الفوضى، ويسود النظام، وهذه هي ركائز النهوض، ووسائل التفوق، وأسس التبريز في مجالات الحياة، وينعكس الأمر إذا انعدمت الثقة بين الناس حيث تضطرب الأمور، وتشيع الفوضى، ويختل الأمن، ويفسد النظام، ويفقد الشخص أعز شيء يرتكز عليه في حياته؛ فالتاجر يخبو شرفه، وتبور تجارته، والصانع تنحط صناعته، وتسوء سمعته، والموظف تختل موازينه، وتهتز وظيفته، وبكل هذه السوءات تشقى الأمة، ويذهب ريحها.
ولأجل هذا كله أمر القرآن الكريم بما يحافظ على هذه الثقة في صفوف الناس وهو الأمانة؛ حفظًا للنوع الإنساني من التدهور، وصيانة للمجتمع الإسلامي من التفكك.
وقد جاء في الحديث أن مما ينزع الثقة بين الناس ضياع الأمانة حتى لا يكاد يثق الناس بأحد، فعن حذيفة رضي الله عنه.
قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين، رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا: (أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة) .
وحدثنا عن رفعها قال: (ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت 129، ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل المجل 130، كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرًا 131، وليس فيه شيء، فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحدهم يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، ويقال للرجل: ما أعقله! وما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان) .
ولقد أتى علي زمان، وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلمًا رده علي إسلامه، وإن كان نصرانيًا رده علي ساعيه، فأما اليوم فما كنت أبايع إلا فلانًا وفلانًا 132.
وهذا الحديث علم من أعلام النبوة؛ لأن فيه الإخبار عن فساد أديان الناس، وقلة أمانتهم في آخر الزمان، ولا سبيل إلى معرفة ذلك قبل كونه إلا من طريق الوحي 133.
وفي الحديث أيضًا دلالة أن هذه الأمانة سوف تنزع من قلوب الرجال، فيصبح الناس يتحدثون: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، يعني: أنك لا تكاد تجد في القبيلة رجلًا واحدًا أمينًا، والباقي كلهم على خيانة لم يؤدوا الأمانة، وواقع الناس اليوم يصدق هذا الحديث؛ فإنك تستعرض الناس رجلًا رجلًا حتى تبلغ إلى حد المائة أو المئات لا تجد الرجل الأمين الذي يؤدي الأمانة كما ينبغي في حق الله وحق الناس، قد تجد رجلًا أمينًا في حق الله يؤدي الصلاة، ويؤدي الزكاة، ويصوم، ويحج ويذكر الله كثيرًا، لكنه في المال ليس أمينًا، إن وكل إليه عمل حكومي فرط وصار لا يأتي للدوام إلا متأخرًا، ويخرج قبل انتهاء الوقت، ويضيع الأيام الكثيرة في أشغاله الخاصة ولا يبالي، مع أنك تجده في مقدمة الناس في المساجد، وفي الصدقات، وفي الصيام، وفي الحج، لكنه ليس أمينًا من جهة أخرى 134.
وقوله في الحديث: (يصبح الناس) أي: يدخلون في الصباح أو يصيرون (يتبايعون) أي: يجري بينهم التبايع، ويقع عندهم التعاهد، ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة، بل يظهر من كل أحد منهم الخيانة في المبايعة والمواعدة والمعاهدة، ومن المعلوم أن حفظ الأمانة أثر كمال الإيمان، فإذا نقصت الأمانة نقص الإيمان، وبطل الإيقان، وزال الإحسان، فيقال عند ذلك -بسبب قلة الأمانة في الناس-: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، أي: كامل الإيمان، وكامل الأمانة، ويقال -أي: في ذلك الزمان- للرجل أي: من أرباب الدنيا، ممن له عقل في تحصيل المال والجاه، وطبع في الشعر والنثر وفصاحة وبلاغة وصباحة، وقوة بدنية، وشجاعة وشوكة: (ما أعقله! وما أظرفه! وما أجلده!) تعجبًا من كماله، واستغرابًا من مقاله، واستبعادًا من جماله، وحاصله: أنهم يمدحونه بكثرة العقل والظرافة والجلادة، ويتعجبون منه، ولا يمدحون أحدًا بكثرة العلم النافع، والعمل الصالح 135.
فهذه الثقة وهذه الطمأنينة ينالها الأمين، أما فاقد الأمانة فيكفيه ما يلقاه في الدنيا من مهانة وصغار، حين ينكشف أمره، ويهتك ستره، ويجد الأمانة التي ضيعها وخانها متمثلة له يوم القيامة عند الصراط؛ لتهوي به من فوق الصراط إلى قعر جهنم -والعياذ بالله تعالى- جزاء ما ضيع منها، وفرط فيها، كما جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشفاعة العظمى: (وترسل