وهو ثناء عليهم بأجمل الصفات وأحسن الأحوال وفي تقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: (وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) ما يفيد الاختصاص، أي: اختصاصه تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، والجملة تدل على استمرار العبادة أولًا؛ لوجود (كان) الدالة على الاستمرار، وثانيًا: الوصف بـ (عَابِدِينَ) أي: مستمرين حتى تصير العبادة وصفًا لهم، فهم في عبادة مستمرة آناء الليل وأطراف النهار. وقال تعالى في وصف الخضر: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [الكهف:65] .
أرسل الله تعالى الرسل وأنزل عليهم الكتب وأمرهم بتبليغ الرسالة فقام كل منهم بتبليغ ما أرسل به، من نوح عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وقد مدحهم الله تعالى وأثنى عليهم بقوله تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ?) [الأحزاب:39] .
«أي: لا يخافون لائمة الناس وقولهم فيما أحل لهم» 42.
قال ابن جرير: «يقول تعالى ذكره: سنة الله في الذين خلوا من قبل محمد من الرسل، الذين يبلغون رسالات الله إلى من أرسلوا إليه، ويخافون الله في تركهم تبليغ ذلك إياهم، ولا يخافون أحدًا إلا الله، فإنهم إياه يرهبون إن هم قصروا عن تبليغهم رسالة الله إلى من أرسلوا إليه. يقول لنبيه محمد: فمن أولئك الرسل الذين هذه صفتهم فكن، ولا تخش أحدًا إلا الله، فإن الله يمنعك من جميع خلقه، ولا يمنعك أحد من خلقه منه، إن أراد بك سوءًا» 43.
قال تعالى عن نوح عليه السلام: (قَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى? قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ*قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [الأعراف:59، 60] .
«ولم يجبه من قومه بقولهم: (قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) - إلا أشرافهم وسادتهم وهم الذين يتعاصون على الرسل؛ لانغماس عقولهم بالدنيا وطلب الرئاسة والعلو فيهما» 44، «وهكذا حال الفجار إنما يرون الأبرار في ضلالة (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَ?كِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف:61] .
أي: ما أنا بضال، ولكن أنا مرسل إليكم من عند ربكم المالك لأموركم الناظر لكم بالمصلحة (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ?) [الأعراف:62] .
أي: أنا أبلغكم ما أرسلني الله به إليكم، وأقصد صلاحكم، وخيركم، وأعلم من الأمور الغيبية أشياء لا علم لكم بها» 45.
وهذا هود عليه السلام (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) [الأعراف:67] .
«أي: لست كما تزعمون، بل جئتكم بالحق من الله الذي خلق كل شيء، فهو رب كل شيء ومليكه (قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَ?كِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) [الأعراف:68] .
وهذه الصفات التي يتصف بها الرسل البلاغة والنصح والأمانة» 46، وقال لهم أيضًا: (قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَ?كِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) [الأحقاف:23] .
ومدح الله تعالى خاتم رسله محمدًا صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع في كتابه الكريم؛ منها قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (46 ) ) [الأحزاب:45 - 46] .
«أي: شاهدًا للرسل بالتبليغ، ومبشرًا لمن آمن بالجنة، ونذيرًا لمن كذب بآياتنا بالنار. (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ) إلى توحيده وطاعته (ٹبِإِذْنِهِ) بأمره (وَسِرَاجًا مُّنِيرًا) سماه سراجًا؛ لأنه يهتدى به كالسراج يستضاء به في الظلمة» 47، وكذلك فعل جميع الأنبياء والمرسلون في القيام بتبليغ الرسالة.
الأوبة هي الرجوع إلى الله تعالى بترك المعاصي وفعل الطاعات.
قال تعالى: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ? نِعْمَ الْعَبْدُ ? إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:30] .
وقيل للتوبة: أوبة 48.
قال تعالى على لسان شعيب عليه السلام: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ? وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ? عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) [هود:88] .
وقال أيضًا: (إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ) [الرعد:27] .
فالإنابة رجوع دائمٌ إلى الله، وإقبال على الخير.
وهي من صفات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ قال الله تعالى عن داود عليه السلام: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ? إِنَّهُ أَوَّابٌ) [ص:17] .
وقال عن سليمان عليه السلام: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ? نِعْمَ الْعَبْدُ ? إِنَّهُ أَوَّابٌ) [ص:30] .
أي: نعم العبد سليمان، والجملة تعليل للمدح، علل كونه ممدوحًا بكونه أوَّابًا رجَّاعًا إليه بالتوبة، فـ (إِنَّهُ أَوَّابٌ) أي: رجَّاع إلى الله بالتوبة، «راجع عما يكره الله إلى ما يحب» 49، فهو «رجاع إلى الازدياد من الاجتهاد في المبالغة في الشكر والصبر على الضر» 50.
وقال عن أيوب عليه السلام: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ? نِّعْمَ الْعَبْدُ ? إِنَّهُ أَوَّابٌ) [ص:44] أي: كثير التوبة، رجَّاعٌ بكليته إلى الله سبحانه على خلاف ما يدعو إليه طبع البشر، فهو «المسلم المفوض بلا جزع وتزعزع فكيف يجزع؟! إنه رجاع إلينا متشمر نحونا في عموم أوقاته وحالاته» 51.
ففي القصص الثلاث اتصفوا بما يوجب المدح، وأكد المدح بإن، وجيء بصيغة المبالغة: فعَّال، إشارة إلى أنها عادتهم.
وهي أيضًا من صفات المؤمنين؛ قال الله تعالى: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ? وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(112 ) ) [التوبة:112] .
فالعابدون هم القائمون بعبادة ربهم محافظين عليها، وهي الأقوال والأفعال فمن أخص الأقوال: الحمد؛ فلهذا قال: (الْحَامِدُونَ) .
ومن أفضل الأعمال: الصيام، وهو ترك الملاذ من الطعام والشراب والجماع، وهو المراد بالسياحة هاهنا؛ ولهذا قال: (السَّاجِدُونَ) 52.
أمر الله تعالى عباده بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فقال: (لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران:104] .
وبين سبحانه أنها صفة من صفات المؤمنين، فقال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ? يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ? أُولَ?ئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ? إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [التوبة:71] .
ولا تتم خيرية الأمة إلا بها.
قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِٹ) [آل عمران:110] .
ففي هذه الآية «مدح لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير وتواطئوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سببًا لهلاكهم» 53.
فالخيرية ليست مرتبطة بجنس أو لون أو موقع أو أي اعتبار آخر، إلا اعتبار الإيمان بالله تعالى والاهتمام بمسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد مدح الله تعالى عباده الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فقال في معرض بيانه لصفات المؤمنين الذين اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ? وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(112 ) ) [التوبة:112] .
فالمؤمنون ينفعون خلق الله، ويرشدونهم إلى طاعة الله بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، مع العلم بما ينبغي فعله ويجب تركه، وهو حفظ حدود الله في تحليله وتحريمه، علمًا وعملًا فقاموا بعبادة الحق ونصح الخلق؛ ولهذا قال: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) لأن الإيمان يشمل هذا كله، والسعادة كل السعادة لمن اتصف به 54.
«الجهاد هو بذل الجهد في مقارعة الأعداء، والسعي التام في نصرة دين الله، وقمع دين الشيطان، وهو ذروة الأعمال الصالحة، وجزاؤه، أفضل الجزاء، وهو السبب الأكبر، لتوسيع دائرة الإسلام وخذلان عُبَّاد الأصنام، وأمن المسلمين على أنفسهم وأموالهم وأولادهم» 55.
الجهاد في سبيل الله تعالى هو ذروة سنام الإسلام، لأنه بيع النفس لله تعالى، يقول سبحانه: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران:142] .
وقد بين الله تعالى فضل الجهاد في كتابه، ومدح الصابرين عليه بقوله تعالى: (ھ ے ےوَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) [آل عمران:146] .
فالمجاهدون لهم الدرجات العلى والنعيم المقيم قال تعالى: (لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ? فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ? وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى? ? وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا(95 ) ) [النساء:95] .
قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى? مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ? يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ? وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ? وَمَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ? فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ? وَذَ?لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ?111?) [التوبة:111] .
فهذه الآية العظيمة فيها بيع وشراء، وفيها صفقةٌ عظيمة، يقول ابن القيم: «قدر السلعة يعرف بقدر مشتريها والثمن المبذول فيه والمنادي عليها، فإذا كان المشتري عظيمًا والثمن خطيرًا والمنادي جليلًا كانت السلعة نفيسة» 56.
وقد مدح الله تعالى من جمع بين الإيمان والجهاد فقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ? لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [الأنفال:74] .
فقد ساق الله تعالى هذه الآية للثناء على المهاجرين والأنصار، والشهادة لهم بأنهم هم المؤمنون حق الإيمان وأكمله، من ثلاثة أوجه:
«أولها: قوله: (أُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) فإن هذه الجملة تفيد المبالغة في مدحهم، حيث وصفهم بكونهم محقين في طريق الدين، وقد كانوا كذلك؛ لأن من لم يكن محقًّا في دينه لم يتحمل ترك الأديان السالفة، ولم يفارق الأهل والوطن، ولم يبذل النفس والمال.
وثانيها: قوله: (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) والتنكير يدل على الكمال، أي: مغفرة تامة كاملة.
وثالثها: قوله: (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) والمراد منه الثواب الرفيع. والحاصل: أنه سبحانه وتعالى شرح أحوالهم في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فقد وصفهم بقوله: (أُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) وأما في الآخرة فالمقصود إما دفع العقاب، وإما جلب الثواب. أما دفع العقاب فهو المراد بقوله: (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) وأما جلب الثواب فهو المراد بقوله: (?وَرِزْقٌ كَرِيمٌ?) » 57.
ثانيًا: الصفات الخُلُقية:
يحافظ الإسلام على تزكية النفس وإصلاحها، وتطهير القلب من أرجاس المعاصي، وجعل من الوسائل ما يعين على ذلك، فحثَّ على الاتصاف بالصفات الحميدة، وبين جزاء المتصفين بها، ومن هذه الصفات:
الشكر من أكثر الطاعات ثوابًا، وأعلاها منزلة، لذا جعل الله تعالى جزاء الشاكرين مطلقًا لا حد له ولا حصر.
قال الله تعالى: (وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) [آل عمران:144] ، (وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَھ) [آل عمران:145] .
وقد أثنى الله تعالى على الشاكرين لآلائه، «وفي مقدمتهم أنبيائه ورسله، فأثنى الله تعالى على نبيه نوح عليه السلام فقال: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ? إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) [الإسراء:3] ، فلحميد فعاله وكثير ثنائه على ربه وصف بذلك، كما روي عن سلمان رضي الله عنه قال: (كان نوح إذا طعم طعامًا أو لبس ثوبًا حمد الله، فسمي عبدًا شكورًا) 58.
ووصف الله إبراهيم عليه السلام بأنه كان أمةً شاكرًا لأنعمه، فقال جل شأنه: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ?120?شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ ? اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ?121?) [النحل:120، 121] .
فالله جل وعلا يشكر من شكره، ويرفع من ذكره.
قال تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) [النساء:147] ، «فالشكر من الله تعالى هو الرضا بالقليل من عباده وإضعاف الثواب عليه، والشكر من العبد: الطاعة، ومن الله: الثواب» 59.
إن منفعة الشكر لا تعود على الخالق سبحانه وتعالى فهو الغني؛ ولكنها تعود على الشاكر من عباده، يقول تعالى: (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ? وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [لقمان:12] ، فالله تعالى لا يعذب من شكره.
قال تعالى: (مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ? وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) [النساء:147] ، ولكن الناس مع عظيم نعم الله عليهم قليلٌ شكرهم، وقد بيَّنَ الله تعالى ذلك بقوله: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ) [النمل:73] .
وقال تعالى: (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ:13] .
لذا على العبد القيام بأوامر الله وامتثال طاعته، فإذا فعل ذلك أعانه، وأثنى عليه، ومدحه، وجازاه الخير الكثير والثواب الجزيل.
الوفاء بالعهد خلق نبيل، وقد مدح الله تعالى هذا الخلق العظيم في آيات كثيرة، منها: قوله تعالى في بيان خصال البر: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ?) [البقرة:177] .
أي: «والموفون بعهدهم فيما بينهم وبين الله عز وجل، وفيما بينهم وبين الناس، إذا عاهدوا، يعني: إذا وعدوا أنجزوا، وإذا حلفوا ونذروا أوفوا، وإذا عاهدوا أوفوا، وإذا قالوا صدقوا، وإذا ائتمنوا أدوا» 60 فدخل في ذلك حقوق الله كلها؛ لكون الله تعالى ألزم بها عباده والتزموها، ودخلوا تحت عهدتها، ووجب عليهم أداؤها، وحقوق العباد، التي أوجبها الله عليهم، والحقوق التي التزمها العبد كالأيمان والنذور، ونحو ذلك. ومنها أيضًا قوله تعالى: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ(19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ [الرعد:19 - 20] .
فالله تعالى «وصفهم بهذه الأوصاف المادحة، فقال: الذين يوفون بعهد الله أي: بما عقدوه من العهود فيما بينهم وبين ربهم، أو فيما بينهم وبين العباد ولا ينقضون الميثاق الذي وثقوه على أنفسهم، وأكدوه بالأيمان ونحوها» 61.
الصبر «خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها» 62.
وقد مدح الله تعالى هذا الخلق العظيم في آيات كثيرة، منها: قوله تعالى في مدح الخصال التي يتصف بها المؤمن: (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ) [البقرة:177] .
والنصب على المدح أو التخصيص: أي: وأخص الصابرين، وقوله سبحانه: (? قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَ?لِكُمْ ? لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ ? وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ? الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17 ) ) [آل عمران:15 - 17] .
ومدح الله الصابرين ووعدهم بأحسن الجزاء الذي يهون عليهم ما يلقونه في ذلك السبيل؛ قال تعالى: (وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل:96] .
وقال سبحانه: (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ?12?) [الإنسان:12] .
لذا كان جزاء الصبر عظيمًا غير مقدر، ويعطي الصابر أجرًا بغير حساب.
قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر:10] .
ولأن الصبر وسيلة النجاح في الحياة والوصول إلى المقاصد؛ لأنه قوة يحقق بها الإنسان أعمالًا فوق طاقته الطبيعية، مدح الله من يتحمل صعوبات الحياة ببسالة وشجاعة.
قال تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) [الأنفال:65] .
وقال: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ? وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة:249] .
وقال: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ? وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة:24] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصبر ضياء) 63.
أما الجزع فلا يؤدي إلا إلى الفشل في الحياة وعدم إنجاح المقاصد، بل إلى انعدام الحياة وزوالها؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر) 64.
الحلم «من أشرف الأخلاق، وأحقها بذوي الألباب، لما فيه من سلامة العرض، وراحة الجسد، واجتلاب الحمد، وحد الحلم: ضبط النفس عند هيجان الغضب، وليس من شرط الحلم ألا يغضب الحليم، وإنما إذا ثار به الغضب عند هجوم دواعيه كف سورته بحزمه، وأطفأ ثائرته بحلمه، فإذا اتصف المرء بالحلم كثر محبوه، وقل شانئوه، وعلت منزلته، ووفرت كرامته. قال عز وجل: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف:199] » 65.
وآيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تدعو المسلمين إلى التحلي بهذا الخلق النبيل، وعدم مقابلة الإساءة بالإساءة، والحث على الدفع بالتي هي أحسن، والترغيب في الصفح عن الأذى والعفو عن الإساءة.
قال تعالى: (? وَسَارِعُوا إِلَى? مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 133 - 134] .
فالكاظمين الغيظ لا يعملون غضبهم في الناس، بل يكفون عنهم شرهم، ويحتسبون ذلك عند الله عز وجل، وهم مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم، فلا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد، وهذا أكمل الأحوال 66.
قال ابن بطال: «مدح الله تعالى الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم، وأخبر أن ما عنده خير وأبقى لهم من متاع الحياة الدنيا وزينتها، وأثنى على الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم في ذلك» 67.
وقد مدح الله تعالى نبيه إبراهيم عليه السلام بهذه الصفة فقال تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) [التوبة:114] .
(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) [هود:75] .
ووصف بها ابنه إسماعيل فقال تعالى: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) [الصافات:101] .
«وقد انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم، وأنه يكون حليمًا، وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح، فقال: (سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) [الصافات:102] .
ثم استسلم لذلك، وقيل: ما نعت الله الأنبياء عليهم السلام بأقل مما نعتهم بالحلم، وذلك لعزة وجوده» 68.
وكذلك مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد صحابته بها، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة) 69.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) 70.
قال ابن عبد البر: «في هذا الحديث من الفقه: فضل الحلم، وفيه دليل على أن الحلم كتمان الغيظ، وأن العاقل من ملك نفسه عند الغضب؛ لأن العقل في اللغة ضبط الشيء وحبسه منه» 71.
مدح الله تعالى هذا الخلق العظيم في آيات كثيرة، منها: قوله تعالى في مدح الخصال التي يتصف بها المؤمن: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَ?كِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى? حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ) [البقرة:177] .
وقوله تعالى في صفات المهتدين المفلحين: (ذَ?لِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ? فِيهِ ? هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ?2?الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ?3?) [البقرة:2 - 3] .
ولما كان الكرم هو: «الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم خطره ونفعه» 72، مدح الله تعالى عباده المنفقين في سبيله، وابتغاء مرضاته.
قال تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ?274?) [البقرة: 274] .
قال ابن كثير: «هذا مدحٌ منه تعالى للمنفقين في سبيله، وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليلٍ أو نهارٍ، والأحوال من سر وجهارٍ، حتى إن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضًا» 73.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: «الآية عامةٌ في الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة تحرضهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاجٍ عجلوا قضاءها ولم يؤخروها ولم يعلقوها بوقتٍ ولا حالٍ» 74.
مدح الله تعالى هذا الخلق العظيم في آيات كثيرة، منها: قوله تعالى في ذكر صفات المفلحين: (. وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) [المؤمنون:8] .
«أي: مراعون لها، حافظون مجتهدون على أدائها والوفاء بها، وهذا شامل لجميع الأمانات التي بين العبد وبين ربه، كالتكاليف السرية، التي لا يطلع عليها إلا الله، والأمانات التي بين العبد وبين الخلق، في الأموال والأسرار» 75.
وقد مدح الله تعالى بعض أنبيائه بصفة الأمانة التي هي صفة لازمة في كل نبي من الأنبياء، وقد ذكرت خمس مرات متواليات في حق الأنبياء: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب في سورة الشعراء، كلهم يقول لقومه: (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ) ، وقد حكى لنا القرآن قصة موسى عليه السلام حين سقى لابنتي الرجل الصالح ورفق بهما وكان أمينًا معهما، فـ. قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ? إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) [القصص:26] .
وهي صفة تزيد صاحبها بهاءً ووقارًا، ويشهد بذلك كل منصف، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: (أخبرني أبو سفيان رضي الله عنه أن هرقل قال له: سألتك ماذا يأمركم؟ فزعمت أنه يأمر بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال: وهذه صفة نبي) 76.
ولما كانت الأمانة فضيلة ضخمة، لا يستطيع حملها الرجال المهازيل، ضرب الله تعالى المثل لضخامتها، فأبان أنها تثقل كاهل الوجود فلا ينبغي للإنسان أن يستهين بها أو يفرط في حقها، قال الله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ? إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) [الأحزاب:72] .77.
الرأفة والرحمة خلقان عظيمان لا بد أن يتخلق بهما المؤمن ويتصف بهما، فهما من مبادئ الإسلام الأساسية، وأخلاقه الكريمة، وهما أشرف صفات المؤمنين بعد الإيمان، وتتجلى أهمية الرحمة في أن الله عز وجل تسمى واتصف بها، فمرة باسم الرحمن ومرة باسم الرحيم فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، وعلى الرغم من سعة رحمة الله تعالى إلا أنه لا يستحقها إلا الذين اتقوه واستجابوا لأمره.
قال تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ? فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) [الأعراف:156] .
وقد مدح الله بهاتين الصفتين صفوة خلقه وخيرة عباده وهم الأنبياء والمرسلين، ومن سار على نهجهم من المصلحين، فقال الله تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة:128] .
وقال تعالى ممتنًا على رسوله صلى الله عليه وسلم على ما ألقاه في قلبه من فيوض الرحمة جعلته يلين للمؤمنين ويرحمهم ويعفو عنهم، ويتجاوز عن أخطائهم: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ? وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ? فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ? فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ?159?) [آل عمران:159] .
«أي: بسبب رحمة عظيمة فياضة أفاضها الله تعالى عليك كنت لينًا معهم في كل أحوالك، ولقد شكر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ذلك اللين في قوله: (لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَٹ) حيث أثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس فظًّا ولا غليظًا ولا قاسيًا؛ لأن (لو) تدل على نفي الجواب لنفي الشرط، والمعنى: إنك لست فظًّا ولا غليظ القلب، وهذا هو الذي يتفق مع صفات النبوة والقيادة الحكيمة الرشيدة الهادية الموجهة إلى أمثل الطرق الجامعة للقلوب 78، وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:107] .
«يخبر تعالى أن الله جعل محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، أي: أرسله رحمة لهم كلهم، فمن قَبِلَ هذه الرحمة وشكر هذه النعمة، سعد في الدنيا والآخرة، ومن ردها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة» 79.
ومدح الله تعالى بهذه الصفة أيضًا غيره صلى الله عليه وسلم من المتخلقين بها، فقد قال تعالى واصفًا رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين معه: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ? وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ?) [الفتح:29] .
فهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، بحسب ما يقتضيه منهم إيمانهم.
كما أن الإسلام حث على الاتصاف بالصفات الخلقية الحميدة، وبين جزاء المتصفين بها، فقد مدح أيضًا الصفات الخَلْقيَّةَ، وحثَّ على الاهتمام بها ورغب فيها، ومن هذه الصفات: