وقال محمد بن كعب القرظي: «من بلغه القرآن فكأنما قد رأى محمدًا صلى الله عليه وسلم وسمع منه. وفي الخبر أيضًا: من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذ به أو تركه. وقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له» 57.
وهذا المعنى مستفاد من قوله: {وَمَنْ بَلَغَ} : فأما قوله: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ} فالمراد: أنه تعالى أوحى إلي هذا القرآن؛ لأنذركم به، وهو خطاب لأهل مكة، وقوله: {وَمَنْ بَلَغَ} : عطف على المخاطبين من أهل مكة، أي: لأنذركم به، وأنذر كل من بلغه القرآن، من العرب والعجم، وقيل من الثقلين، وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة.
وعن سعيد بن جبير: من بلغه القرآن، فكأنما رأى محمدًا صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا التفسير فيحصل في الآية حذف، والتقدير: وأوحي إلي هذا القرآن؛ لأنذركم به، ومن بلغه هذا القرآن، إلا أن هذا العائد محذوف؛ لدلالة الكلام عليه، كما يقال الذي رأيت زيد، والذي ضربت عمرو» 58.
وحمل قوله: سبحانه {وَمَنْ بَلَغَ} على أن المراد منه: من بلغه القرآن هو الأشهر والأوفق للسياق، ولذلك اقتصر عليه كثير من المفسرين ولم ينصوا على أنه قد يراد من الآية معنى غيره، «وقيل: ومن بلغ الحلم. ودل بهذا على أن من لم يبلغ الحلم ليس بمخاطب ولا متعبد» 59. قال الرازي: «وفي تفسير قوله: {وَمَنْ بَلَغَ} قول آخر، وهو أن يكون قوله: {وَمَنْ بَلَغَ} أي: ومن احتلم وبلغ حد التكليف، وعند هذا لا يحتاج إلى إضمار العائد، إلا أن الجمهور على القول الأول» 60.
هذا ويستفاد من معنى الآية أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم قائمة مقامه من بعده في تبليغ القرآن الكريم وبه تقوم الحجة على من بلغه، قال القرطبي: «وتبليغ القرآن والسنة مأمور بهما، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغهما، فقال: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} ، وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) 61.
كما ينبني على ذلك أيضًا أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ممتدة زمانًا ومكانًا خلافًا لرسالات الرسل قبله، فهي تعم من بلغه القرآن الكريم في سائر البلاد ولو لم ير النبي صلى الله عليه وسلم في وقت كونه صلى الله عليه وسلم حيًّا كالنجاشي الذي آمن به ولم يره وتوفي مؤمنًا وصلى عليه عليه الصلاة والسلام صلاة الغائب، كما تعم «كل من يبلغه القرآن في جميع العصور» 62.
ومن ذلك ما ذكر ابن جرير في تفسيره: «قال ابن زيد، في قوله: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} قال: النبي النذير. وقرأ: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} وقرأ: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ} قال: رسل. قال: المنذرون: الرسل. قال: وكان نذيرًا واحدًا بلغ ما بين المشرق والمغرب، ذو القرنين، ثم بلغ السدين، وكان نذيرًا، ولم أسمع أحدًا يحق أنه كان نبيًّا. {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} قال: من بلغه القرآن من الخلق، فرسول الله نذيره. وقرأ: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} وقال: لم يرسل الله رسولًا إلى الناس عامة إلا نوحًا، بدأ به الخلق، فكان رسول أهل الأرض كلهم، ومحمد صلى الله عليه وسلم ختم به» 63.
وعليه، فإن هذا القرآن حجة الله القائمة على خلقه إلى يوم القيامة، هو معجزة النبي -عليه الصلاة والسلام- شاء الله أن يظل قائمًا ومحفوظًا، ومن بلغه فكأنما رأى محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأمته أمينة على تبليغه من بعده قائمة مقام نبيها، ولأجل ذلك فالمسلمون أكثر أتباع الأنبياء يوم القيامة.
ثانيًا: سماع القرًان وأثره في قيام الحجة:
نصت سورة التوبة على أن سماع القرآن الكريم كاف في إقامة الحجة على المشركين ورفع العذر عنهم، كما قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} [التوبه: 6] .
قال ابن جرير في بيان معناها: «يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن استأمنك، يا محمد، من المشركين، الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، أحدٌ؛ ليسمع كلام الله منك -وهو القرآن الذي أنزله الله عليه- {فَأَجِرْهُ} ، يقول: فأمنه حتى يسمع كلام الله وتتلوه عليه {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} ، يقول: ثم رده بعد سماعه كلام الله إن هو أبى أن يسلم، ولم يتعظ لما تلوته عليه من كلام الله فيؤمن إلى مأمنه، يقول: إلى حيث يأمن منك وممن في طاعتك، حتى يلحق بداره وقومه من المشركين {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} ، يقول: تفعل ذلك بهم، من إعطائك إياهم الأمان؛ ليسمعوا القرآن، وردك إياهم إذا أبوا الإسلام إلى مأمنهم؛ من أجل أنهم قوم جهلة لا يفقهون عن الله حجة، ولا يعلمون ما لهم بالإيمان بالله لو آمنوا، وما عليهم من الوزر والإثم بتركهم الإيمان بالله» 64.
والمقصود بسماعه: «فهم المقصود من دلالته على النبوة، وفهم المقصود به من التكليف، ولم يكن يخفى على العرب وجه الإعجاز فيه، وطريق الدلالة على النبوة، لكونه خارجًا عن أساليب فصاحة العرب في النظم والنثر، والخطب والأراجيز، والسجع والأمثال، وأنواع فصل الخطاب؛ فإن خلق الله له العلم بذلك، والقبول له صار من جملة المسلمين، فإن صد بالطبع، ومنع بالختم، وحق عليه بالكفر القول رد إلى مأمنه» 65.
ولئن مال أكثر المفسرين إلى أن هذا متحقق في شأن مشركي العرب خاصة؛ لما تهيأ لهم من معرفة وجه الإعجاز فيه، فإن سورة المائدة قد وصفت طائفة من القسيسين والرهبان بأنهم إذا سمعوه سارعوا إلى الاستجابة له، كما قال: جل وعلا: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 82 - 83] .
فقد وصفت الآية هؤلاء الذين هم أقرب الناس مودة للذين آمنوا بجملة من الصفات:
«منها: {بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا} أي: علماء متزهدين، وعبادًا في الصوامع متعبدين. والعلم مع الزهد وكذلك العبادة مما يلطف القلب ويرققه، ويزيل عنه ما فيه من الجفاء والغلظة؛ فلذلك لا يوجد فيهم غلظة اليهود، وشدة المشركين.
ومنها: {وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} أي: ليس فيهم تكبر ولا عتوٌّ عن الانقياد للحق، وذلك موجب لقربهم من المسلمين ومن محبتهم، فإن المتواضع أقرب إلى الخير من المستكبر.
ومنها: أنهم {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ} محمد صلى الله عليه وسلم، أثر ذلك في قلوبهم وخشعوا له، وفاضت أعينهم بسبب ما سمعوا من الحق الذي تيقنوه، فلذلك آمنوا وأقروا به فقالوا: {رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يشهدون لله بالتوحيد، ولرسله بالرسالة وصحة ما جاؤوا به، ويشهدون على الأمم السابقة بالتصديق والتكذيب» 66.
ويهمنا في هذا المقام ما وصفتهم به الآية من أن أعينهم تفيض من الدمع الذي هو دليل معرفة وإذعان، «وفيض العين من الدمع: امتلاؤها منه، ثم سيلانه منها، كفيض النهر من الماء، وفيض الإناء، وذلك سيلانه عن شدة امتلائه» 67.
وتكرر هذا الوصف في قوله تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 106 - 109] .
فقد جعلت الآية من صفة هؤلاء الذين أوتوا العلم أنهم يخرون ساجدين وباكين حين تتلى عليهم آيات القرآن الكريم، وقد اشتملت الآية على وصفين ذكرا في الآية السابقة يتفرع أحدهما عن الآخر وينتج الثاني الأول، وهو حصول علم سابق يؤدي إلى البكاء والسجود، ولذلك قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ} ، وقال: {مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} :. ففيض دموعهم، لمعرفتهم بأن الذي يتلى عليهم من كتاب الله الذي أنزله إلى رسول الله حقٌ 68.
وقد تضمنت آية سورة الإسراء أثرًا آخر وهو السجود، قال تعالى: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} .
ومعنى الآية: «فـ: {قُلْ} لمن كذب به وأعرض عنه: {آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا} فليس لله حاجة فيكم، ولستم بضاريه شيئًا، وإنما ضرر ذلك عليكم، فإن لله عبادًا غيركم، وهم الذين آتاهم الله العلم النافع: {إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} أي: يتأثرون به غاية التأثر، ويخضعون له. {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا} عما لا يليق -بجلاله-، مما نسبه إليه المشركون.
{إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} ، {لَمَفْعُولًا} بالبعث والجزاء بالأعمال {لَمَفْعُولًا} لا خلف فيه ولا شك. {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ} أي: على وجوههم {يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ} القرآن {خُشُوعًا} » 69.
ويبدو أن سبب هذا السجود رغبة تلقائية تحصل في نفوسهم من استشعار عظمة منزل هذه الآيات. ومما يؤكد حصول هذه الرغبة التلقائية قصة سجود المشركين عند نزول آيات سورة النجم، ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: (أول سورةٍ أنزلت فيها سجدةٌ(والنجم) ، قال: فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد من خلفه إلا رجلًا رأيته أخذ كفًّا من ترابٍ فسجد عليه! فرأيته بعد ذلك قتل كافرًا، وهو أمية بن خلفٍ) 70.
وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: (سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس) 71.
فالمشركون أنفسهم على كونهم مجاهرين بالعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومكذبين بالوحي، لم يتمالكوا أنفسهم حين سمعوه -عليه الصلاة والسلام- يتلو سورة النجم، فلما بلغ موضع السجدة منها سجد فخروا معه ساجدين، وهذا يدل على أن استشعار روعة هذه الآيات يحرك في نفس سامعها رغبة خفية في أن يخر ساجدًا باكيًا بين يدي بارئه وفاطره.
وعليه، فإن لسماع القرآن سرًّا يجعل سامعه أو طائفة من سامعيه يستشعرون عظمة منزله ويسارعون إلى الإيمان به، وقد يحصل له تأثير حتى على قلوب المعاندين له، وإن كان كبرهم يغلب عليهم في النهاية فيصرون على الصد عنه.
أما الذين زين الله قلوبهم بالإيمان وحلاهم بكماله وأذاقهم حلاوته فإن سماع القرآن يؤثر فيهم تأثيرًا خاصًّا، كما قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 23] .
«أي: الله تعالى نزل بفضله ورحمته عليك -يا محمد- {أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} أي: يشبه بعضه بعضًا في فصاحته وبلاغته، وفي نظمه وإعجازه، وفي صحة معانيه وأحكامه، وفي صدقه وهداياته وإرشاداته إلى ما يسعد الناس في دنياهم وآخرتهم.
{مَثَانِيَ} أي: تثنى وتكرر فيه القصص والمواعظ، والأمثال والأحكام والوعد والوعيد، كما تثنى وتكرر قراءته فلا تمل على كثرة الترداد، وإنما يزداد المؤمنون حبًّا وتعلقًا بتلاوته كلما أكثروا من هذه التلاوة.
وسمى سبحانه كتابه حديثًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدث به قومه، ويخبرهم بما كان ينزل عليه منه. فلفظ الحديث هنا بمعنى المحدث به لا بمعنى كونه مقابلا للقديم.
ولفظ: {كِتَابًا} : بدل من قوله: {أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} . وقوله: {مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} صفتان للكتاب ووصف بهما وهو مفرد، وكلمة: {مَثَانِيَ} جمع، باعتبار اشتماله على الكثير من السور والآيات والقصص والمواعظ والأحكام.
أي: الله تعالى أنزل أحسن الحديث كتابًا مشتملًا على السور والآيات والمواعظ. التي يشبه بعضها في الإعجاز، والتي تثنى وتكرر فلا تمل على كثرة التكرار.
وقوله: {تَقْشَعِرُّ} من الاقشعرار، وهو الانقباض الشديد للبدن. يقال: اقشعر جسد فلان، إذا انقبض جلده واهتز، وهو هنا كناية عن الخوف الشديد من الله تعالى.
أي: أن هذا الكتاب العظيم عند ما يقرؤه أو يسمعه المؤمنون الصادقون الذين يخشون ربهم تقشعر جلودهم من شدة ما اشتمل عليه من زواجر ونذر. ثم تلين جلودهم وقلوبهم إذا ما قرؤوا أو استمعوا إلى آيات الرحمة والمغفرة» 72.
وبناء على ما سبق، فإن لسماع القرآن تأثيرًا خاصًّا يتفاوت باختلاف السامعين له، وأقل ذلك دلالته العقلية الظاهرة على الحق، وارتفاع الحجة عمن سمعه -والله أعلم-.
تحدث القرآن عن مواقف الناس منه، وهذا ما سوف نوضحه فيما يأتي:
أولًا: المستجيبون له:
قد تقدم أن القرآن الكريم قد وصف الذين أوتوا العلم بالسجود والبكاء عند سماع آيات القرآن الكريم، وذلك منهم إقرار به وإذعان له.
قال تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 106 - 109] .
«ففيض دموعهم؛ لمعرفتهم بأن الذي يتلى عليهم من كتاب الله الذي أنزله إلى رسول الله حقٌ» 73، وسجودهم إذعان منهم لمُنزله.
كما ورد هذا الوصف في حق طائفة من القسيسين والرهبان: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 82 - 83] .
قال مجاهد: «هم الوفد الذين جاؤوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة، وروي عن عطاء نحو ذلك» 74.
وعن سعيد بن جبير قال: بعث النجاشي وفدًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا. قال: فأنزل الله تعالى فيهم: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} ، إلى آخر الآية. قال: فرجعوا إلى النجاشي فأخبروه، فأسلم النجاشي، فلم يزل مسلمًا حتى مات. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أخاكم النجاشي قد مات، فصلوا عليه! فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، والنجاشي ثم» 75.
وقد روي أن قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} » [القصص: 52 - 55] . نزل فيهم أيضًا.
واختار ابن جرير أن تكون الآية قد أخبرت بذلك عن قوم هذه صفتهم من غير تعيين ولا قصر على قوم مخصوصين أو في زمن مخصوص، قال: «والصواب في ذلك من القول عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن النفر الذين أثنى عليهم من النصارى بقرب مودتهم لأهل الإيمان بالله ورسوله، أن ذلك إنما كان منهم؛ لأن منهم أهل اجتهاد في العبادة، وترهب في الديارات والصوامع، وأن منهم علماء بكتبهم وأهل تلاوة لها، فهم لا يبعدون من المؤمنين؛ لتواضعهم للحق إذا عرفوه، ولا يستكبرون عن قبوله إذا تبينوه؛ لأنهم أهل دين واجتهاد فيه، ونصيحة لأنفسهم في ذات الله، وليسوا كاليهود الذين قد دربوا بقتل الأنبياء والرسل، ومعاندة الله في أمره ونهيه، وتحريف تنزيله الذي أنزله في كتبه» 76.
وقال ابن كثير: «يخبر تعالى عن العلماء الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن، كما قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [البقرة: 121] .
وقال: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ} [آل عمران: 199] .
وقال: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} [الإسراء: 107 - 108] .
وقال: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 82، 83] » 77.
وزيادة على إيمانهم به فقد أخبر القرآن عنهم أنهم يفرحون به، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} [الرعد: 36] .
و «قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم مسلمو اليهود، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال مقاتل: هم عبد الله بن سلام وأصحابه.
والثاني: أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله قتادة.
والثالث: مؤمنو أهل الكتابين من اليهود والنصارى، ذكره الماوردي: {وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ} القرآن، فرح به المسلمون وصدقوه، وفرح به مؤمنو أهل الكتاب؛ لأنه صدق ما عندهم» 78.