فهرس الكتاب

الصفحة 2032 من 2431

قوله تعالى: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) } [البقرة: 284] .

وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) } [آل عمران: 5] .

وقوله تعالى: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) } [الرعد: 10] .

وقوله تعالى: {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [النمل: 25] .

وقوله تعالى: {وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1] .

والآيات السابقة تدل على أن الله لا يخفى عليه شيء ولا يضيق عليه علم جميع ذلك؛ لأنه خالق كل شيء، ومن يخلق فهو أعلم بما يخلق علم اليقين، فهو العالم والعليم بجميع المعلومات بعلم قديم أزلي واحد قائم بذاته، ولا شيء أيضًا مما هو موجود، أو مما سيوجد ولم يوجد بعد، إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ، مكتوبٌ ذلك فيه، ومرسوم عدده ومبلغه، والوقت الذي يوجد فيه، والحال التي يفنى فيها 34، وفي الآيات تهديد ووعيد للعصاة وللمنافقين وللكافرين الذين يخفون معاصيهم ونفاقهم وكفرهم، بأنه تعالى يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر، وأنه يعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر 35.

ثالثًا: إظهار الله ما يكتمه العباد:

إن الله تعالى يظهر ما يكتمه العباد من أعمال وتصرفات وعقائد، وقد يكون ذلك الإظهار في الدنيا فيفضح من يكتم الشر والمعاصي والكفر والنفاق وغير ذلك، وقد يكون في الآخرة بأن يفضح الله تعالى العصاة والكفار والمنافقين على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، وذلك على التفصيل الآتي:

إظهار الله تعالى ما يكتمه العباد في الدنيا:

إن الله تعالى يفضح من يكتم الشر والمعاصي والكفر والنفاق وغير ذلك في الدنيا، فيحذره الناس وينزلون به العقاب المقرر شرعا، ويدل على ذلك آيات في كتاب الله العزيز منها: قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) } [البقرة: 72] ، فالآية دليل على أن الله تعالى يظهر ما يكتمه العباد من الكبائر والموبقات، فقد نصت الآية على أن الله تعالى يظهر ما يكتمه القاتل، وكذلك بقية الكبائر كالسرقة وغيرها.

وكذلك يظهر الله تعالى ما يكتمه المنافقون والكافرون من النفاق والكفر، وكذلك أصحاب الأفكار الباطلة والهدامة والعقائد المنحرفة، ويدل على ذلك قوله تعالى: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) } [التوبة: 64] ، وقوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) } [محمد: 29] .

فقد هدد الله تعالى المنافقين الذين يسرون العداوة والبغضاء والتآمر بالمسلمين أن تنزل على المؤمنين سورة تنبئهم بما في قلوبهم، أي: بما في قلوب المنافقين من الحسد والعداوة للمؤمنين، كانوا يقولون فيما بينهم ويسرون ويخافون الفضيحة بنزول القرآن في شأنهم 36 وكقوله تعالى: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النمل: 25] .

وإخراج الخبء لفظ عام يتناول كل ما يخبئه الإنسان يعني بذلك: يظهره ويطلعه من مخبئه بعد خفائه 37.

إظهار ما يكتمه العباد يوم القيامة:

يظهر الله تعالى ما يكتمه العباد يوم القيامة: لأن في ذلك اليوم تكشف السرائر، ويعرض الناس على عالم الغيب والشهادة، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يخفى على الله تعالى من أعيان وأعمال وأحوال وأمور العباد شيء، ويدل على هذا المعنى آيات كثيرة، منها:

قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18) } [الحاقة: 18] .

وقوله عز وجل: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) } [غافر: 16] .

وقوله جل شأنه: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) } [إبراهيم: 38] .

وكذلك قوله سبحانه: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) } [غافر: 19] 38.

كما يدل على هذا المعنى آيات أخرى منها:

قوله تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) } [الإسراء: 13] .

وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49] .

وقوله تعالى: {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 64] .

وقوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) } [الزلزلة: 7 - 8] 3940.

وكذلك الغدر بالمسلمين، يدخل في ما يظهره الله تعالى يوم القيامة مما يكتمه العباد، لما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة، فيقال هذه غدرة فلان بن فلان) 41، والحكمة في هذا أنه لما كان الغدر خفيا لا يطلع عليه الناس، فيكشف الغدر والغادر يوم القيامة علانية ويطلع عليه بصورة فيها شيء من الإهانة، ويصير علما منشورا على صاحبه بما فعل 42.

إن من الكتمان ما هو محمود وذلك كتمان الإيمان وكتمان السر، ومنه ما هو مذموم، ويكون الكتمان مذموما في كتمان العلم وكتمان الحقوق، وكتمان النعم، ويمكن بيانها في النقاط الآتية.

أولًا: الكتمان المحمود:

يكون الكتمان محمودا في الأمور الآتية:

إن كتمان الإيمان من أجل الدعوة والدفاع عنها، وفي مرحلة الضعف خوفا على النفس، مما أباحه الشرع، وقد ذكر الله تعالى في معرض المدح رجلا مؤمنا من آل فرعون كان يكتم إيمانه، وذلك في قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) } [غافر: 28] 43.

وكان هذا الكتمان عن سياسة حكيمة، وتدبير محكم، من أجل مصلحة الدعوة وحمايتها، وإحباط لخطط فرعون، وليس خوفا من فرعون، ولا ضعفا في الإيمان، فإن إيمان هذا المؤمن، كان إيمانا راسخا وثيقا، قائما على اقتناع بلغ مبلغ اليقين القاطع.

وكان هذا الكتمان من أجل أن الرجل لم يكن يريد الإيمان لنفسه فحسب، بل إنه كان يريد أن يكون داعية لفرعون وقومه جميعا إلى الإيمان بالله تعالى وحده، ولو أنه أعلن إيمانه، وجاء إلى فرعون يدعوه إلى أن يؤمن بالله كما آمن هو، لما استمع فرعون إلى كلمة منه، ولأخذته العزة بالإثم، وأبى عليه كبره وعناده أن ينقاد لداعية يدعوه إلى أي أمر، ولو فتح له أبواب السماء، وهو موقف تاريخي خلده القرآن الكريم، فرضي الله عن هذا المؤمن وأمثاله في سجل الخالدين 44.

فقد كتم الرجل إيمانه حين رأى أن ذلك من مصلحة الدعوة، وأظهر الرجل إيمانه حين رأى أن ذلك من مصلحة الدعوة، ومواجهة خطر فرعون، قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} [غافر: 26] .

فأخذت الرجل غضبة لله عز وجل وقام بواجبه بالجهاد بالكلمة عند سلطان جائر والتي هي أفضل الجهاد، كما قال صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) 45، ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون، وهي قوله تعالى: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} [غافر: 28] .

أي: لأجل أن يقول ربي الله، لأن من عادة المشركين قتل المسلمين، والتنكيل بهم، وإخراجهم من ديارهم من غير ذنب، إلا أنهم يؤمنون بالله ويقولون: ربنا الله، كقوله تعالى في أصحاب الأخدود، الذين حرقوا المؤمنين: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) } [البروج: 4 - 8] ، وقوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج: 39 - 40] ، إلى غير ذلك من الآيات 46.

واختلف المفسرون أيضا: هل كان إسرائيليا أو قبطيا من آل فرعون؟ والتحقيق أن الرجل المؤمن المذكور في هذه الآية هو من جماعة فرعون، كما هو ظاهر قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} ، ودعوى أنه إسرائيلي، غير صحيح؛ لأن القرآن وصفه بأنه من آل فرعون 47، دون أن يذكر القرآن اسمه، وإنما أشار إلى خاصته، وذوي قرابته، فهو إنسان ذو شأن في المجتمع الفرعوني، ومع هذا لم يكشف القرآن عن اسمه، إذ ما جدوى الاسم، في مقام الوزن للقيم الإنسانية في الناس؟

إن المعتبر هنا هو الصفة لا الموصوف، وذات المسمى لا الاسم، فالمهم أن الرجولة في الإيمان، أيا كان هذا المؤمن في أي زمان، وفي أي مكان، وبأي اسم، وبأي صفة، فمن الحكمة أن يظل مبهما ليكون مثالا وقدوة لكل مؤمن في كل زمان ومكان، ليشيع خبره بهذا الوصف في الدنيا كلها لا يرتبط بزمان ولا مكان ولا أشخاص، فحمل راية الحق، والقيام به أمر واجب وشائع في الزمان والمكان والأشخاص، وهذا هو عين البيان للقصة.

وهذا هو المغزى من هذه القصة، فلا يقال إنه كان ابن عم فرعون، وكانت سببا في رجولته، ولا يقال إنه كان له نصف الملك وكان هذا وراء قوته، إنه الإيمان الذي يعيش به المؤمن عزيزًا كريمًا، إنه الإيمان الذي يصغر في عين صاحبه الظلم والطغيان، إنه الرجل الذي دفعه إيمانه إلى الحق لينصره، وليدفع عن أهله الأذى، فالرجل ليس من أصحاب السلطة أو السطوة، وإنما من أصحاب الإيمان الذي يدفع أهله إلى تغيير المنكر بكل ما يملكون، غيرة على دينهم، إذ كيف يرى منكرا ويسكت عليه 48؟

ويمكن القول بأن معرفة اسم هذا المؤمن لا يزيد إلى القصة شيئا؛ لأن العبرة بالموقف الإيماني القوي في وقت الحاجة إليه، لا بالشخص الذي صدر عنه، ولأن ذكر اسم هذا الشخص ومعرفة مركزه الاجتماعي قد يوحي بأن انكار المنكر قد يكون مقصورا على من هو مساو له في شخصه ومركزه الاجتماعي.

وقد ذكر الله تعالى أن من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يكتم إيمانه، فقد كان هناك من المؤمنين من أهل مكة من يكتم إيمانه، وقد وردت آيات تبين هذا المعنى:

قال تعالى: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الفتح: 25] .

وكان هؤلاء الذين يخفون إيمانهم هم السبب في عدم تسليط الله للمؤمنين على أهل مكة، فقد ذكر الله تعالى أنه لولا وجود رجال مؤمنون ونساء مؤمنات من أهل مكة، يكتمون إيمانهم ويخفونه خوفا على أنفسهم من كفار قريش، لسلط الله المؤمنين على الكافرين فقتلوهم وأبادوا خضراءهم، ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا يعرفونهم حالة القتل.

ولهذا قال تعالى: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الفتح: 25] .

والمعرة هي: غرامة الدية والكفارة وما يصيب المؤمن من الغم من قتل المسلم على يده؛ لأن المؤمن يغتم لذلك، {لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} [الفتح: 25] .

أي: يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام 49.

ويكون المعنى الإجمالي للآيات: كان هنالك بعض المستضعفين من المسلمين في مكة لم يهاجروا، ولم يعلنوا إسلامهم تقية في وسط المشركين، ولو دارت الحرب، وهاجم المسلمون مكة، وهم لا يعرفون أشخاصهم، فربما وطؤوهم وداسوهم وقتلوهم، فيقال: إن المسلمين يقتلون المسلمين! ويلزمون بدياتهم

حين يتبين أنهم قتلوا خطأ وهم مسلمون 50.

ولعل منهم من أشارت إليه آية النساء في قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75) } [النساء: 75] .

وآيات النساء: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) } [النساء: 98 - 99] 51.

ويلاحظ أن الدين الإسلامي يهتم بأتباعه وسلامتهم وترك كثير من المصالح من أجل سلامتهم حتى وإن كانوا قلة لا يتجاوزون العشرات، ويدل على ذلك ما رواه أبو جمعة جنيد بن سبع- وقيل: حبيب بن سباع- رضي الله عنه قال: (فينا نزلت: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ} ، كنا ثلاث رجال وتسع نسوة و في رواية: وكنا تسعة نفر سبعة رجال وامرأتين) 52.

ولولا أن المؤمنين بينهم غير متميزين عنهم كما قال تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 25] ، قوله تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُوا} أي: تميزوا، قاله القتبي، وقيل: لو تفرقوا، قاله الكلبي، وقيل: لو زال المؤمنون من بين أظهر الكفار لعذب الكفار بالسيف، قاله الضحاك، ولكن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار 53.

وهذه الآيات تبين أن دين الإسلام هو دين العزة والكرامة ودين الحرية والمساواة في الحقوق والواجبات، لا يقبل بالمذلة والمهانة، ولا يرضى للإنسان أن يعيش مستعبدا في هذه الأرض، فكل مؤمن وجد في مكان لا يقدر فيه على إظهار دينه، تجب عليه الهجرة من ذلك المكان إلى مكان يستطيع إظهار دينه، بشرط ألا يكون من الصبيان أو النساء أو العجزة، فهؤلاء قد رخص الله تعالى لهم، فإن كان من المستضعفين: وكان التخويف بالقتل ونحوه ممن يظن منهم أنهم يفعلون ما خوفوا به، جاز المكث والموافقة ظاهرا بقدر الضرورة، مع السعي في حيلة للخروج والفرار بدينه، والموافقة حينئذ رخصة.

وإظهار ما في قلبه عزيمة، فلو مات فهو شهيد قطعا 54.

إن كتمان السر من الكتمان المحمود، وقد ورد في آيات عديدة تدل على هذه الصفة في كل من الأمانة والوفاء والوقار، فمن الأمانة أن يكتم الإنسان سر أخيه، فالذي يؤتمن على سر، فيحافظ عليه يكون مؤديا للأمانة، لأن إفشاء السر خيانة محرمة.

ويكفي في العلم بكونه سرا القرينة القولية كقول محدثك: هل يسمعنا أحد؟ أو للفعلية كالالتفات لرؤية من عساه يجيء، ومن هنا كان كتمان السر نوعًا من الأمانة.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) } [الأنفال: 27] .

وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة) 55.

وكتمان هذا النوع ضرب من الأمانة ونوع من الوفاء، وعلامة على الوقار.

وآكد أمانات السر وأحقها بالكتمان ما يكون بين الزوجين، وقد جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها) 56.

ومن كتمان السر المحمود أن يكتم الإنسان ما يحصل منه من مستقبح من قول أو فعل، كالزنا وشرب الخمر، والقذف، لأن الستر واجب على المسلم في خاصة نفسه إذا اقترف فاحشة، وكما يجب عليه ذلك في حق نفسه، فإنه يجب عليه في حق غيره.

لما روي عن مالك عن زيد بن أسلم: (أن رجلا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوط فأتي بسوط مكسور، فقال:(فوق هذا) فأتي بسوط جيد، لم تقطع ثمرته، فقال: (دون هذا) فأتى بسوط قد ركب به ولان، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلد، ثم قال: يا أيها الناس، قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله، فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله) 57.

ولحديث: (من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) 58.

وهذا النوع من الكتمان من الحزم والاحتياط 59.

ومن الوفاء أن يحافظ المسلم على سر أخيه فيكتمه وإلا كان غادرا؛ لأن من حق المسلم على المسلم أن يكتم عنه ما يكون قد وصل إليه من سره، خاصة إذا كان قد تعهد له بحفظ هذا السر وعدم إذاعته، ومن هنا كان كتمان السر نوعا من الوفاء بالعهد، قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34] 60.

ثانيًا: الكتمان المذموم:

يكون الكتمان مذموما في الخصال الآتية:

نهى الله تعالى عن كتمان العلم، الذي هو حياة الناس وهدايتهم إلى الصراط المستقيم، فالواجب بيان الحق، وعدم المداهنة، ومن ذلك: أن يجب على العالم إذا رأى الناس على باطل أو خرافات أو شرك، فإنه لا يسكت، بل يجب عليه أن يبين، ولا يترك الناس يقعون في عبادة القبور، وعبادة الأضرحة، ومزاولة البدع المضلة، ويسكت.

وقد وردت في هذا المعنى آيات في كتاب الله العزيز منها:

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) } [البقرة: 159] .

وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) } [البقرة: 174] .

وقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) } [آل عمران: 187] .

استدل العلماء بهذه الآيات على: وجوب تبليغ الحق وبيان العلم على الجملة، وللآية تحقيق هو أن العالم إذا قصد الكتمان عصى، وإذا لم يقصده لم يلزمه التبليغ إذا عرف أن معه غيره، وكذلك فإن كان هناك من يبلغ اكتفي به، وإن تعين عليه لزمه.

إن هذا الكتمان من الكبائر؛ لأنه تعالى أوجب فيه اللعن؛ ولأن ما يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلف لا يجوز أن يكتم، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته، وبلغ من الشقاوة والخسران الغاية التي لا يدرك كنهها.

لكن يشترط لذلك شرطين:

أولًا: أن لا يخشى العالم على نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت