فهرس الكتاب

الصفحة 2211 من 2431

قال الفراء: هذا استثناء منقطع معناه: لكن الذين صبروا وعملوا الصالحات فإنهم إن نالتهم شدة صبروا، وإن نالوا نعمة شكروا، أولئك لهم مغفرة لذنوبهم وأجر كبير هو الجنة 75.

فالمؤمن يزداد إيمانًا بكشف الضر عنه، أما الكافر فيزداد طغيانًا وكفرًا، ومن ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجبًا لأمر المؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته ضراء فصبر كان خيرًا له، وإن أصابته سراء فشكر كان خيرًا له) 76.

قال الألوسي: «فذا فسره الزمخشري بقوله: إلا الذين آمنوا فإن عادتهم إذا أتتهم رحمة أن يشكروا، وإذا زالت عنهم نعمة أن يصبروا، فلذا حسنت الكناية به عن الإيمان. ودلالة «صبروا» على أن العمل الصالح شكر؛ لأنه ورد في الأثر الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر، ودلالة «عملوا» على أن الصبر إيمان؛ لأنهما ضميمتان في الأكثر، أي: الإيمان والعمل: آمنوا وعملوا، فغير مطابق لما نحن فيه أن يراد وجه آخر، كأنه قيل: إلا المؤمن الصالح الصابر الشاكر» 77.

إلا أن بعض المفسرين يرى أن هذه الحالة التي ذكرها الله للداعي لا تختص بأهل الكفر وحدهم بل تتفق لكثير من المسلمين، كما نرى في أنفسنا، ونرى غيرنا، تلين ألسنتهم بالدعاء وقلوبهم بالخشوع والتذلل عند نزول ما يكرهون بهم، فإذا كشفه الله عنهم غفلوا عن الدعاء والتضرع، وذهلوا عما يجب عليهم من شكر النعمة التي أنعم بها عليهم من إجابة دعائهم ورفع ما نزل بهم من الضر ودفع ما أصابهم من مكروه، وهذا مما يدل على أن الآية تعم المسلم والكافر كما يشعر لفظ الناس ولفظ الإنسان 78، وإن لم يغفلوا نهائيًا كما يغفل الكافر، إلا أنهم يقل اجتهادهم بالدعاء، كما ذكر الله تعالى، أن الإنسان وقت الكرب يبتهل بالدعاء في جميع أحواله، فإذا فرج الله كربه، أعرض عن ذكر ربه، ونسي ما كان فيه، كأنه لم يكن قط. وفيه مواضع كثيرة في القرآن منها قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [يونس: 12] .

وقوله تعالى: {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [النحل: 54] .

وقوله تعالى: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [المؤمنون: 75] .

وقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [الروم: 33] .

وقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [الزمر: 8] .

فكل هذه الآيات تشير إلى أن فطرة الإنسان مؤمنًا كان أو كافر عند اشتداد الضر يلجأ إلى الله تعالى، وإذا كشف الضر عنه ازداد طغيانًا وكفرًا، إلا من رحم الله من عباده المؤمنين، فإنهم يزدادوا إيمانًا، خير مثال لهم قدوتنا وحبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، كان يصلي حتى تتفطر قدماه شكرًا لله تعالى على نعمه 79.

موضوعات ذات صلة:

الابتلاء، الأذى، الخير، الشر، الفتنة

1 مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 663

2 تفسير السمرقندي 2/ 119

3 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، 3/ 2108، الصحاح، الجوهري 2/ 619، المخصص، ابن سيده، 3/ 70، لسان العرب، ابن منظور، 8/ 44.

4 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 503 - 504.

5 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 419 - 420.

6 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 503.

7 مقاييس اللغة، اين فارس 1/ 328.

8 الكليات، الكفوي 1/ 249.

9 تفسير الصنعاني، 1/ 66

10 انظر: الكشاف، الزمخشري، 1/ 245، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 2/ 234، إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 1/ 194، وفتح القدير: الشوكاني، 1/ 173.

11 مفاتيح الغيب، الرازي، 6/ 17 - 18.

12 مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 78.

13 المحرر الوجيز، ابن عطية 1/ 490.

14 التحرير والتنوير، ابن عاشور 3/ 192.

15 البسيط، الواحدي 1/ 232.

16 فتح القدير،: الشوكاني، 1/ 381

17 مفاتيح الغيب، الرازي 28/ 62.

18 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 158.

19 الكشاف، الزمخشري 1/ 450.

20 انظر: جامع البيان، الطبري، 7/ 252، وتفسير السمعاني، 1/ 363، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 4/ 226، والبحر المحيط، أبو حيان، 3/ 75، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 150.

21 مفاتيح الغيب، الرازي 28/ 62.

22 انظر: المصدر السابق 9/ 85.

23 روح المعاني، الألوسي 4/ 133.

24 انظر: تفسير السمرقندي 2/ 156، مفاتيح الغيب، الرازي 18/ 12، المحرر الوجيز، ابن عطية، 3/ 182.

25 فتح القدير، الشوكاني 2/ 362.

26 انظر: جامع البيان، الطبري 10/ 134، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 2/ 359، روح المعاني، الألوسي، 10/ 96.

27 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، رقم 2577.

28 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 339.

29 مفاتيح الغيب، الرازي 16/ 69.

30 المصدر السابق 15/ 68.

31 جامع البيان، الطبري 5/ 275.

32 الكشاف، الزمخشري 1/ 698.

33 مفاتيح الغيب، الرازي 12/ 52 - 53.

34 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، 17/ 139، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 375.

35 انظر: معالم التنزيل، البغوي، 1/ 346، المحرر الوجيز في الكتاب العزيز، ابن عطية 1/ 498.

36 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة، 4/ 667، رقم 2516.

قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وصححه الألباني في صحيح الجامع، 2/ 1317، رقم 7957.

37 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 477.

38 التحرير والتنوير 2/ 411.

39 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 104.

40 جامع البيان، الطبري 5/ 117.

41 التحرير والتنوير 1/ 312.

42 انظر: الكشاف، الزمخشري 2/ 317، مدارك التنزيل، النسفي 2/ 120.

43 انظر: جامع البيان، الطبري 14/ 121، زاد المسير، ابن الجوزي، 4/ 457.

44 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 10/ 114.

45 انظر: أدب الكاتب، ابن قتيبة الدينوري، 1/ 217.

ومنهم من نسبه للنابغة الجعدي، انظر: شرح أدب الكاتب، الجواليقي 1/ 99.

46 انظر: تفسير السمرقندي، 2/ 152، تفسير السمعاني 2/ 369.

47 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 8/ 397، فتح القدير، الشوكاني 2/ 429.

48 صححه ابن الملقن في البدر المنير 9/ 153، وعبدالحق الإشبيلي في الأحكام الصغرى 549.

49 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خيرٌ، رقم 2999.

50 مفاتيح الغيب، الرازي 17/ 41 - 43.

51 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات، باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة، 5/ 462، رقم 3382.

قال الترمذي: غريب.

وحسنه الألباني في صحيح الجامع، 2/ 1078، رقم 6290.

52 انظر: جامع البيان، الطبري، 4/ 68، المحرر الوجيز، 1/ 498.

53 انظر: فتح القدير: الشوكاني، 2/ 84 - 85، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 145.

54 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 529.

55 مفاتيح الغيب، الرازي 17/ 41 - 43.

56 المصدر السابق 22/ 181.

57 أخرجه أبو داوود في سننه، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، 4/ 123، رقم 4341، والترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة، 5/ 257، رقم 3058.

قال الترمذي: حديث حسن غريب.

وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، 1346، رقم 2344.

وانظر: تفسير السمر قندي، 1/ 445 - 445، معالم التنزيل، البغوي، 2/ 72.

58 البسيط، الواحدي 1/ 338 - 339، تفسير الجلالين، ص 158.

59 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 246.

60 انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 2/ 250.

61 انظر: تفسير ابن أبي حاتم 4/ 1225 - 1228.

62 الدر المنثور، السيوطي 3/ 218.

63 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 6/ 344.

64 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/ 96.

65 فتح القدير، الشوكاني 3/ 243.

66 أضواء البيان، الشنقيطي 3/ 171 - 172.

67 تفسير السمعاني 3/ 261.

68 روح المعاني، الألوسي 15/ 115.

69 منها: المائدة /76 و الرعد /16 و طه /89 و الفرقان /3 و النمل /64 و المؤمنون 91 - 92 و الحج /73 - 74 و النحل /20 - 21 و فاطر/13 - 14.

70 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 359.

71 انظر: البسيط الواحدي، 1/ 491، معالم التنزيل، البغوي، 2/ 346.

72 زاد المسير، ابن الجوزي 4/ 13.

73 المحرر الوجيز: ابن عطية 3/ 401.

74 أضواء البيان، الشنقيطي، 2/ 152.

75 معالم التنزيل، البغوي 2/ 375.

76 سبق تخريجه.

77 روح المعاني، الألوسي 12/ 16.

78 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7/ 317، فتح القدير، الشوكاني 2/ 429.

79 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) ، 6/ 135، رقم 4837، ومسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، 4/ 2171،رقم 2819.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت