يعمهون، يعتقدون أنهم قد ظفروا بطلبتهم، وأسكن الله في قلوبهم قسوة وعنادا للحق ملازما لهم، وأورثهم ذلة لا تفارقهم إلى يوم التناد؛ ولهذا قال تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ? وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) » 47.

وبين بعض مكر قوم صالح بقوله: (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(50) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَہ) [النمل:50 - 51] .

« (وَمَكَرُوا مَكْرًا) دبروا أمرهم على قتل صالح وأهله على وجه الخفية حتى من قومهم خوفا من أوليائه (وَمَكَرُوا مَكْرًا) بنصر نبينا صالح عليه السلام وتيسير أمره وإهلاك قومه المكذبين (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) » 48.

قال تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) [الزخرف:55] .

«قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: آسَفُونَا) أسخطونا. وقال الضحاك، عنه: أغضبونا. وهكذا قال ابن عباس أيضًا، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرظي، وقتادة، والسدي، وغيرهم من المفسرين» 49.

قال تعالى: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ?15?وَأَكِيدُ كَيْدًا ?16?) [الطارق:15 - 16] .

«قوله تعالى: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ?15?وَأَكِيدُ كَيْدًا) نسبة هذا الفعل له تعالى، قالوا: إنه من باب المقابلة كقوله: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) ، وقوله: (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) [البقرة:14 - 15] .

وقد اتفق السلف أنه لا ينسب إلى الله تعالى على سبيل الإطلاق، ولا يجوز أن يشتق له منه اسم، وإنما يطلق في مقابل فعل العباد؛ لأنه في غير المقابلة لا يليق بالله تعالى، وفي معرض المقابلة فهو في غاية العلم والحكمة والقدرة، والكيد أصله المعاجلة للشيء بقوة 50.

ثم شرع ابن جرير يوجه هذا القول وينصره؛ لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن الله، عز وجل بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك.

قال: وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس: حدثنا أبو كريب، حدثنا عثمان، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) قال: يسخر بهم للنقمة منهم.

وقوله تعالى: (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) قال السدي: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة قالوا: يمدهم: يملي لهم. وقال مجاهد: يزيدهم.

قال ابن جرير: والصواب يزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم، كما قال: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) [الأنعام:110] » 51.

وصفة النسيان كما في قوله تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) [التوبة:67] .

وقوله (? فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَ?ذَا) [الأعراف:51] .

أي: نعاملهم معاملة من نسيهم؛ لأنه تعالى لا يشذ عن علمه شيء ولا ينساه، كما قال تعالى: (لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى) [طه:52] .

وإنما قال تعالى هذا من باب المقابلة، كما قال: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) [التوبة:67] .

وقال: (قَالَ كَذَ?لِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ? وَكَذَ?لِكَ الْيَوْمَ تُنسَى?) [طه:126] .

وقال تعالى: (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَ?ذَا) [الجاثية:34] .

وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله «وقوله: (فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَ?ذَا) قال: نسيهم الله من الخير، ولم ينسهم من الشر» 52.

والسبب في أنه لا ينبغي ولا يشرع لنا أن نسمي الله سبحانه بمثل تلك الأسماء كالخادع وما ماثل ذلك أمران:

الأول: أنه لم يرد بها النص في الكتاب أو السنة.

الثاني: أن هذه الأسماء -كالخادع أو المخادع، والماكر، والكايد، والمستهزئ، والغاضب، والناسي، والمدمر وما ماثلها- ليست ممدوحة على إطلاقها، بل تمدح في مواضع، وتذم في مواضع أخرى، ومن ثم لا يجوز أن تطلق أفعالها على الله مطلقًا، فلا ينبغي أن يقال بإطلاق: الماكر، المخادع، المستهزئ، الكائد.

وغر هذا الجاهل أنه سبحانه وتعالى أطلق على نفسه هذه الأفعال، فاشتق له منها أسماء، وأسماؤه كلها حسنى، فأدخلها في الأسماء الحسنى، وأدخلها وقرنها بالرحيم، الودود، الحكيم، الكريم. وهذا جهل عظيم.

فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقًا، بل تمدح في موضع وتذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله مطلقًا، فلا يقال: إنه تعالى يمكر ويخادع يستهزئ ويكيد.

وكذلك بطريق الأولى لا يشتق له منها أسماء يسمى بها، بل إذا كان لم يأت في أسمائه الحسنى المريد، ولا المتكلم، ولا الفاعل، ولا الصانع، لأن مسمياتها تنقسم إلى ممدوح ومذموم، وإنما يوصف بالأنواع المحمودة منها كالحليم، والحكيم، والعزيز، والفعال لما يريد، فكيف يكون منها الماكر، المخادع، المستهزئ؟

ثم يلزم هذا الغالط أن يجعل من أسمائه الحسنى: الداعي، والآتي، والجائي، والذاهب، والقادم، والرائد، والناسي، والقاسم، والساخط، والغضبان، واللاعن، إلى أضعاف أضعاف ذلك من الأسماء التي أطلقت على نفسه أفعالها في القرآن. وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل.

والمقصود أن الله سبحانه لم يصف نفسه بالكيد، والمكر، والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد علم أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق، فكيف من الخالق سبحانه؟! 53.

وقال ابن القيم في موضع آخر: «والصواب أن معانيها- «أي: معاني هذه الألفاظ» تنقسم إلى محمود، ومذموم، فالمذموم، منها: يرجع إلى الظلم والكذب، فما يذم منها إنما يذم لكونه متضمنًا للكذب، أو الظلم، أو لهما جميعًا. وهذا هو الذي ذمه الله تعالى» 54.

ثم قال: «فعلم أنه لا يجوز ذم هذه الأفعال على الإطلاق، كما لا تمدح على الإطلاق، والمكر والكيد والخداع لا يذم من جهة العلم، ولا من جهة القدرة، فإن العلم والقدرة من صفات الكمال، وإنما يذم من جهة سوء القصد، وفساد الإرادة، وهو أن الماكر المخادع يجور، ويظلم بفعل ما ليس له فعله، أو ترك ما يجب عليه فعله» 55.

وقال البغوي: «وقال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله: تسميته بما لم يسم به، ولم ينطق به كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وجملته: أن أسماء الله تعالى على التوقيف فإنه يسمى جوادًا ولا يسمى سخيا، وإن كان في معنى الجواد، ويسمى رحيما ولا يسمى رفيقا، ويسمى عالما ولا يسمى عاقلا وقال تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) [النساء:142] .

وقال عز من قائل: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ? وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [آل عمران:54] .

ولا يقال في الدعاء: يا مخادع، يا مكار، بل يدعى بأسمائه التي ورد بها التوقيف على وجه التعظيم، فيقال: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا عزيز، يا كريم، ونحو ذلك (سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأعراف:180] في الآخرة» 56.

وقال ابن تيمية: «ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء، فكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره، وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين تماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص، لا اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص.

فقد سمى الله نفسه حيًا، فقال: (اللَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة:255] .

وسمى بعض عباده حيًا، فقال: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) [الروم:19] .

وليس هذا الحي مثل هذا الحي، لأن قوله (الْحَيَّ) اسم لله مختص به، وقوله (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) اسم للحي المخلوق مختص به يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق، ولا بد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دل عليه بالإضافة والاختصاص، المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى.

وكذلك سمى الله نفسه عليمًا حليمًا، وسمى بعض عباده عليمًا، فقال: (وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) [الذاريات:28] يعني إسحاق، وسمى آخر حليمًا، فقال: (فبَشَّرُناهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) [الصافات:101] يعني إسماعيل، وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم» 57.

والخلاصة أن الصفات الواردة في كتاب الله منها ما اشتق من أسماء الله الواردة في القرآن وقد بينا تلك الأسماء مثل «الله» يتضمن صفة الألوهية و «الرب» يتضمن صفة الربوبية و «السميع» يتضمن صفة السمع و «العليم» يتضمن صفة العلم، وهكذا في باقي الأسماء، وأما الصفات غير المشتقة من تلك الأسماء فقد ذكرناها بأدلتها. فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقًا، بل تمدح في موضع وتذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله مطلقًا، فلا يقال إنه تعالى يمكر ويخادع يستهزئ ويكيد، ولا تطلق عليه في غير ما سيقت فيه من الآيات، بمعنى أنه لا يجوز أن تجعل أفعالًا مطلقًا يتصف به الله تبارك وتعالى، بل تقيد بضوابطها وأحوالها.

والمقصود أن الله سبحانه لم يصف نفسه بالكيد، والمكر، والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد علم أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق، فكيف من الخالق سبحانه؟!

أولًا: الأدلة الفطرية:

أما دلالة الفطرة على وجود الله الذي يدخل فيه الإيمان بأسمائه وصفاته فإن كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سابق تفكير أوتعليم، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه عنها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.) 58.

فالقلوب مفطورة على الإقرار بالله تصديقًا به مدينًا له، لكن يعرض لها ما يفسدها، ومعرفة الحق تقتضي محبته ومعرفة الباطل تقتضي بغضه بما في الفطرة من حب الحق وبغض الباطل «فإن كل أحد يرجع إلى فطرته وغريزته عرف خالقه، وذلك معنى قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ? فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ? لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ? ذَ?لِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الروم:30] .

وهذه المعرفة هي التي أخبر الله تعالى بوجودها في الكفار، وذلك في قوله تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ? قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ? بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [لقمان:25] .

وقوله تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) [العنكبوت:65] .

فحين ظهرت لهم حال الضرورة وانقطعوا عن أسباب الخلق، ولم يبق لهم تعلق بأحد، ظهرت منهم المعرفة الغريزية» 59.

ففي آية لقمان اعتراف منهم بأن الذي خلق ذلك هو الله وحده، وفي آية العنكبوت قادتهم فطرتهم في حالة الضرورة إلى دعوتهم الله تعالى دون سواه، وهذه هي المعرفة الغريزية.

ففي نفس كل مخلوق من العبر والحكمة والرحمة وغير ذلك ما يدل على خالقه وهو الله تبارك وتعالى وأنه واحد صمد، المتصف بصفات الكمال المطلق من الحكمة والرحمة والخبرة والعلم .. إلخ.

وقال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ? فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ? لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ? ذَ?لِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الروم:30] .

قال ابن كثير: «يقول تعالى: فسدد وجهك واستمر على الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها، وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة، التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره» 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت