الثالثة: الشاهد المعروف بالعدالة العالم بما تصح به الشهادة، فتجوز شهادته إلا في ستة مواضع على اختلاف في بعضها، وهي التزكية، شهادته لأخيه ولمولاه ولصديقه الملاطف ولشريكه في غير التجارة، وإذا زاد في شهادته أو نقص فيها، ويقبل فيها التجريح بالعداوة وغيرها، ولا يسأل عن كيفية علمه بما شهد به إذا أبهم ذلك.
الرابعة: المعروف بالعدالة غير العالم بما تصح به الشهادة، حكمه كذلك إلا أنه يسأل عن كيفية علمه بما شهد به إذا أبهم ذلك.
الخامسة: الشاهد المعروف بالعدالة إذا قذف قبل أن يحد فاختلف في قبول شهادته.
السادسة: الذي يتوسم فيه العدالة تجوز دون تزكية فيما يقع بين المسافرين في السفر من المعاملات، وفيما عدا ذلك لا بد من تزكيته، لأنه هو المعروف بمجهول الحال، والصحيح أن مثله لا بد من التحري عنه حتى ينكشف أمره.
السابعة: الذي لا يتوسم فيه العدالة ولا الجرحة فلا تجوز شهادته في موضع من المواضع دون تزكية، إلا أن شهادته تكون شبيهة في بعض المواضع عند بعض العلماء، فتوجب اليمين وتوجب الحميل وتوقيف الشيء على المدعى عليه.
الثامنة: الذي يستوسم فيه الجرحة فلا تجوز شهادته دون تزكية، ولا تكون شهادته شبهة توجب حكمًا.
التاسعة: الشاهد الذي ثبت عليه جرحة قديمة أو يعلمها الحاكم فيه، فلا تجوز شهادته دون تزكية، ولا تقبل فيه التزكية على الإطلاق، وإنما تقبل ممن علم بجرحته إذا شهد على توبته منها، ونزوعه منها، والمحدود في القذف بمنزلته على مذهب مالك؛ لأن تزكيته لا تجوز على الإطلاق، وإنما تجوز بمعرفة تزيده في الخير.
العاشرة: المقيم على الجرحة المشهود بها، فلا تجوز شهادته ولا تقبل التزكية فيه، وإن زكى، وإنما تقبل تزكيته فيما يستقبل إذا تاب.
الحادية عشر: شاهد الزور، فلا تصح شهادته وإن تاب وحسنت حاله، وفي رواية أبي زيد: إذا جاء تائبًا مقرًا على نفسه بشهادة الزور قبل أن تظهر عليه، وهو الأظهر» 152.
الشرط الرابع: حضور الخصم المدعى عليه عند أداء الشهادة أو حضور نائبه.
وإن لم يكن حاضرًا هو أو نائبه لم يصح أداؤها، ويجوز للقاضي تحليفهم وتفريقهم.
والأصوب في الشهادة هو الوقوف أمام القاضي، ويذكروا له كيفية الواقعة، كما حدث مع أخوة يوسف، فقال الأخ المحتبس بمصر لإخوته: {ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) } [يوسف:81] 153.
قال الشربيني في تفسير قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) } [فصلت:20] .
أي: النار التي كانوا بها يكذبون، فما زائدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور» 154.
رابعًا: موانع قبول الشهادة:
يمنع من الشهادة عدة أشخاص وهم:
1.الطفل والصبي والمجنون والسكران: لأن قولهم على أنفسهم لا يقبل، فعلى غيرهم من باب أولى 155. والصبي لا تقبل شهادته لقول الله تعالى: (ژ ژ ڑ) [البقرة:282] . فالله تعالى جعل الشهادة في الرجال وليس في الصبيان؛ ولأن الصبي ليس بمكلف، فهو أشبه بالمجنون.
2.من عرف بكثرة الغلط والغفلة: لأنه لا تحصل الثقة بقوله؛ لاحتمال أن يكون من غلطه، وتقبل شهادته من يقبل ذلك منه؛ لأن أحدًا لا يسلم من الغلط 156.
3.الأخرس: فلا تقبل شهادة الأخرس بالإشارة؛ لأنها محتملة، فلم تقبل، كإشارة الناطق وإنما قبلت في أحكامه المختصة به للضرورة، وهي ها هنا معدومة 157.
4.الكافر 158: لقوله تعالى: (ژ ژ) [الطلاق:2] . وقال تعالى: (گ گ ? ?) [البقرة:282] . والكافر ليس بعدل ولا مرضي عنه ولا هو منا، ولكن تقبل شهادة أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن موجودًا غير المسلمين، ويستحلف مع شهادته لقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ) [المائدة:106] . الآيات نزلت في تميم وعدي، وكانا نصرانيين، شهدا بوصية، فعن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم، فأوصى إليهما، فلما قدما بتركته فقد جامًا من فضة بالذهب، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله ما كتمتماها ولا اطلعتما، ثم وجدوا الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي، فحلفا بالله: لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم، وأخذ الجام 159.
5.الفاسق: فلا تقبل شهادة الفاسق، مثل المغني والرقاص والطفيلي والمتمسخر؛ لقول الله تعالى: (? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ?) [الحجرات:6] . وقوله سبحانه وتعالى: (ژ ژ) [الطلاق:2] 160. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر 161 على أخيه) 162. أما الخيانة في الحديث فلا تختص بخيانة أمانات الناس، بل ذلك عام في كل من ترك شيئًا مما أمر الله به عباده ورسوله صلى الله عليه وسلم، أو ارتكب ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يكون عدلًا ولا تجوز شهادته؛ لقول الله تعالى: (? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ) [الأنفال:27 - 28] . قال السعدي: «ولما كان العبد ممتحنًا بأمواله وأولاده، فربما حمله محبة ذلك على تقديم هوى نفسه على أداء أمانته، أخبر الله تعالى أن الأموال والأولاد فتنة يبتلي الله بهما عباده، وأنها عارية ستؤدى لمن أعطاها، وترد لمن استودعها» 163.
6.الوالدان: فلا تقبل شهادة والد وإن علا أو ولد وإن سفل؛ لأن الانسان يميل بطبعه إليهم. قال الشربيني: «الولد قطعة من الوالدين، قال صلى الله عليه وسلم (فاطمة بضعة مني) 164. وأيضًا شفقة الوالدين على الولد عظيمة، وإيصال الخير إلى الولد منهما أمر طبيعي، واحترازهما عن إيصال الضرر إليه أمر طبيعي» 165. وقال الحسن والنخعي والشعبي وشريح ومالك والثوري والشافعي وابن حنبل: بجواز شهادة الوالدين والأخ، ويتأولون في ذلك قول الله تعالى: (? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ?) [النساء:135] . فلم يكن أحد يتهم في ذلك من السلف الصالح رضوان الله عليهم. ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم، وصار ذلك لا يجوز في الولد والوالد والأخ والزوج والزوجة 166.
7.الزوجان: فلا تقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه؛ لأنه ينتفع بشهادته لتبسط كل واحد منهما في مال الآخر عادة واتساعه سعته وإضافة مال كل منهما إلى الآخر. قال عمر بن الخطاب لرجل قال له: (إن غلامي سرق مرآة امرأتي قال: غلامكم سرق مالكم لا قطع عليه) 167؛ ولأنه إن كان الزوج الشاهد فهو يجر إلى نفسه نفعًا؛ لأن قيمة بضع المرآة المملوك له يزداد بيسارها وإن كان الشاهد المرأة فنفقتها تزداد بيساره، وعنه: أن شهادة أحدهما للآخر مقبولة لدخوله في العموم 168. وقال مالك وأبو حنيفة: شهادة الزوج لزوجته لا تقبل؛ لتواصل منافع الأملاك بينهما، وهي محل الشهادة 169. ولأنه يتهم في إرادة الضرر بعدوه. لذلك لا تقبل شهادة الرجل على زوجته بالزنا؛ لأنه يقر بعدواته لها؛ ولأنه دعوى جناية في حقه فلم تقبل؛ لأنه خصم، ولا تقبل شهادة المقطوع عليه الطريق على القاطع، ولا المقذوف على القاذف، لأنه عدو، فأما المتحاكمان على مال فلا يمنع ذلك قبول شهادة أحدهما على صاحبه؛ لأنه ليس بعدواة 170.
كتمان شهادة الحق من العلامات التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، والتي ستكون بين يدي الساعة، ففي حديث عبدالله ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن بين يدي الساعة شهادة الزور وكتمان شهادة الحق) 171.
وشهادة الزور هي الكذب المتعمد في الشهادة لإبطال الحق، وكذلك كتمان الشهادة لإبطال الحق، وهذه من العلامات التي تكون بين يدي الساعة التي وقعت الآن بمثل ما أخبر به الصادق المصدوق.
أولًا: عقوبة كتم الشهادة:
قال تعالى في كتمان شهادة الحق: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة:283] .
فإذا دعي المريء إلى الشهادة فلابد أن يشهد بالحق الذي رآه بعينه والذي سمعه بأذنيه، ولا يشهد على غبش، ولا يقل: بلغني كذا أو سمعت عن فلان كذا وكذا 172.
وعن سعيد بن جبيرٍ في قول الله: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} يعني: عند الحكام، يقول: من أشهد على حقٍ، فليقمها على وجهها، كيف كانت» 173.
وعن الربيع: «فلا يحل لأحدٍ أن يكتم شهادةً هي عنده، وإن كانت على نفسه أو الوالدين أو الأقربين» 174.
وكتمان الشهادة ظلم، وبخاصة عندما تكون الشهادة المفروضة حق الله، مثل: الشهادة بأركان الإيمان أو الإسلام.
قال تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) } [البقرة:140] .
وكذلك كل من يكتم الشهادة على حقوق الناس المفروضة فهم آثم.
قال الله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) } [البقرة:283] .
والخطاب في قوله تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} إلى الشهود يعني: إذا دعيتم إلى إقامتها وأدائها، وذلك لأن الشاهد متى امتنع عن إقامة الشهادة وكتمها فقد أبطل بذلك حق صاحب الحق؛ فلهذا نهى الله تعالى عن كتمان الشهادة وبالغ في الوعيد عليه فقال تعالى: {وَمَنْ يَكْتُمْهَا} يعني: الشهادة فإنه آثم قلبه، أي: فاجر قلبه والآثم الفاجر، وإنما أضيف الإثم إلى القلب لأن الأفعال من الدواعي والصوارف إنما تحدث في القلب، فلما كان الأمر كذلك أضيف الإثم إلى القلب، قيل: ما أوعد الله على شيء كإيعاده عن كتمان الشهادة فإنه تعالى قال {فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} أراد به مسخ القلب {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} يعني: من بيان الشهادة وكتمانها، ففيه وعيد وتحذير لمن كتم ولم يظهرها.
ويدخل في كتمان الشهادة ألا يقول ما عاين، بأن يمتنع عن الذهاب إلى مجلس القضاء مطلقًا، أو يذهب ويقول: لا أعلم؛ فإن ذلك فوق أنه كتمان كذب، أو يقول بعض ما يعلم. والأداء أن يقول كل ما يعلم حيث طلب إليه أن يقول، ولا يترك شيئًا مما يعلمه متصلًا بموضوع الشهادة 175.
قال الزمخشري في هذا المعنى: «كتمان الشهادة هو أن يضمرها، ولا يتكلم بها، فلما كان إثمًا مقترنًا بالقلب أسند إليه؛ لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ؛ ألا تراك إذا أردت التوكيد تقول: هذا مما أبصرته عيني، ومما سمعته أذني، ومما عرفه قلبي؛ ولأن القلب رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله؛ فكأنه قيل: فقد تمكن الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف مكان فيه، ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان، وليعلم أن القلب أصل متعلقه، ومعدن اقترافه، واللسان ترجمان عنه؛ ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح، وهي لها كالأصول التي تشع منها، ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر، وهما من أفعال القلوب؛ فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب، فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب» 176.
{فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} مرفوع بالفاعلية أو الابتداء، أي: يأثم قلبه أو قلبه آثم، وأسند الإثم إلى القلب لأن الكتمان فعل القلب، ففي الإسناد إليه تأكيد ومبالغة، كما يقال، رأيته بعيني وسمعته بأذني وحفظته بقلبي أو لأنه رئيس الأعضاء وأفعاله أعظم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا وإن في الجسد مضغةً: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) 177 178.
وعن ابن عباسٍ قال: «ومن الكبائر: كتمان الشهادة؛ لأن الله يقول: {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} » 179.
وعن سعيد بن جبيرٍ في قول الله: {وَمَنْ يَكْتُمْهَا} : «يعني: الشهادة، لا يشهد بها إذا دعي لها، فإنه آثمٌ قلبه» 180.
وعن السدي في قوله تعالى: {فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} يقول: فاجرٌ قلبه 181.
وختمت الآية بقوله تعالى: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} يعني: من كتمان الشهادة، وإقامتها عليهم عليمٌ وتهديد هذه الآية دليل على أن كتمان الشهادة حرام وأداؤها فريضة وإن لم يسأله المشهود له، وإذا كان المشهود له لا يعلم بشهادة الشاهد يجب على الشاهد أن يعلمه بأنه شاهد.
وقال آخرون: الشهادة من قبل أن يستشهد مذمومه؛ لحديث عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم أن بعدهم قومًا يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن) 182183.
ثم جاء قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} فالآية خاصة متصلة بالآية التي قبلها، وإنما نزلت في كتمان الشهادة، ومعنى الآية {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} أيها الشهود من كتمان الشهادة أو تخفوه، أي: تخفوا الكتمان يحاسبكم به الله 184.
ثانيًا: عقوبة شهادة الزور:
شهادة الزور من أكبر الكبائر، وأعظم الذنوب، فهي سبب في أكل أموال الناس بالباطل، وسبب لإضاعة الحقوق، وسبب لإضلال الحكام والقضاة ليحكموا بغير الحق، فيجب اجتنابها.
والزور في اللغة: الكذب والباطل، وقيل: هو شهادة الباطل، يقال: رجلٌ زور، وقوم زور؛ أي: مموهٌ بكذب 185.
وشهادة الزور شرعًا: الشهادة بالكذب؛ ليتوصل بها إلى الباطل، من إتلاف نفس، أو أخذ مال، أو تحليل حرام، أو تحريم حلال، وقيل: أن يشهد المرء بما لا يعلم عامدًا ولو طابق الواقع. وقيل: هي الشهادة بالكذب 186.
وتعتبر شهادة الزور من أبشع الرذائل، وأشنع المعاصي، وأفحش الآثام، وأعظم الموبقات، وأكبر الكبائر. ويكفي للدلالة على فظاعتها وخطورتها أن رب العزة سبحانه قرن النهي عنها بالنهي عن عبادة الأوثان في محكم القرآن 187.
قال الله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج:30] .
وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر) . ثلاثًا، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين-وجلس وكان متكئًا، فقال- ألا وقول الزور) . قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت 188.
فجلوسه عليه الصلاة والسلام بعد اتكائه يشعر باهتمامه الكبير بهذه الآفة الخطيرة، ويفيد تأكيد حرمتها، وعظم قبحها. وسبب اهتمامه عليه الصلاة والسلام المتزايد بها، هو: كونها أسهل وقوعًا على الناس، والتهاون بها أكثر، والحوامل عليها كثيرة، كالعداوة والحسد وغير ذلك 189.
وشاهد الزور خوان أثيم، وله عند الله العذاب الأليم.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} [النساء:107] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا إيمان لمن لا أمانة له) . 190
وشاهد الزور غشاش مكار كذاب، شاهد الزور إذا مات ولم يتب يعذب في النار بقدر جرمه وكذبه.
ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: (من غشنا فليس منا) 191.
وعن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب كذابًا) 192.
وشاهد الزور يجني على نفسه أولًا، فيلبسها لباس الخزي والعار والذل والاحتقار، ويعرضها لعقاب الجبار.
ثانيًا: يجني على المشهود عليه بإلحاق الضرر به، وقهره وغلبته بالباطل، وحرمانه من حقه، وإيغار صدره عليه، والله تعالى يقول: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة:8]
ثالثًا: يجني على المشهود له بإعانته على الباطل والجور والعصيان، وربنا جل وعلا يقول {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2] .
رابعًا: يجني أيضًا على المجتمع برمته، بحيث يسهم في إفساده وتخريبه وتهديد كيانه وإسقاطه من بين المجتمعات الراقية، ذلك أن أي مجتمع تنتشر وتتفشى فيه هذه الآفة الخطيرة وهذه الجريمة الشنيعة يكون عرضة للانحدار والسقوط 193.
وإذا أقر الإنسان أنه شهد زورًا عند القاضي فهو فاسق ترد شهادته، يفعل القاضي به ما يحقق المصلحة، بحسب الناس، وحجم القضية. فله أن يعزره بما يردعه بالضرب مثلًا، أو الحبس، أو التوبيخ، أو يشهر به في الأسواق أو بين قومه، ليعرفه الناس ويحذروه.
وأما إذا تسبب في القتل بشهادته، فقد ذهب الحنفية، والمالكية إلى أن الواجب هو الدية لا القصاص؛ لأن القتل بشهادة الزور قتلٌ بالسبب، والقتل تسببًا لا يساوي القتل مباشرة؛ فوجبت به الدية لا القصاص 194.
وجاء عن الإمام مالك: «قلت: أرأيت القاضي إذا أخذ شاهد زور كيف يصنع به وما يصنع به؟ قال: قال مالك: يضربه، ويطوف به في المجالس» 195.
وقال ابن جزي: «إذا عثر على شاهد الزور عوقب بالسجن والضرب، ويطاف به في المجالس» 196.
وقال ابن العربي: «يسود وجهه، ولا تقبل شهادته؛ لأنه لا تعرف له توبة» 197.
وعند الشافعية والحنابلة: يجب حد القذف على الشهودٍ إذا شهدوا بالزنا، ويقام عليهم الحد، سواء تبين كذبهم قبل الاستيفاء أم بعده، ويحدون في الشهادة بالزنا حد القذف أولًا، ثم يقتلون إذا تبين كذبهم بعد استيفاء الحد بالرجم 198.
ثالثًا: حكم توبة شاهد الزور:
ذهب الحنفية والشافعية، والحنابلة وأبو ثور 199، إلى أنه إذا تاب شاهد الزور، وأتت على ذلك مدة، فظهر فيها توبته، وتبين صدقه فيها وعدالته قبلت شهادته؛ لقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} [آل عمران:89] .
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) 200. ولأنه تائب من ذنبه، فقبلت توبته كسائر التائبين.
ومدة ظهور التوبة عندهم سنة؛ لأنه لا تظهر صحة التوبة في مدة قريبة، فكان أولى المدد بالتقدير سنة؛ لأنه تمر فيها الفصول الأربعة التي تهيج فيها الطبائع، وتتغير فيها الأحوال 201.
وقال البابرتي: «مدة ظهور التوبة عند بعض الحنفية ستة أشهر، ثم قال: والصحيح أنه مفوض إلى رأي القاضي» 202.
وقال المالكية: إن كان ظاهر الصلاح حين شهد بالزور، لا تقبل له شهادة بعد ذلك؛ لاحتمال بقائه على الحالة التي كان عليها، وإن كان غير مظهر للصلاح حين الشهادة، ثم ظهر فيه الصلاح تقبل توبته 203.
موضوعات ذات صلة:
الدَين، الزور، العدل
1 مقاييس اللغة، ابن فارس ص 539.
2 لسان العرب، ابن منظور 3/ 239.
3 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 68.
4 الاختيار لتعليل المختار، الموصلي 2/ 413.
5 نهاية المحتاج، الرملي 8/ 292.
6 شرح منتهى الإرادات، البهوتي 3/ 575.
7 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص 388 - 390.
8 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 267 - 268.
9 مقاييس اللغة 2/ 239.
10 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 273، التعريفات، الجرجاني ص 96.
11 انظر: شأن الدعاء، الخطابي ص 63.
12 انظر: الدر المنثور، السيوطي 2/ 116.
13 المنثور في القواعد، الزركشي 2/ 116.
14 انظر: لسان العرب، ابن منظور 4/ 3083، تهذيب اللغة، الأزهري 2/ 418
15 الصحاح، الجوهري 5/ 1990.
16 التعريفات ص 191.
17 فتح الباري، ابن حجر 1/ 141.
18 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 109، المفردات، الراغب الأصفهاني ص 344.