يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله: «قال الحسن: يا ابن آدم! لا يغرنك قول من يقول: (المرء مع من أحب) فإنك لن تلحق الأبرار إلا بأعمالهم، فإن اليهود والنصارى يحبون أنبياءهم وليسوا معهم، وهذه إشارة إلى أن مجرد ذلك، من غير موافقة في بعض الأعمال، أو كلها: لا ينفع» 97.
أما الحب الدنيوي الذي يكون باعثه قرابة أو صداقة أو مصلحة مادية أو زواج أو غير ذلك من أسباب الدنيا الفانية، فلا يكون سببًا للجمع في المحشر أو المصير، فالمسلم الذي يحب والدته غير المسلمة حبًا فطريًا، ولا يحشر معها، وغير المسلم الذي يحب صديقه المسلم مثلًا من غير إسلام واتباع لا يحشر معه، وهكذا كل أنواع المحبة الدنيوية لا مدخل لها في معنى هذا الحديث.
ويقول الزرقاني رحمه الله: « (المرء مع من أحب) في الجنة بحسن نيته من غير زيادة عمل؛ لأن محبته لهم لطاعتهم، والمحبة من أفعال القلوب، فأثيب على ما اعتقده؛ لأن الأصل النية، والعمل تابع لها، ولا يلزم من المعية استواء الدرجات، بل ترفع الحجب حتى تحصل الرؤية والمشاهدة، وكلٌ في درجته» .
وقال السخاوي: «قال بعض العلماء: ومعنى الحديث أنه إذا أحبهم عمل بمثل أعمالهم، قال الحسن البصري: من أحب قومًا اتبع آثارهم، واعلم أنك لن تلحق بالأخيار حتى تتبع آثارهم، فتأخذ بهديهم، وتقتدي بسنتهم، وتصبح وتمسي على مناهجهم؛ حرصًا أن تكون منهم» 98.
ومع ذلك ننبه الشباب إلى أن التعلق باللاعبين والممثلين -بأخبارهم وأحوالهم وأيامهم- إنما هو من الأوهام والخيالات التي لا تجر إليهم إلا كل فساد وشر، وهي الباب للتخلق بأخلاقهم، والعمل بمثل أعمالهم؛ فإن بين الظاهر والباطن ارتباطا لا يجهله أحد، والمشاكلة في الظاهر توجب المحبة في الباطن، وهكذا العكس بالعكس.
أما الحب النافع فهو حب الصالحين والناجحين والمبدعين فيما يعود بالنفع على الأمة والبشرية جميعًا، حبًا يدفع نحو التقدم والنجاح في الدنيا والآخرة بإذن الله تعالى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وهذا الحديث حق؛ فإن كون المحب مع المحبوب أمر فطري لا يكون غير ذلك، وكونه معه هو على محبته إياه، فإن كانت المحبة متوسطة أو قريبًا من ذلك كان معه بحسب ذلك، وإن كانت المحبة كاملة كان معه كذلك.
والمحبة الكاملة تجب معها الموافقة للمحبوب في محابه إذا كان المحب قادرًا عليها، فحيث تخلفت الموافقة مع القدرة، يكون قد نقص من المحبة بقدر ذلك وإن كانت موجودة، وحب الشيء وإرادته يستلزم بغض ضده وكراهته مع العلم بالتضاد .. » 99.
موضوعات ذات صلة:
الرضا، الغضب، الكره
1 مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 26، المفردات، الراغب ص 214.
2 لسان العرب، ابن منظور 1/ 289.
3 الصحاح، الجوهري 1/ 105.
4 الذريعة إلى مكارم الشريعة، الراغب ص 256، المفردات، الراغب ص 214.
5 الكليات، الكفوي ص 398.
6 التحرير والتنوير، ابن عاشور 3/ 225.
7 انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب الحاء، ص 418 - 419.
8 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 177 - 178.
9 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 8/ 44، المصباح المنير، الفيومي 1/ 316، لسان العرب، ابن منظور 9/ 179.
10 الكليات، الكفوي ص 398.
11 المصباح المنير، الفيومي 1/ 96.
12 انظر: فتح الباري، ابن حجر 10/ 154.
13 انظر: مدارج السالكين، ابن القيم 3/ 32.
14 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب من بلغ ستين سنة، 8/ 89، رقم 6420.
15 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب من بلغ ستين سنة، 8/ 90، رقم 6421.
16 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب حب الرسول من الإيمان، 1/ 12، رقم 15.
17 أخرجه أحمد في مسنده، 19/ 305، رقم 12293.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/ 599، رقم 3124.
18 انظر: المحبة في الله، عبدالرحمن المحمود ص 12 - 14.
19 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 167.
20 أخرجه البخاري في صحيحه، أبواب العمرة، بابٌ السفر قطعةٌ من العذاب، 3/ 8، رقم 1804.
21 انظر: كنز العمال، رقم 34150، 12/ 95.
22 السيرة النبوية، مصطفى السباعي ص 23.
23 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا أعلمكم بالله) ، رقم 20، 1/ 13.
24 السيرة النبوية، مصطفى السباعي ص 49.
25 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (ويحذركم الله نفسه) ، رقم 7405، 9/ 121.
26 العبودية، ابن تيمية ص 13.
27 مدارج السالكين، ابن القيم ص 198.
28 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب التواضع، 8/ 131.
29 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب دعاء النبي أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى، 9/ 140، رقم 7375، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل قراءة (قل هو الله أحد) ، 1/ 557، رقم 813.
30 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب علامة الحب في الله، 8/ 49، رقم 9171، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب المرء مع من أحب، 4/ 2033، رقم 2639.
31 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب من انتظر حتى تدفن، رقم 1325.
32 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، رقم 16.
33 مد ارج السالكين 3/ 6.
34 مد ارج السالكين 3/ 17.
35 مد ارج السالكين 3/ 8.
36 مجموع فتاوى ابن تيمية، 10/ 66.
37 انظر: الكشاف، الزمخشري 1/ 621، مفاتيح الغيب، الرازي 4/ 205.
38 انظر في الرد على هذا التأويل: مجموع فتاوى ابن تيمية، 6/ 477 ا، مدارج السالكين، ابن القيم 3/ 18.
39 انظر: حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته في ضوء الكتاب والسنة، محمد بن خليفة التميمي ص 38.
40 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 8/ 95.
41 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم، من الإيمان، 1/ 69.
42 الكواكب الدراري، الكرماني 1/ 95.
43 مجموع فتاوى ابن تيمية 10/ 649.
44 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب من انتظر حتى تدفن 8/ 89، رقم 6416.
45 انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض 2/ 29 - 30.
46 شرح صحيح مسلم 2/ 14.
47 فتح الباري، ابن حجر 1/ 60 - 61.
48 تيسير العزيز الحميد، سليمان بن عبد الله ص 476.
49 انظر: المختار من كنوز السنة، محمد عبد الله دراز ص 440.
50 أخرجه أبو داود في سننه، أبواب الإجارة، باب في الرهن، 3/ 311، رقم 3529.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، 7/ 1368، رقم 3464.
51 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، رقم 16.
52 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة ص، 5/ 268، رقم 3235.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، ص 175، رقم 1233.
53 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب، باب مناقب النبي، 3/ 644، رقم 3987.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، ص 27، رقم 176.
54 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب ما جاء في قول الرجل ويلك، 8/ 39، رقم 6167.
55 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب علامة حب الله، 8/ 39، رقم 6168.
56 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، 4/ 111، رقم 3209.
57 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، 1/ 74، رقم 54.
58 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، رقم 13.
59 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب في فضل الحب في الله، 4/ 1988، رقم 2566.
60 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين، 2/ 111، رقم 1432.
61 انظر: حب الجهاد في سبيل الله، عادل عامر ص 18 - 22.
62 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب ذم من مات ولم يغز، 3/ 1517، رقم 1910.
63 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، رقم 13.
64 شرح صحيح مسلم، النووي 2/ 16.
65 أخرجه ابن حبان في صحيحه، 1/ 471، رقم 235.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب، رقم 1780.
66 انظر: نضرة النعيم، مجموعة مؤلفين 9/ 3771.
67 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، رقم 16.
68 انظر: الشفاء، القاضي عياض ص 25.
69 انظر: تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجرات، حمود التويجري. ص 62.
70 استنشاق نسيم الأنس، ابن رجب ص 73.
71 معالم التنزيل، البغوي 6/ 152.
72 السيرة النبوية، مصطفى السباعي ص 17 - 19 بتصرف.
73 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب في فضل الحب في الله، 4/ 1988، رقم 2567.
74 أخرجه أحمد في مسنده، 3/ 324، رقم 18468.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، 1/ 403، رقم 2009.
75 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، رقم 16.
76 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب في فضل الحب في الله، 4/ 1988، رقم 2566.
77 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين، 2/ 111، رقم 1432.
78 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، 1/ 74، رقم 54.
79 انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 1/ 192.
80 شجرة المعارف والأحوال، العز بن عبدالسلام ص 53.
81 محركات القلوب إلى الله تعالى ثلاثة هي المحبة والخوف والرجاء.
انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 1/ 95.
82 إحياء علوم الدين، الغزالي 4/ 141.
83 طريق الهجرتين، ابن القيم ص 417.
84 الفوائد، ابن القيم ص 85.
85 انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب 5/ 2922.
86 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، رقم 16.
87 المحبة والشوق والأنس والرضا، الغزالي ص 74.
88 انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 10/ 752.
89 انظر: إرشاد الطالب، ابن سحمان ص 13، والولاء والبراء، القحطاني ص 134.
90 انظر: موعظة المؤمنين، القاسمي ص 418.
91 القول لعتبة بن غلام.
انظر: روضة العقلاء، ابن حبان ص 564.
92 أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، 6/ 293، وفي المعجم الصغير 2/ 114.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 3/ 96.
93 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب ما جاء في قول الرجل ويلك، 8/ 39، رقم 6167.
94 باختصار من شرح صحيح البخاري، ابن بطال 9/ 333.
95 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/ 265.
96 انظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر 1/ 184.
97 انظر: إحياء علوم الدين 2/ 160.
98 انظر: شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية 5/ 304.
99 انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 10/ 752.