التدبر والتفكر في ملكوت الله تعالى من أعظم العبادات القلبية، وبما أن الليل والنهار من آيات الله تعالى، فالتفكر فيهما من المهمات؛ ولذلك حث الله الخلق على التفكر في خلق الليل والنهار وتعاقبهما، وجعل فيهما عظةً للمتعظين، وحمدًا للشاكرين {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62] .
كما أن القرآن الكريم امتدح المتفكرين والمتدبرين في خلق السماوات والأرض، وتعاقب الليل والنهار بأنهم أصحاب العقول السليمة {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190] .
وجعل من أسباب تحصيل التقوى: التفكر في خلق الليل والنهار، قال تعالى {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ} [يونس: 6] .
إلى غير ذلك من الآيات التي تدعو صراحة إلى التفكر في خلقهما، واستغلال العمر في تدبر آيات الله تعالى الكونية؛ لتقود المرء إلى توحيد الله، وتقوية الإيمان به، والخشية منه، وتحقيق تقواه.
وقد عرف السلف فضل التفكر فقال بعضهم: «الفكرة تذهب الغفلة، وتحدث للقلب الخشية، كما يحدث الماء للزرع النبات، وما خلت القلوب بمثل الأحزان، وما استنارت بمثل الفكرة» 93.
رابعًا: تلاوة القرآن الكريم:
سبق الحديث عن التفكر في آية الليل والنهار الكونية، وهنا الحديث يختص بالآيات المقروءة المتلوة من كتاب الله تعالى.
حيث جاء القرآن الكريم ممتدحًا من الناس من صفتهم أنهم قائمون بالليل يتلون آيات القرآن في صلواتهم، ويكثرون التهجد 94، قال تعالى {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113] .
وأصل نزول الآية كان لعمل مقارنةٍ بين من أسلم من أهل الكتاب ومن لم يسلم 95، وجعل من الموازين التي تقتضي المفاضلة تلاوة القرآن في الليل، سواءٌ أكانت في صلاة أم بدونها.
وآناء الليل: يعني: ساعاته 96، وعبر عن بالسجود بدلًا من التهجد والقيام؛ لأنه يدل على صورة فعلهم، فهو أبلغ وأبين 97.
كما جاء في آيةٍ أخرى مدح الذين يقرؤون كتاب الله تعالى، ووعدهم الله على ذلك: توفية الأجور، والزيادة من فضله، فقال عز من قائلٍ {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 29 - 30] .
ورد في معنى التلاوة قولان 98:
القول الأول: أنها القراءة.
القول الثاني: أن المقصود منها الاتباع؛ أي أنهم متبعون لآيات القرآن علمًا وعملًا.
وفي هذه الآية ملمحٌ يختص بأهل القرآن وحفظته والمهتمين به، بأنهم يداومون على قراءة القرآن، فالفعل المضارع يدل على الاستمرار؛ أي أنهم تلوا ويتلون، فهم دائمي التلاوة.
وهذا ما ينبغي أن يكون ديدنًا لمن أكرمه الله تعالى بحفظ القرآن الكريم، أو التعلق بحب تلاوته آناء الليل وأطراف النهار؛ أداء لتزكيته، وعملا بما فيه، نسأل الله من فضله العظيم.
لقد ارتبط الليل - فيما سبق - بأصنافٍ من العبادة كالقيام والذكر والتدبر وتلاوة القرآن، وفي هذا المبحث سيتم الحديث عن كون الليل آية وجند من جنود الله سبحانه وتعالى في هذا الكون؛ شأنه شأن جميع المخلوقات من حيث الانقياد لأوامر خالقها سبحانه وتعالى.
حديث القرآن الكريم عن الليل ارتبط بتنزيل العذاب على الأمم السابقة، كقوم عاد، وقوم لوط، وقوم فرعون.
لذا كان الأمر لأنبيائهم بالخروج مع من آمن من قومهم ليلًا؛ لكيلا يُدْرَكوا، وما ذاك إلا لحكمٍ عظيمة، منها ما هو مخفيٌ، ومنها ما هو ظاهرٌ للخلق.
ولاشك أن لليل خاصية على النهار في الأمور الحربية التي فيها فرٌّ وكرٌّ، تظهر في كون الليل لباسًا، أي: ساترًا عن الأعين عمومًا، والملاحقة المتربصة خصوصًا، ومن هنا أمر موسى عليه السلام بأن يسري بأهله وقومه ليلًا لكيلا يدركوا، قال سبحانه: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} [الدخان: 23] .
فالسرى: هو السير بالليل 99، أمرهم الله به وأكده بقوله: {لَيْلًا} زيادة للبيان، «وأن يكون له من سعة الوقت ما يبلغون به إلى شاطئ البحر الأحمر قبل أن يدركهم فرعون بجنوده» 100.
وكان خروج موسى عليه السلام مع أتباعه من بين أظهر أعدائهم ليلًا آية من آيات الله، تدل على قدرته سبحانه في تدبير الأمور، ومع ذلك أمر بالخروج والسير ليلًا من باب أخذ الحيطة والحذر، والتخفي عن أعين العدو الأكثر عدة وعتادًا.
وتكرر الأمر مع نبي الله لوط عليه السلام حينما أمرته الملائكة أن يسري بأهله في بقيةٍ من الليل قبل طلوع الصبح - وهو وقت السحر -، وأخبروه أن موعد نزول العذاب عليهم صباحًا.
قال تعالى: {قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود: 81] .
وقال سبحانه: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} [الحجر: 65] .
والعلة في المشي ليلًا هنا من أجل عدم حصول الممانعة والرفض من قومه وزوجته فيشق عليه دفاعهم، بدليل إخبار الملائكة له بأنهم لن يصلوا إليه {لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} ، فكانت الجملة مطمئنة لنبي الله لوط عليه السلام بأنهم لن يدركوا 101.
ومن الآيات التي اجتمع فيها الليل والعذاب قوله تعالى: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 6 - 7] .
حيث بين سبحانه وقوع العذاب في الليل واليوم على قوم عاد الظالمين المكذبين لنبيهم هود عليه السلام، فكان معنى اليوم بمعنى النهار المقابل لليل.
وعليه: فقد اختار بعض العلماء أن النهار يسبق الليل من خلال هذه الآية، فقد كان النهار أكثر من الليل في العدد.
والملاحظ من خلال الآيات السابقة: أن الليل جعل سببًا ووسيلةً لنجاة المؤمنين من الطغاة الكافرين، كما أنه جعل ظرفًا زمنيًّا لنزول العذاب، بحكم أن اليوم متكونٌ منه ومن النهار.
تحدث القرآن الكريم عن ليالٍ مخصوصةٍ، وبين فضلها والأحداث التي حصلت فيها؛ ليدل على أهميتها وشرفها عن غيرها.
وسوف يتم الحديث عن هذه الليالي في النقاط الآتية:
أولًا: ليلة القدر:
ليلة القدر هي الليلة الشريفة التي أمرنا بتحريها في ليالي شهر رمضان المبارك، وبالأخص في العشر الأواخر منه، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجالًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) 102.
كما أن الله تعالى زاد من تشريف هذه الليلة بإنزال كلامه فيها.
قال تعالى {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} [الدخان: 3] 103.
وقال تعالى {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1] .
ويزيد القرآن الكريم الوضوح حول هذه الليلة عندما أخبر أنها في شهر رمضان، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185] .
كل هذه الآيات مع الأحاديث الشريفة مجتمعة تدل على أن ليلة القدر ليلةٌ شريفةٌ؛ فيها نزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا جملةً واحدة.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «فصل القرآن من الذكر، فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا، فجعل جبريل عليه السلام ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم يرتله ترتيلًا» 104.
قال الحافظ ابن حجر: «وما تقدم من أنه نزل جملةً واحدةً من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم أنزل بعد ذلك مفرقًا هو الصحيح المعتمد» 105.
وخص الله تعالى هذه الليلة الشريفة بالبركة؛ لكثرة نزول الخيرات والرحمات والبركات من السماء فيها، فالله عز وجل جعلها في ميزان الأعمال خيرٌ من ألف شهر، قال تعالى {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3] .
ورجح الإمام الطبري أن المقصود من الآية معنى آخر، وهو أن ليلة القدر خير من ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر 106.
وعلى كلٍّ، فإن الآية فيها شحذ الهمم لتحري ليلة القدر والاهتمام بها، والحرص على عمل الصالحات فيها، وبالخصوص القيام وتلاوة القرآن.
قال الرازي: «والمقصود الأصلي من الكل جر المكلف إلى الطاعة وصرفه عن الاشتغال بالدنيا، فتارةً يرجح البيت وزمزم على سائر البلاد، وتارةً يفضل رمضان على سائر الشهور، وتارةً يفضل الجمعة على سائر الأيام، وتارةً يفضل ليلة القدر على سائر الليالي» 107.
وليلة القدر هي ليلة كتابة الأقدار والأرزاق والآجال.
قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) } [الدخان: 3 - 4] .
قال ابن كثير: «أي: في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها. وهكذا روي عن ابن عمر، وأبي مالك، ومجاهد، والضحاك، وغير واحدٍ من السلف» 108.
ولما «كانت تلك الأفعال والأقضية دالة على حكمة فاعلها؛ وصفت بكونها حكيمة» 109. وجاء التنكير في قوله: {لَيْلَةٍ} للتعظيم، ووصفها بـ (المباركة) تنويهًا بها وتشويقًا لمعرفتها 110.
وخلاصة القول: أن ليلة القدر ليلة شريفة مباركة من وجهين:
الوجه الأول: تصريح القرآن بذلك، وكذلك أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الكثيرة.
الوجه الثاني: نزول القرآن الكريم إلى بيت العزة جملة واحدة في تلك الليلة، وابتداء نزوله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيها.
ثانيًا: ليلة الإسراء والمعراج:
ليلة الإسراء: هي الليلة التي سار فيها النبي صلى الله عليه وسلم على ظهر الدابة (البراق) من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالشام، وهي من آيات النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة في القرآن الكريم.
قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1] .
ففي الآية دعوة للتعجب مما أسداه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم من النعمة 111.
وكانت آيةً في ذلك الوقت؛ لأن المدة المتعارف عليها للسير من مكة للشام هي شهر؛ ولكن الله قضى أن يكون ذلك السير في ليلةٍ واحدة آيةً لحبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم، وامتحانًا لقلوب عباده عمومًا، فكان منهم المصدق ومنهم المكذب.
وكان الإسراء بروحه وجسده على الصحيح من أقوال أهل العلم؛ لأن الله عز وجل قال: {بِعَبْدِهِ} ولم يقل: (بروح عبده) ، والأصل ألا يعدل عن الحقيقة والظاهر إلى التأويل إلا عند الاستحالة، كما أنه لو كان منامًا لما كانت فيه آية ومعجزة للخلق، ولما قال الله تعالى {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 17 - 18] 112.
وأما المعراج: فهو العروج والصعود بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد الانتهاء من الإسراء إلى السماء بصحبة أمين الوحي جبريل عليه السلام.
وكل ذلك كان على الحقيقة كما هو ظاهر نص القرآن، ولذلك قال الله تعالى بعد {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} . فرؤية الآيات، والصلاة إمامًا بالأنبياء، وحديثه مع موسى عليه السلام، وقصة فرض الصلاة؛ كل ذلك كان من الآيات العظيمة التي سخرها الله تعالى لنبيه وأكرمه بها.
ويزيد تلك الليلة شرفًا - مع حدوث تلك الأحداث العظام - ما حدث من تغيرٍ في مجرى التاريخ بفرض الصلوات الخمس، ومراجعة النبي صلى الله عليه وسلم ربه فيها بعد أن كانت خمسين صلاة، كما دل عليه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في الصحيح 113.
لقد كانت ليلة الإسراء والمعراج شريفةً لاحتوائها الشرف من كل صنفٍ، ففي الآيات حَوَتْ أعظم الآيات من صعود لسدرة المنتهى ومقابلة الله تعالى إلخ، وفي البشر حَوَتْ على أفضلهم وخيرتهم، فوجود النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيها والأنبياء عليهم السلام في الأرض وفي السماء، كما حوت شرف المكان من خلال الإسراء من مكة لبيت المقدس، والعروج إلى السماء؛ فهي من أشرف ليالي التاريخ.
ثالثًا: الليالي العشر:
امتدح الله تعالى عشر ليالٍ في كتابه الكريم فقال {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1 - 2] .
والفجر هنا هل يقصد به النهار أم صلاة الصبح؟ قولان. والأهم: أن الله تعالى أقسم به وبالليالي العشر ليبين أهميتهما وفضلها. واختلف في معناها على أقوال ثلاثة 114:
القول الأول: أنها عشر ذي الحجة إلى يوم النحر، وهو قول ابن عباس، وابن الزبير، وغيرهما.
القول الثاني: أنها العشر الأول من المحرم.
القول الثالث: أنها العشر الأواخر من رمضان. وصوب الطبري القول الأول ونسبه للإجماع 115.
ولاشك أن الليالي العشر التي هي عشر ذي الحجة كانت عظيمة مباركة؛ لاشتمالها على أعظم الأعمال والطاعات؛ كالإحرام، والطواف بالبيت، والمبيت بمنى ومزدلفة، ويوم عرفة، والأضحية، وذكر الله تعالى فيها. وعدل عن تعريفها مع أنها معروفة؛ ليتوصل بترك التعريف إلى تنوينها المفيد للتعظيم 116.
وكان السلف يستغلون تلك الليالي بكثرة قراءة القرآن وذكر الله تعالى والعبادة، ذكر محمد بن نصر المروزي: «عن أبي عثمان - النهدي - كانوا يعظمون ثلاث عشراتٍ؛ العشر الأول من المحرم، والعشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأواخر من رمضان» 117.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما العمل في أيامٍ أفضل منها في هذه؟) قالوا: ولا الجهاد؟ قال: (ولا الجهاد، إلا رجلٌ خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيءٍ) 118.
رابعًا: ليالي موسى عليه السلام مع ربه عز وجل:
قال الله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} [البقرة:51] .
وقال تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142] .
ذكر في الآيتين السابقتين نبأ موسى عليه السلام مع قومه بعد النجاة من فرعون وجنوده، وكان قد وعدهم موسى عليه السلام بأن يأتيهم بكتابٍ من عند الله تعالى، فواعده الله أربعين ليلة 119.
واقتصر على ذكر الليالي دون الأيام، وإن كانت الأيام تبعًا معها؛ لأن أول الشهور الليالي، فصارت الأيام لها تبعًا 120.
وسبب بركة هذه الليالي هو مقابلة الله تعالى لموسى عليه السلام بجانب الطور، وأخذه الألواح وفي نسختها هدى ورحمة.
واختار أكثر المفسرين إنها كانت في ذي القعدة وعشر ذي الحجة، وقال بعضهم: أنها ذي الحجة وعشرٌ من المحرم 121.
وبهذا نكون قد انتهينا من مبحث الليالي المخصوصة بالذكر في القرآن الكريم، مع بيان فضائلها، وسبب خصوصيتها، نسأل الله تعالى أن يشملنا برحمته.
من خلال ما سبق من عرضٍ لموضوع الليل وآياته في القرآن الكريم، نجد أنها تضمنت الإعجاز العلمي والبياني، ومن أجل ذلك دعا الله جل جلاله العباد إلى التفكر في آية الليل وكذلك آية النهار، وامتدحهم بذلك.
وسوف أذكر في هذا المبحث بعضًا من اللمسات الإعجازية المستنبطة من آيات الليل في مطلبين اثنين:
أولًا: الإعجاز العلمي في آيات الليل:
إن المتدبر لآيات الليل والنهار في القرآن الكريم، يجدها دعت صراحةً للتدبر والتفكر فيهما؛ وما ذلك إلا لوجود حقائق كونية علمية تتعلق بخلقهما، فالتفكر وإعمال العقل البشري في خلقهما يوصل إلى نتيجة واحدة وهي قدرة الله الصانع وعظمته في الكون.
ومن هذا المنطلق تفانى العلماء والفلكيون في إبراز تلك الحقائق العلمية من خلال دراساتهم وأبحاثهم.
وفي هذه العجالة سأتطرق للإعجاز العلمي في آيات الليل من خلال محورين:
المحور الأول: تعاقب الليل والنهار.
إن الليل والنهار مرتبطٌ بالشمس والقمر، وفي القرآن إشارة إلى ذلك إما بالعطف أو بدونه.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [لقمان: 29] .
وقال عز وجل: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37] .
وقال سبحانه: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] .
وقال جل جلاله: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [النور: 44] .
إن هذه الآيات -وغيرها- مجتمعة تدل على وجود علاقة بين الليل والقمر من جهة، وبين النهار والشمس من جهة أخرى، فالليل مظلمٌ والقمر معتم، والنهار منيرٌ والشمس ضياء.
والذي يعنينا هنا هو كيفية تعاقب الليل والنهار، وعلاقة ذلك بالشمس التي هي أساس النظام المجري، والقمر الذي هو نور.
وبيان ذلك: أن الأرض كوكبٌ منطفئ يدور أمام منبعٍ ضوئيٍ كبيرٍ ملتهبٍ وهو الشمس، ولولا أن الأرض تدور حول محورها غير المتوازي لمستوى دورانها أمام الشمس؛ لما كان هناك ليلٌ ولا نهار.
لأن هذا هو التصور العقلي الذي يوصل إلى نتيجة تعاقب الليل والنهار، فدوران الأرض حول محورها، ودورانها حول الشمس، وميلان محورها؛ كل هذه معًا كنظامٍ تولد منه اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما طبقًا للوصف القرآني، وهنا يكمن الإعجاز القرآني.
فكلٌّ له مسارٌ يسبح فيه ويتحرك، ولا مجال لإدراك أحدهما على الآخر، ولا يسبق الليل النهار، وفق نظامٍ كونيٍّ دقيق، فتبارك الله أحسن الخالقين.
ويلاحظ أن هناك وقتين يتداخل فيهما الليل والنهار بحكم دخول أحدهما على الآخر، وسبب هذا التداخل كون الأرض كروية فلا بد من نقطة التقاء بين ظلام الليل وضياء النهار، وهذا ما يظهر من إيلاج الليل في النهار والعكس.
قال ابن عاشور: «وحقيقة {تُولِجُ} تدخل وهو هنا استعارة لتعاقب ضوء النهار وظلمة الليل، فكأن أحدهما يدخل في الآخر، ولازدياد مدة النهار على مدة الليل وعكسه في الأيام والفصول عدا أيام الاعتدال، وهي في الحقيقة لحظات قليلة ثم يزيد أحدهما، لكن الزيادة لا تدرك في أولها فلا يعرفها إلا العلماء» 122.
ويتضح ذلك جليًّا «عندما تصعد الشمس شمالًا في الصيف، يزداد طول النهار تدريجيًّا، بينما يحدث العكس في النصف الجنوبي، إذ يتقلص طول النهار تدريجيًّا» 123.