فهرس الكتاب

الصفحة 2249 من 2431

وفي الصحيحين أن سهل بن حنيف رضي الله عنه قام يوم صفين فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم، فإنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ولو نرى قتالًا لقاتلنا، فجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فقال: (بلى) . فقال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: (بلى) . قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ أنرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: (يا ابن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدًا) . فانطلق عمر إلى أبي بكر فقال له مثل ما قال للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدًا، فنزلت سورة الفتح، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمر إلى آخرها، فقال عمر: يا رسول الله أو فتح هو؟ قال: (نعم) .

قال الزهري: «قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا» 103.

قال الحافظ ابن حجر: «المراد به الأعمال الصالحة، ليكفر عنه ما مضى من التوقف في الامتثال ابتداء، وقد ورد عن عمر التصريح بمراده بقوله: «أعمالًا» ، ففي رواية ابن إسحاق: وكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ؛ مخافة كلامي الذي تكلمت به. وعند الواقدي من حديث ابن عباس قال عمر: لقد أعتقت بسبب ذلك رقابًا، وصمت دهرا» 104.

وقد وقع تصديق رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، ودخلوها آمنين غير خائفين كما وعدهم الله عز وجل.

والرؤيا الثانية التي ذكرت في القرآن الكريم وذكر فيها أن الله سبحانه وتعالى أراها للنبي صلى الله عليه وسلم هي رؤيا ليلة الإسراء والمعراج، وقد ذكرت بعض التفاسير الخلاف فيها: هل هي رؤيا عين أم هي رؤيا منام؟

قال تعالى: (ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چچ ? ? ? ? ? ? ?) [الإسراء:60] .

روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) قال: «هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس، قال: (? چ چ چ) قال: هي شجرة الزقوم» 105.

وعلى الرغم من نقل بعض التفاسير الخلاف في المراد بهذه الرؤيا إلا أنهم لم يثبتوا فيها قولًا أعلى من قول ابن عباس، لا من حيث السند ولا من حيث الدرجة، فهو ترجمان القرآن وحبر الأمة، وروايته هذه في صحيح البخاري، نعم إن الطبري قد نقل عنه قولًا ثانيًا في المراد من الرؤيا بأنها رؤياه التي رأى أنه يدخل مكة.

قال الطبري: حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله: (? ? ? ? ? ? ? ?) قال: يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أنه دخل مكة هو وأصحابه وهو يومئذ بالمدينة، فعجل رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى مكة قبل الأجل، فرده المشركون، فقالت أناس: قد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان حدثنا أنه سيدخلها، فكانت رجعته فتنتهم 106.

قال القرطبي: وفي هذا التأويل ضعف؛ لأن السورة مكية، وتلك الرؤيا كانت بالمدينة 107.

بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا السند ضعيف لا يرقى من أي وجه للمقارنة مع سند الامام البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقد قال عنه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه: هذا الإسناد من أكثر الأسانيد دورانا في تفسير الطبري، وهو إسناد مسلسل بالضعفاء من أسرة واحدة، إن صح هذا التعبير 108.

وعليه فإن ابن عباس رضي الله عنهما قد حسم القول فيها بأنها رؤيا عين، ولا عبرة بأي قول آخر.

قال ابن كثير: «وهكذا فسر ذلك بليلة الإسراء: مجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، ومسروق، وإبراهيم، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد، وغير واحد» 109.

قال البغوي: «فالأكثرون على أن المراد منه ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج من العجائب والآيات، قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول سعيد بن جبير والحسن ومسروق وقتادة ومجاهد وعكرمة وابن جريج والأكثرين، والعرب تقول: رأيت بعيني رؤية ورؤيا، فلما ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس أنكر بعضهم ذلك، وكذبوا، وكان فتنة للناس» 110.

والرؤيا الثالثة التي ذكرت في القرآن الكريم وأن النبي عليه الصلاة والسلام رآها، هي رؤيا المشركين في غزوة بدر، قال تعالى: (? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھھ ے ے ? ? ?) [الأنفال:43] .

قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: وإن الله يا محمد سميع لما يقول أصحابك، عليم بما يضمرونه، إذ يريك الله عدوك وعدوهم (ں ? ?) ، يقول: يريكهم في نومك قليلًا، فتخبرهم بذلك، حتى قويت قلوبهم واجترأوا على حرب عدوهم، ولو أراك ربك عدوك وعدوهم كثيرًا لفشل أصحابك، فجبنوا وخافوا ولم يقدروا على حرب القوم، ولتنازعوا في ذلك، ولكن الله سلمهم من ذلك بما أراك في منامك من الرؤيا، إنه عليم بما تجنه الصدور، لا يخفى عليه شيء مما تضمره القلوب» 111.

قال ابن كثير: «وقد زعم بعضهم أن معنى قوله: (? ? ں ں ? ?) أي: في عينك التي تنام بها فصير المنام هو العين كأنه أراد: إذ يريكهم الله في عينك قليلًا.

قال مجاهد: أراه الله إياهم في منامه قليلًا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك، فكان تثبيتًا لهم، وكذا قال ابن إسحاق وغير واحد، وقد روى ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: (? ? ں ں ? ?) قال: بعينك 112.

قال ابن كثير: وهذا القول غريب، وقد صرح بالمنام هاهنا، فلا حاجة إلى التأويل الذي لا دليل عليه» 113.

قال الزمخشري: «وهذا تفسير فيه تعسف، وما أحسب الرواية صحيحة فيه عن الحسن، وما يلائم عليه بكلام العرب وفصاحته» 114.

وتصديقًا لرؤيا النبي عليه الصلاة والسلام وتثبيتًا للصحابة رضي الله عنهم، قلل الله عز وجل جيش الكفار داخل المعركة في أعين الصحابة رضي الله عنهم أيضًا.

روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لصاحبي الذي إلى جانبي: كم تراهم؟ أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، حتى أخذنا منهم رجلًا فسألناه فقال: كنا ألفًا 115.

فانظر إلى رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھھ ے ے ? ? ?) [الأنفال:43] كم حصل بها من منافع واندفع من مضار.

وكذلك قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الفتح:27] .

كم حصل بها من زيادة إيمان، وتم بها من كمال إيقان، وكانت من آيات الله العظيمة 116.

أولًا: رؤيا ملك مصر:

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ) [يوسف:43 - 49] .

قال القرطبي: «إن الملك الأكبر الريان بن الوليد رأى في نومه، كأنما خرج من نهر يابس سبع بقرات سمان، في أثرهن سبع عجاف، أي: مهازيل، وقد أقبلت العجاف على السمان، فأخذن بآذانهن فأكلنهن إلا القرنين، ورأى سبع سنبلات خضر قد أقبل عليهن سبع يابسات فأكلنهن، حتى أتين عليهن، فلم يبق منهن شيء وهن يابسات، وكذلك البقر كن عجافًا فلم يزد فيهن شيء من أكلهن السمان، فهالته الرؤيا، فأرسل إلى الناس وأهل العلم منهم والبصر بالكهانة والنجامة والعرافة والسحر وأشراف قومه، فقال: يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي، فقص عليهم، فقال القوم: أضغاث أحلام» 117.

قال الألوسي: «وعبر عن ذلك بالأمر وعن طلب تأويله بالاستفتاء، تهويلًا لأمره وتفخيمًا لشأنه، إذ الاستفتاء إنما يكون في النوازل المشكلة الحكم المبهمة» 118.

قال ابن كثير: «هذه الرؤيا من ملك مصر مما قدر الله تعالى أنها كانت سببًا لخروج يوسف عليه السلام من السجن معززًا مكرمًا، وذلك أن الملك رأى هذه الرؤيا فهالته وتعجب من أمرها وما يكون تفسيرها، فجمع الكهنة والحزاة 119 وكبراء دولته وأمراءه وقص عليهم ما رأى وسألهم عن تأويلها، فلم يعرفوا ذلك واعتذروا إليه بأن هذه (? ?) أي: أخلاط اقتضت رؤياك هذه (? پ پ پ پ) أي: ولو كانت رؤيا صحيحة من أخلاط لما كان لنا معرفة بتأويلها وهو تعبيرها، فعند ذلك تذكر ذلك الذي نجا من ذينك الفتيين اللذين كانا في السجن مع يوسف، وكان الشيطان قد أنساه ما وصاه به يوسف من ذكر أمره للملك، فعند ذلك تذكر (? ?) أي: مدة.

وقال بعضهم: (? ?) أي: بعد نسيان.

فقال للملك والذين جمعهم لذلك: (? ? ?) أي: بتأويل هذا المنام، (?) أي: فابعثون إلى يوسف الصديق إلى السجن. ومعنى الكلام: فبعثوا فجاء. فقال: (ٹ ٹ ٹ ?) وذكر المنام الذي رآه الملك.

فعند ذلك ذكر له يوسف عليه السلام، تعبيرها من غير تعنيف لذلك الفتى في نسيانه ما وصاه به، ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك، بل قال: (? ? ? ?) أي: يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات، ففسر البقر بالسنين؛ لأنها تثير الأرض التي تستغل منها الثمرات والزروع، وهن السنبلات الخضر.

ثم أرشدهم إلى ما يعتمدونه في تلك السنين فقال: (? ? ? ? ? ژ ژ) أي: مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخصب فاخزنوه في سنبله، ليكون أبقى له وأبعد عن إسراع الفساد إليه، إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن قليلًا قليلًا لا تسرفوا فيه، لتنتفعوا في السبع الشداد، وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع متواليات، وهن البقرات العجاف اللاتي يأكلن السمان؛ لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب، وهن السنبلات اليابسات، وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئًا، وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء.

ولهذا قال: (گ گ ? ? ? ? ? ?) ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك (? ? ? ?) أي: يأتيهم الغيث، وهو المطر، وتغل البلاد، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم من زيت ونحوه، وسكر ونحوه حتى قال بعضهم: يدخل فيه حلب اللبن أيضًا، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (ہ ہ) يحلبون» 120.

قال الطبري في قوله تعالى: (? ں ں ? ? ?) : «وهذا خبر من يوسف عليه السلام للقوم عما لم يكن في رؤيا ملكهم، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله دلالة على نبوته وحجة على صدقة» 121.

قال ابن عاشور: «إن الرؤيا قد تحاكي الصورة التي في نفس الأمر، وهو الأكثر في مرائي الأنبياء، وقد تحاكي المعنى الرمزي وهو الغالب في مرائي غير الأنبياء، مثل رؤيا ملك مصر سبع بقرات، ورؤيا صاحبي يوسف في السجن، وهو القليل في مرائي الأنبياء» 122.

قال القرطبي: «هذه الآية أصل في صحة رؤيا الكافر، وأنها تخرج على حسب ما رأى، لا سيما إذا تعلقت بمؤمن، فكيف إذا كانت آية لنبي ومعجزة لرسول وتصديقًا لمصطفى للتبليغ وحجة للواسطة بين الله جل جلاله وبين عباده» 123.

ثم قال: «إن قيل: إذا كانت الرؤيا الصادقة جزءًا من النبوة فكيف يكون الكافر والكاذب والمخلط أهلًا لها؟ وقد وقعت من بعض الكفار وغيرهم ممن لا يرضى دينه منامات صحيحة صادقة، كمنام رؤيا الملك الذي رأى سبع بقرات، ومنام الفتيين في السجن، ورؤيا بخت نصر، التي فسرها دانيال في ذهاب ملكه، ورؤيا كسرى في ظهور النبي صلى الله عليه وسلم، ومنام عاتكة، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره وهي كافرة، وقد ترجم البخاري «باب رؤيا أهل السجن» فالجواب أن الكافر والفاجر والفاسق والكاذب وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات لا تكون من الوحي ولا من النبوة، إذ ليس كل من صدق في حديثه عن غيب يكون خبره ذلك نبوة، وقد تقدم في «الأنعام» أن الكاهن وغيره قد يخبر بكلمة الحق فيصدق، لكن ذلك على الندور والقلة، فكذلك رؤيا هؤلاء، قال المهلب: إنما ترجم البخاري بهذا لجواز أن تكون رؤيا أهل الشرك رؤيا صادقة، كما كانت رؤيا الفتيين صادقة، إلا أنه لا يجوز أن تضاف إلى النبوة إضافة رؤيا المؤمن إليها، إذ ليس كل ما يصح له تأويل من الرؤيا حقيقة يكون جزءًا من النبوة» 124.

وقد تصدق رؤيا لكافر ولا تكون حينئذ جزءًا من النبوة ولا مبشرات، ولكن إنذارًا له أو لغيره ووعظًا 125.

وقد ذكر الشيخ عبدالله الطيار بعض الفوائد المستنبطة من رؤيا ملك مصر وقد جمعها جمعًا لطيفًا من بعض كتب التفسير نذكر منها:

وإضافة إلى ذلك نذكر قول القرطبي بأن هذه الآية أصل في القول بالمصالح الشرعية التي هي حفظ الأديان والنفوس والعقول والأنساب والأموال، فكل ما تضمن تحصيل شيء من هذه الأمور فهو مصلحة، وكل ما يفوت شيئًا منها فهو مفسدة، ودفعه مصلحة، ولا خلاف أن مقصود الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم الدنيوية، ليحصل لهم التمكن من معرفة الله تعالى وعبادته الموصلتين إلى السعادة الأخروية، ومراعاة ذلك فضل من الله عز وجل ورحمة رحم بها عباده من غير وجوب عليه ولا استحقاق، هذا مذهب كافة المحققين من أهل السنة أجمعين، وبسطه في أصول الفقه 127.

ويوسف عليه السلام عندما جاءه ساقي الملك طالبًا منه تأويل رؤيا الملك، ذكر يوسف عليه السلام لذلك الفتى تعبيرها مباشرة من غير أن يشترط عليه الخروج من السجن مقابل ذلك، ومن غير تعنيف ولا تأنيب لذلك الفتى في نسيانه ما وصاه به قبل أن يخرج من السجن 128.

وأخيرًا نقول: إن هذه الرؤيا كانت سببًا لكي يكون يوسف عليه السلام على خزائن الأرض لمدة خمس عشرة سنة أو أكثر، وإدارة الأزمة التي ستمر بمصر، وذلك من خلال وضع خطة اقتصادية تتحكم في الإنتاج الزراعي وتخزينه واستهلاكه، حتى تمر فترة الجفاف والقحط بسلام ولا يهلك الناس فيها.

ثانيًا: رؤيا الفتيان:

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پپ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک ک کگ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھھ ھ ھ ے ے ? ?) [يوسف:36 - 41] .

ذكر القرآن الكريم قصة هذين الشابين اللذين دخلا السجن مع يوسف عليه السلام، قال قتادة: كان أحدهما ساقي الملك، والآخر خبازه 129.

وقد قيل: إن الخباز وضع السم في الطعام، فلما حضر الطعام قال الساقي: أيها الملك لا تأكل؛ فإن الطعام مسموم، وقال الخباز: أيها الملك لا تشرب، فإن الشراب مسموم، فقال الملك للساقي: اشرب، فشرب فلم يضره، وقال للخباز: كل، فأبى فجرب الطعام على حيوان، فنفق مكانه، فحبسهما سنة، وبقيا في السجن تلك المدة مع يوسف 130.

قال الخباز ليوسف عليه السلام: رأيت كأني اختبزت في تنانير ثلاثة، وجعلته في ثلاث سلال، فوضعته على رأسي، فجاء الطير فأكل منه، وقال الآخر: رأيت كأني أخذت عناقيد من عنب أبيض، فعصرتهن في ثلاث أوان، ثم صفيته، فسقيت الملك كعادتي فيما مضى، فذلك قوله: (? ? ? ?) أي: عنبًا 131.

قالا له: (? ? ? ? ?) ، وكان يوسف عليه السلام قد اشتهر في السجن بالجود والأمانة وصدق الحديث وحسن السمت وكثرة العبادة، صلوات الله عليه وسلامه، ومعرفة التعبير والإحسان إلى أهل السجن وعيادة مرضاهم والقيام بحقوقهم 132.

قال الألوسي: وأما رؤيا صاحبي السجن فقد لبث عليه السلام بعد تعبيرها في السجن بضع سنين، وفي تعليق الجزاء المذكور بالمحسنين إشعار بعلية الإحسان له، وتنبيه على أنه تعالى إنما أتاه ما آتاه لكونه محسنًا في أعماله متقنًا في عنفوان أمره، ومن هنا قال الحسن: من أحسن عبادة الله سبحانه في شبيبته آتاه الله تعالى الحكمة في اكتهاله 133.

قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام: (ں ں ? ? ?) أي: قال للساقي: إنك ترد على عملك الذي كنت عليه من سقي الملك بعد ثلاثة أيام، وقال للآخر: وأما أنت فتدعى إلى ثلاثة أيام فتصلب فتأكل الطير من رأسك، قال: والله ما رأيت شيئًا، قال: رأيت أو لم تر (ھ ھ ے ے ?) 134.

وقد ذكر أهل التفسير قولين في رؤيا صاحبي السجن، الأول لابن عباس رضي الله عنهما ومن تابعه بأن رؤيا صاحبي السجن رؤيا صحيحة، والثاني لابن مسعود رضي الله عنه ومن تابعه بأن رؤيا صاحبي السجن رؤيا كذب.

روى الطبري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئًا، وإنما كانا تحالما ليجربا علمه، وقال قوم: إنما سأله الفتيان عن رؤيا كانا رأياها على صحة وحقيقة، وعلى تصديق منهما ليوسف لعلمه بتعبيرها 135.

قال ابن كثير: «والمشهور عند الأكثرين ما ذكرناه، وأنهما رأيا منامًا، وطلبا تعبيره» 136.

قال القرطبي: «قال ابن عباس ومجاهد: كانت رؤيا صدق، رأياها وسألاه عنها، ولذلك صدق تأويلها» 137.

ونقل القرطبي عن العلماء قولهم: «إن قيل: من كذب في رؤياه ففسرها العابر له، أيلزمه حكمها؟ قلنا: لا يلزمه، وإنما كان ذلك في يوسف لأنه نبي، وتعبير النبي حكم، وقد قال: إنه يكون كذا وكذا فأوجد الله تعالى ما أخبر كما قال: تحقيقًا لنبوته، فإن قيل: فقد روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني رأيت كأني أعشبت ثم أجدبت ثم أعشبت ثم أجدبت، فقال له عمر: أنت رجل تؤمن ثم تكفر، ثم تؤمن ثم تكفر، ثم تموت كافرًا، فقال الرجل: ما رأيت شيئًا، فقال له عمر: قد قضي لك ما قضي لصاحب يوسف، قلنا: ليست لأحد بعد عمر؛ لأن عمر كان محدثًا» 138.

وقد مر بنا في مطلب رؤيا ملك مصر بأن هذه الآيات أصل في صحة رؤيا الكافر، وأنها تخرج على حسب ما رأى، لا سيما إذا تعلقت بمؤمن، فكيف إذا كانت آية لنبي ومعجزة لرسول، وانها ليست من أجزاء النبوة.

وقد ظهرت فوائد كثيرة من هذه الرؤيا من أهمها:

ذلك الدرس الواعي للدعاة في سبيل الله، وكيف استطاع سيدنا يوسف عليه السلام، أن يستثمر سؤالهم عن تعبير الرؤيا إلى دعوتهم إلى عقيدة توحيد الله عز وجل وعبادته، وأنه عليه السلام لم يتعجل الإجابة مع علمه بتأويل رؤياهما.

قال الألوسي: «وقد تلطف عليه السلام بهما في ردهما إلى الحق وإرشادهما إلى الهدى، حيث أبرز لهما ما يدل على بطلان ما هما عليه بصورة الاستفهام، حتى لا تنفر طباعهما من المفاجأة، بإبطال ما ألفاه دهرًا طويلًا ومضت عليه أسلافهما جيلًا فجيلًا، فقال: ءأرباب متفرقون متعددون متكثرون يستعبدكما منهم هذا وهذا، والكلام على ما صرح به أبو حيان على حذف مضاف، أي: أعبادة أرباب متفرقين خير لكما، أم الله؟ أي: أم عبادة الله سبحانه الواحد المنفرد بالألوهية القهار الغالب الذي لا يغالبه أحد جل وعلا؟» 139.

ونقل ابن كثير عن ابن جريج أنه قال: إنما عدل بهم يوسف عن تعبير الرؤيا إلى هذا، لأنه عرف أنها ضارة لأحدهما، فأحب أن يشغلهما بغير ذلك، لئلا يعاودوه فيها، فعاودوه، فأعاد عليهم الموعظة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت