أولًا: المعنى اللغوي:
اللغة: هي ما يعبر بها كلُّ قوم عن أغراضهم 1.
والعربية مشتقة من الفعل (عَرَبَ) ، والعين والراء والباء لها ثلاث معانٍ، منها: الإبانة والإفصاح؛ كقولهم: أعرب الرجل عن نفسه: إذا بين وأوضح، ومنه الحديث: (الثيب تعرب عن نفسها) 2، فأما الأمة العربية فسميت بذلك؛ لأن لسانها أعرب الألسنة، وبيانها أجود البيان.
والأعراب منهم: سكان البادية بخاصة، والنسبة إليهم أعرابي، وليس الأعراب جمعًا لعرب، بل هو اسم جنس، والعرب العاربة الخلص منهم، وتعرب فلان: تشبه بالعرب، والعرب المستعربة: الذين ليسوا بخلص، وكذا المتعربة بكسر الراء وتشديدها، والعربية هي لغة العرب 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
اللغة العربية هي ما نطق به العرب، أو هي لغتهم 4.
وعلى هذا فاللغة العربية اصطلاحًا: هو اللسان الذي تكلمه العرب، ونزل به القرآن الكريم 5.
الأعراب:
الأعراب لغة:
جمع أعرابي، وهو ساكن البادية، صاحب ارتيادٍ للكلإ، وتتبعٍ لمساقط الغيث 6.
الأعراب اصطلاحًا:
الأعراب هم أهل البدو، سواءٌ كان من العرب أو من مواليهم، ويعرفون بالغلظة والجفاء 7.
الصلة بين العربية والأعراب:
العربية هي اللسان الذي تكلم به العرب، والأعراب هم سكان البادية.
الأعجمي:
الأعجمي لغةً:
الأعجم: الذي لا يفصح، سواء كان من العرب أو من العجم، ويجمع الأعجم على عجم، أما العجمي: فمن ينسب إلى العجم وإن كان فصيحًا بليغًا، ونظيره: عربي وعرب، وكلامٌ أعجمٌ وأعجميٌ: بين العجمة 8.
الأعجمي اصطلاحًا:
الأعجمي الذي يمتنع لسانه من العربية، ولا يفصح، وإن كان نازلًا بالبادية، والعجمي فهو منسوب إلى العجم، وإن كان فصيحًا 9.
الصلة بين العربية والأعجمية:
الفرق بينهما واضح فالعربية هي اللغة الفصيحة البليغة التي نزل بها القرآن الكريم، أما الأعجمية فهي اللغة غير الفصيحة.
ذكر القرآن الكريم أشياء وصفت بالعربية منها: اللسان، والقرآن، والحكم، وسوف نتناول ذلك بالتوضيح فيما يأتي:
أولًا: اللسان العربي:
وصف الله تعالى اللسان الذي أنزل به القرآن بأنه عربي، فقال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103] .
والإشارة في قوله: {وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} : إلى القرآن، أو أراد باللسان البلاغة، فكأنه قال: وهذا القرآن ذو بلاغة عربية، وبيان واضح، فكيف تزعمون أن بشرًا يعلمه من العجم، وقد عجزتم أنتم عن معارضة سورة منه، وأنتم أهل اللسان العربي، ورجال الفصاحة، وقادة البلاغة؟! 10.
وقال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 193 - 195] .
والمراد باللسان في هذه الآية: اللغة، فهو أحد معانيها، كما في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] . أي: بلغتهم.
وهذا الوصف للسان الذي أنزل به القرآن بأنه عربي جاء في سياق المدح، ففيه دلالة على أن الله اصطفى هذه اللغة؛ لتكون لغة البيان المبين، والتعبير الأمين، ولسان الإسلام، ولغة القرآن؛ وذلك لشرفها، ولأنها أفصح اللغات وأصفاها، وأرقاها وأكثرها قدرة على استيعاب أحاديث الوحي ومضامينه، وقيمه وتعاليمه، بما تمتلكه من خصائص ومميزات، وبما تمتاز به من ثراء ومقومات، حيث بلغت أعلى مستوياتها اللفظية والتعبيرية، مما جعلها أرقى اللغات وأقدرها على التلقي والبيان والاستيعاب والتأثير.
ومما لا شك فيه أن لسان العرب قد بلغ الغاية في الفصاحة والبيان، فلا يماثله غيره من الألسنة، ولا يقاربه ولا يدانيه، فهو مختص بأنواع الفصاحة والجزالة التي لا توجد في سائر الألسنة؛ والعرب العرباء قد بلغت من البلاغة في الكلام مبلغًا لم يذكره التاريخ لواحدة من الأمم المتقدمة عليهم، والمتأخرة عنهم، ووطئوا موطئًا لم تطأه أقدام غيرهم في كمال البيان، وجزالة النظم، ووفاء اللفظ، ورعاية المقام، وسهولة المنطق.
وقد قال بعض الحكماء: حكمة العرب في ألسنتهم، بحلاوة ألفاظهم، وعذوبة عباراتهم 11.
وهو أيضًا لسان سالم من العيوب، ومنزه من النقائص، وخالٍ من كل ما يستهجن ويعاب، قال الفارابي عن هذا اللسان: «وهو المنزه من بين الألسنة من كل نقيصة، والمعلى من كل خسيسة، والمهذب مما يستهجن أو يستشنع، فبنى مبانٍ بَايَنَ بها جميع اللغات من إعراب أوجده الله له، وتأليف بين حركة وسكون حلاه به، فلم يجمع بين ساكنين، أو متحركين متضادين، ولم يلاق بين حرفين لا يأتلفان، ولا يعذب النطق بهما، أو يشنع ذلك منهما في جرس النغمة وحس السمع، كالغين مع الحاء، والقاف مع الكاف، والحرف المطبق مع غير المطبق، مثل تاء الافتعال، والصاد مع الضاد في أخوات لهما، والواو الساكنة مع الكسرة قبلها، والياء الساكنة مع الضمة قبلها، في خلال كثيرة من هذا الشكل لا تحصى» 12.
ومع وصف اللسان بأنه عربي وصفه أيضًا بأنه مبين، فقال: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195] .
فَوَصْفُهُ بـ (المبين) تأكيد لما يفيده {عَرَبِيٍّ} وزيادة تقتضيها المغايرة، فكونه مبينًا يعني أنه أفصح ما يكون من العربية، وأنه يقع من التفاضل في العربية ما لا يقع في غيرها من اللغات.
وبَيَّنَ سبحانه وتعالى علة هذا الوضوح والبيان، وعلة نزول القرآن بالعربية، فقال: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الزمر: 28] .
قال ابن كثير: «أي: هو قرآن بلسان عربي مبين لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا لبس، بل هو بيان ووضوح وبرهان، وإنما جعله الله تعالى كذلك، وأنزله بذلك: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} » 13. فلما كان البيان الكامل لا يحصل إلا باللسان العربي، قال تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195] .
فدل ذلك على أن سائر الألسنة دونه في البيان.
والمقصود أن الله تعالى وصف اللسان الذي أنزل به القرآن، ولسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ولسان أصحابه بوصفين اثنين:
-أنه عربي.
-وأنه مبين.
فهو لسان عربي في غاية الإعراب والوضوح، فنزهه أن يكون أعجميًّا؛ لأن العجمة خلاف الإبانة، والإعجام الإبهام، والأعجم من في لسانه عجمة عربيًّا كان أو غير عربي، ومنه قيل للبهيمة: عجماء، من حيث إنها لا تبين عن نفسها بالعبارة إبانة الناطق، واللسان الأعجمي هنا لا يعني لسانا بعينه، وإنما هي كلمة تطلق على كل لسان غير اللسان العربي الفصيح.
وهو كذلك لسان مبين كامل البيان والاستقامة والوضوح، ظاهر المعنى، وواضح المدلول، لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا لبس، بل هو في غاية البيان والوضوح والبرهان، حيث تخلص -بفضل القرآن- من حوشي الكلام ومستهجنه، وارتقى بالمعجم القرآني في أسماع الناطقين به وأذواقهم، في حسن النظم، وتنوع الأنساق، وانضباط التراكيب، وسلامة الأساليب.
وقد شاء الله تعالى؛ لحكمةٍ أن يحمل العرب رسالة الإسلام، وأن ينزل القرآن بلسانهم، وأن يكون الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم منهم عربي الأصل واللسان، وأن يخاطب البشرية خطابه الأخير بهذا اللسان العربي؛ ليصبح لسانًا عالميًّا.
فاللسان العربي باقٍ ببقاء القرآن وخالد بخلوده؛ لأنه سبيل اتصال العبد المسلم بربه ولا سبيل غيره، وهو محفوظ -إن شاء الله-، كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
والحفظ يشمل الحافظ والمحفوظ، وهذه من أعظم المؤكدات على حفظ القرآن العربي واللسان العربي.
والأمة اليوم مطالبة بالعناية بهذا اللسان، والاجتهاد في تعلمه وتعليمه؛ لأنه مفتاح الأصلين العظيمين؛ (الكتاب والسنة) ، ووسيلة إلى الوصول إلى أسرارهما، وفهم دقائقهما؛ ولهذا لابد من النظر إلى اللسان العربي على أنه لسان القرآن الكريم والسنة المطهرة، ولسان التشريع الإسلامي، بحيث يكون الاعتزاز به اعتزازًا بالإسلام وتراثه الحضاري العظيم، فهو عنصر أساسي من مقومات الأمة الإسلامية، والشخصية الإسلامية.
والنظر إليه كذلك على أنه وعاء للمعرفة والثقافة بكل جوانبها، ولا يكون مجرد مادة مستقلة بذاتها للدراسة؛ لأن الأمة التي تهمل لغتها أمة تحتقر نفسها، وتفرض على نفسها التبعية الثقافية، يقول الرافعي رحمه الله مبينًا ذلك: «ما ذلت لغة شعبٍ إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهابٍ وإدبارٍ، ومن هذا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضًا على الأمة المستعمرة، ويركبهم بها، ويشعرهم عظمته فيها، ويستلحقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكامًا ثلاثةً في عملٍ واحدٍ:
أما الأول: فحبس لغتهم في لغته سجنًا مؤبدًا.
وأما الثاني: فالحكم على ماضيهم بالقتل محوًا ونسيانًا.
وأما الثالث: فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها، فأمرهم من بعدها لأمره تبعٌ» 14.
فعلى المسلم إذن أن يعرف أهمية هذه اللغة ومكانتها، وأنه لا غنى له عنها، كما يجب أن يعتز بها لا بغيرها من اللغات، بل ينبغي لمن يعرف العربية ألا يتكلم بغيرها، كما ينبغي لمن دخل الإسلام من الأعاجم أن يتعلم العربية، بل قد قيل: إن اعتياد التكلم باللغة العربية يؤثر في العقل والخلق والدين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «اعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرًا قويًّا بينًا، ويؤثر أيضًا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق» 15.
وكان يقول الشافعي: «من نظر في اللغة رق طبعه» 16.
وانطلاقًا من هذا المفهوم نقول: إن تعلم اللغة العربية والاهتمام بها ليس مهنة تعليمية، أو قضية تعليمية فحسب، وإنما هي قضية عقدية، ورسالة سامية يعتز بها المسلم؛ لأنها خصيصة هذه الأمة؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية» 17.
ويقول السيوطي? «ولا شك أن علم اللغة من الدين؛ لأنه من فروض الكفايات، وبه تعرف معاني ألفاظ القرآن والسنة» 18.
وتزداد أهمية تعلم اللسان العربي حين بعد الناس عن الملكة والسليقة اللغوية السليمة؛ مما سبب ضعف الملكات في إدراك معاني الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، مما جعل من الأداة اللغوية خير معين على فهم معاني القرآن الكريم والسنة المطهرة، وقد نبه ابن خلدون على ذلك بقوله: «فلما جاء الإسلام، وفارقوا الحجاز -أي: العرب-، وخالطوا العجم، تغيرت تلك الملكة بما ألقى إليها السمع من المخالفات التي للمستعربين من العجم -والسمع أبو الملكات اللسانية-، ففسدت بما ألقي إليها مما يغايرها لجنوحها إليه، باعتبار السمع، وخشي أهل الحلوم منهم أن تفسد تلك الملكة رأسًا بطول العهد؛ فينغلق القرآن والحديث على الفهوم، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردة، شبه الكليات والقواعد، يقيسون عليها سائر أنواع الكلام، ويلحقون الأشباه منها بالأشباه» 19.
ومما يدل كذلك على أهمية هذا اللسان أن العلم به مما يحصل به إقامة الحجة على الناس، وهو داخل في عموم قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} [النساء: 135] .
فلا يمكن أن يكون الإنسان شاهدًا لله إذا لم يكن فاهمًا لما يشهد به؛ لأن العلم شرط في الشهادة؛ لقول الله تعالى: {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} [يوسف: 81] .
ولقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] .
فلا يمكن أن يشهد الشاهد بما لا يعلمه ولا يفهمه، ولا بد أن يكون الإنسان فاهمًا لما يشهد به حتى تقبل شهادته على ذلك، والله تعالى جعل هذه الأمة شاهدة على الناس، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] .
ولا يمكن أن تتم الشهادة على الناس إذا كنت لا تفهم ما تشهد به، وليس هناك وسيلةٌ للاطلاع من خلالها على أحوال الناس، وما كذبوا به أنبياءهم إلا القرآن، والقرآن بلسان عربي مبين، فإذا لم تفهم هذا فلا يمكن أن تكون شاهدًا على الناس، فإذا جاء نوح يوم القيامة يخاصمه قومه، فقالوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فقال: بلى، قد مكثت فيكم ألف سنة إلا خمسين عامًا، فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فإذا كنت لا تفهم الآيات التي جاءت في قصة نوح فكيف تكون من الشهداء على هذا؟! لأن الشهادة من شرطها العلم.
ولهذه الأهمية الكبيرة للسان العربي نجد أن السلف قد اعتنوا بعلوم اللغة العربية، وحثوا على تعلمها، والنهل من عبابها، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «تعلموا العربية، فإنها من دينكم» ، وكتب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: «أما بعد: فتفقهوا في السنة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن فإنه عربي» 20، وفي توجيه عمر هذا دعوة إلى فقه اللسان العربي وفقه الشريعة معًا. وقد بين شيخ الإسلام سبب قول عمر: «تفقهوا في السنة، وتفقهوا في العربية» حيث قال: «لأن الدين فيه فقه أقوال وفقه أعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه الأقوال، وفقه الشريعة هو الطريق إلى فقه الأعمال» 21. ومما يدل على أهمية معرفة اللسان العربي قول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «كنت لا أرى ما {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام: 14] ؟ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، قال: ابتدأتها» 22. وقال: «إذا خفي عليكم شيء من القرآن، فابتغوه في الشعر؛ فإنه ديوان العرب» 23.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن الله لما أنزل كتابه باللسان العربي، وجعل رسوله مبلغًا عنه الكتاب والحكمة بلسانه العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلمين به، ولم يكن سبيلٌ إلى ضبط الدين، ومعرفته إلا بضبط هذا اللسان، صارت معرفته من الدين، وأقرب إلى إقامة شعائر الدين» 24. وفي الكلام السابق لشيخ الإسلام ما يدل على أن بين اللسان العربي والعقيدة الإسلامية ارتباطًا وثيقًا لا يماثله رباط آخر في أي من المجتمعات القديمة والمعاصرة؛ لأن اللغة العربية هي لغة الإسلام، ولغة كتابه العزيز، ولغة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولذا فإن الاهتمام والعناية بها، إنما هو استكمال لمقوم من مقومات العقيدة الإسلامية التي نجتمع جميعًا على إعزازها والدعوة إليها.
ثانيًا: القرآن:
وصف الله تعالى أيضًا القرآن بأنه عربي، فقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2] .
وقال: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} [طه: 113] .
وقوله: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الزمر: 28] .
وقال: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: 3] .
وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7] .
وقال: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف: 3] .
ومعنى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف: 2] .
أي: أنزلنا هذا الكتاب باللسان العربي الذي هو لسان العدنانيين والقحطانيين سواء.
والمقصود أن هذه منة على العرب؛ إذ نزل القرآن بلغتهم، وقد قال الله تعالى ممتنًّا على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى العرب، {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: 44] .
أي: لشرف لك ولقومك يا محمد أن نزل عليك هذا القرآن، وأن نزل بلغتك ولغة قومك.
فشرفٌ إذن للعرب أن القرآن نزل بلغتهم؛ ولهذا شكر لابد أن يقدم، فكل من أنعم الله عليه بنعمة فإنه يلزمه أن يقدم لها شكرًا موازيًا.
قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7] .
فعلى العرب أن يشكروا نعمة الله عليهم؛ إذ أنزل القرآن بلغتهم، فلزامًا عليهم أن يحملوا عبء الدعوة إلى الله أكثر من غيرهم، فهي نعمة أسداها الله إليهم ولم تُسَدَ إلى غيرهم؛ فجدير بهم أن ينهضوا إلى حمل دعوة الإسلام، وبثها ونشرها في العالم، وقد قال الله تبارك وتعالى محذرًا إياهم من التخاذل عن هذه المهمة: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام: 89] .
ومن هنا ينشأ اعتزازنا بلغة العرب، لا لأنها لغة لجنسنا ولبني جلدتنا، ولكن لأنها اللغة التي نزل بها كتاب ربنا، والتي تحدث بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فمن ثم لزمنا التمسك بها، ولزمنا بثها، ونشرها من غير استحياء ولا استنكاف 25.
ولما كان الله قد أرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى قومه العرب وجب أن يكون الوحي بلسانهم المفهوم بينهم.
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] .
قال الأزهري: «وجعل الله عز وجل القرآن المنزل على النبي المرسل محمد صلى الله عليه وسلم عربيًّا؛ لأنه نسبه إلى العرب الذين أنزله بلسانهم، وهم النبي والمهاجرون والأنصار الذين صيغة لسانهم لغة العرب في باديتها وقراها العربية» 26.
ومن الحكم من كونه أنزل عربيًًّا: أن يعقلوه.
قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف:2] .
أي: لكي يفهموه ويفقهوه ويعقلوه، ولا يخفى عليهم لفظه ولا معناه، قال الطبري في تفسيره لهذه الآية: «يقول تعالى ذكره: إنا أنزلنا هذا الكتاب المبين قرآنًا عربيًا على العرب؛ لأن لسانهم وكلامهم عربي، فأنزلنا هذا الكتاب بلسانهم؛ ليعقلوه ويفقهوا منه؛ وذلك قوله عز وجل: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} » 27.
ولأن العرب كما قال ابن خلدون: «هم أسرع الناس قبولًا للحق والهدى؛ لسلامة طباعهم من عوج الملكات، وبراءتها من ذميم الأخلاق إلا ما كان من خلق التوحش القريب المعاناة المُتَهيِّئ لقبول الخير ببقائه على الفطرة الأولى، وبعده عما ينطبع في النفوس من قبيح العوائد، وسوء الملكات» 28.
ومن الحكم من نزول القرآن باللسان العربي أن هذا اللسان قد بلغ الغاية في الفصاحة والبيان، فصار أهلًا لنزول القرآن به. يقول ابن كثير في قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2] : وذلك؛ لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات، على أشرف الرسل، بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة، وهو رمضان، فكمل من كل الوجوه 29.
قال الشافعي بعد أن ساق الآيات السابقة: «فأقام حجته بأن كتابه عربي في كل آية ذكرناها، ثم أكد ذلك بأن نفى عنه جل ثناؤه كل لسان غير لسان العرب في آيتين من كتابه، فقال تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103] .