يتبوأ النبي عليه الصلاة والسلام مقامًا عليًا في المعرفة بالله والتبصر بحقائق الآخرة، ولذلك تعددت صور بكائه الشاهدة على هذا المقام السني، ومن ذلك حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه، قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (اقرأ علي) قلت: يا رسول الله، أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: (فإني أحب أن أسمعه من غيري) فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) } [النساء:41] .
قال: (أمسك) ، فإذا عيناه تذرفان) 78.
وإنما بكى صلى الله عليه وسلم عند هذا «لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بتصديقه، والإيمان به وسؤاله الشفاعة لهم ليريحهم من طول الموقف وأهواله؛ وهذا أمر يحق له طول البكاء والحزن» 79.
وعن أنس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط فقال: (لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا) ، فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ولهم خنين 80.
وإنما بكى النبي عليه الصلاة والسلام؛ لاطلاعه على ما ينتظر أمته من منازل الآخرة و أهوالها.
وسبق ذكر أحوال الرهبان والقساوسة، ومسارعتهم إلى الإنابة والخضوع لأمر الله، وقد دل فيض الدمع وسكب العبرات على امتلاء قلوبهم بالمعرفة، واستبصارهم للحقائق الإيمانية التي يتنكر لها كثير من عميان البصائر.
4.البكاء دليل الرحمة والرقة في قلب المومن.
إذا كانت الرحمة رقةً طبع الله تعالى قلوب عباده المومنين عليها، فإن البكاء أحد مظاهرها الخارجية.
ولذلك ثبت من حديث أسامة بن زيد (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه ابن ابنته وهو في الموت؛ ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمةٌ جعلها الله تعالى في قلوب عباده؛ وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) 81.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} [إبراهيم:36] .
وقول عيسى عليه السلام {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) } [المائدة:118] .
فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي، وبكى؛ فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال - وهو أعلم - فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك) 82.
5.البكاء من سمات الشاكرين.
يعد البكاء الصادر من المؤمن شكرا عمليا؛ لأنه جمع رقة القلب، وعمل الجارحة، وهذا أبلغ الشكر وأعظمه؛ ولذلك حرم الله تعالى على النار عينا بكت من خشية الله؛ لأنها أدت شكر المنعم بفيض الدمع، وقد يفصح الدمع عما لا يستطيع القول كشفه وبيانه.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعبد ربه ويبكي حتى تخضل لحيته، إقرارًا بالعبودية الخالصة بين يدي الله تعالى، وشكرًا له عز وجل على جزيل العطاء وجميل الامتنان.
فعن عبيد بن عمير رحمه الله، أنه قال لعائشة رضي الله عنها: أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فسكتت ثم قالت: (لما كانت ليلة من الليالي، قال: يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي، قلت: والله إني أحب قربك، وأحب ما يسرك. قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي، حتى بل حجره! قالت: وكان جالسًا فلم يزل يبكي صلى الله عليه وسلم حتى بل لحيته! قالت: ثم بكى حتى بَلَ الأرض! فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله تبكي، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟!، قال: أفلا أكون عبدًا شكورا؟!، لقد أنزلت علي الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها! {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران:190] ) 83.
6.البكاء طريق موصل إلى محبة الله ورضوانه.
من الأشياء التي توصل إلى محبة الله تعالى، وتكسب رضوانه عبراتٌ تسكب من خشية الله، فعن أبي أمامة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة من دموع خشية الله، وقطرة دم تهراق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله) 84.
7.البكاء من طرق الفوز بظل عرش الرحمن.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبعةٌ يظلهم الله: رجلٌ ذكر الله ففاضت عيناه) 85.
8.البكاء من خشية الله منجاة من النار.
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله تعالى حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان نار جهنم) 86.
وعن ابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله) 87.
موضوعات ذات صلة:
الحزن، الغم، الفرح
1 مقاييس اللغة، ابن فارس 285/ 1.
2 المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 141.
3 البيت لكعب بن مالك كما رجحه ابن بري، انظر: لسان العرب 1/ 475.
4 مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 286، والبيت في ديوان سلامة بن جندل السعدي، ص 6.
5 المفردات ص 141.
6 تفسير القرآن، السمعاني 2/ 333
7 التحرير والتنوير 15/ 235، وقارنه بالتعريف الوارد في روضة النعيم 3/ 833:» إراقة الدموع من أثر الخوف من الله أو للتعبير عن حزن في الفؤاد».
8 1 انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبدالباقي ص 133.
9 2 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 285، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي 2/ 268، المفردات، الراغب الأصفهاني ص 141، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي 2/ 222 - 223.
10 1 المفردات للأصفهاني ص 283، الفروق اللغوية العسكري ص 248، التعريفات للجرجاني ص 98.
11 2 لسان العرب، ابن منظور،10/ 459، مقاييس اللغة، ابن فارس، 3/ 393.
12 3 المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 501.
13 التيسير في أحاديث التفسير، المكي الناصري 6/ 119.
14 مفاتيح الغيب، الرازي 29/ 19.
15 تفسير مقاتل 3/ 294.
16 تفسير التستري، ص 157.
17 تفسير القرآن، السمعاني 5/ 301.
18 زاد المسير ابن الجوزي 8/ 83.
19 انظر: تفسير القرآن، السمعاني 5/ 301.
20 تفسير كتاب الله العزيز، الهواري 4/ 247.التفسير المظهري، محمد ثناء الله المظهري 9/ 131.
21 تأويلات أهل السنة، الماتريدي 4/ 614.
22 تفسير الهداية، مكي بن أبي طالب، ص 7173.
23 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 17/ 103.
24 الكشاف، الزمخشري 4/ 428.
25 البحر المحيط، أبو حيان، 8/ 165.
26 تأويلات أهل السنة، الماتريدي 4/ 614.
27 التحرير والتنوير 27/ 143.
28 مفاتيح الغيب 29/ 20.
29 في ظلال القرآن، سيد قطب 6/ 3415 - 3416.
30 جامع البيان، الطبري 18/ 214.
31 جامع البيان، الطبري 17/ 577.
32 انظر: المصدر السابق 17/ 578.
33 تفسير مقاتل 2/ 276.
34 جامع البيان، الطبري 17/ 578 - 579.
35 في ظلال القرآن، سيد قطب 4/ 2254.
36 أخرجه الترمذي في الجامع، رقم 1633، ورقم 2311، والنسائي في السنن الصغرى، رقم 3107 - 3108.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
37 جامع البيان، الطبري 8/ 594.
38 انظر: المصدر السابق 8/ 594، وتفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم 4/ 1184.
39 انظر: جامع البيان 8/ 597.
40 المصدر السابق.
41 مفاتيح الغيب 12/ 72.
42 زهرة التفاسير، أبو زهرة 5/ 2328.
43 لمعرفة اختلاف العلماء في تعين أسماء البكائين.
انظر: تفسير ابن جرير الطبري 14/ 421 وما بعدها.
44 في ظلال القرآن، سيد قطب 3/ 1685.
45 انظر: سيرة ابن هشام 4/ 399.
46 البحر المحيط 5/ 88.
47 تفسير المراغي 10/ 183.
48 نظم الدرر، البقاعي 4/ 89.
49 الزمخشري 2/ 468.
50 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 13/ 43.
51 جامع البيان 13/ 332.
52 تفسير ابن كثير 4/ 409.
53 التحرير والتنوير 13/ 43.
54 البحر المحيط، أبو حيان 5/ 333.
55 إرشاد العقل السليم، أبو السعود 4/ 302.
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:» إنا بك لمحزونون»،رقم 1303، عن أنس بن مالك.
56 تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم 6/ 1855.
57 تفسير الصنعاني 1/ 248.
58 نظم الدرر، البقاعي 3/ 369.
59 تفسير المنار 10/ 498.
60 تفسير المنار 10/ 491 - 492.
61 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» ، رقم 6485 - 6486، وأخرجه أيضًا في كتاب التفسير، باب (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) ، رقم 4621، من حديث أنس بن مالك و أبي هريرة. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب توقيره صلى الله عليه وسلم وترك إكثار سؤاله، رقم 2359.
62 أخرجه الترمذي في سننه، 4/ 605.
وقال حديث حسن، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، رقم 2741.
63 تفسير القرآن، السمعاني 3/ 14.
64 انظر: تفسير الشعراوي 11/ 6882.
65 التحرير والتنوير، ابن عاشور 12/ 236.
66 أحكام القرآن، ابن العربي 3/ 38 - 39.
67 زاد المعاد 1/ 184.
68 «عن سعيد بن جبير، قال: أتى ابن عباس رجلٌ، فقال: يا ابن عباس، أرأيت قول الله تبارك وتعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29) } ، فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال: نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء منه ينزل رزقه، وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله، وينزل منه رزقه، بكى عليه وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها، ويذكر الله فيها بكت عليه، وإن قوم فرعون لم يكن لهم في الأرض آثار صالحة، ولم يكن يصعد إلى السماء منهم خير، قال: فلم تبك عليهم السماء والأرض» .
أخرجه الصنعاني في تفسيره 2/ 208، والطبري في تفسيره 22/ 34،وابن أبي حاتم في تفسيره 10/ 3288 - 3289.
69 المحرر الوجيز، ابن عطية 5/ 65.
70 الجامع لأحكام القرآن 16/ 142.
71 انظر: نضرة النعيم 3/ 834.
72 المصدر السابق.
73 انظر: هذا المعنى في الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7/ 366.
74 موسوعة الملك عبد الله بن عبد العزيز العربية للمحتوى الصحيح.
75 أسرار الدموع، محمد السقا عيد، ص 10، مقال منشور في مجلة حراء العدد: 35 مارس، أبريل 2013.
76 أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب البكاء في الصلاة، رقم 904، والنسائي في الصغرى، كتاب الصلاة، باب البكاء في الصلاة، رقم 1214.
وصححه الشيخ الألباني في «صحيح الترغيب «رقم 544.
77 أخرجه البيهقي في شعب الإيمان 2/ 253.
78 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) ، رقم 4582، ومسلم في صحيحه، باب فضل استماع القرآن وطلب القراءة من حافظ للاستماع والبكاء عند القراءة والتدبر، رقم 800.
79 شرح صحيح البخاري ابن بطال 10/ 279.
80 سبق تخريجه.
81 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:» يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه» إذا كان النوح من سنته، رقم 1284، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، رقم 923، من حديث أسامة بن زيد،.
82 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وبكائه شفقة عليهم، رقم 202.
83 أخرجه ابن حبان في صحيحه 2/ 386.
قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.
وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب 2/ 88، رقم 1468، والسلسلة الصحيحة، رقم 68.
84 أخرجه الترمذي في سننه، كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله، رقم 1669.
وقال: هذا حديث حسن غريب.
وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الترمذي رقم 1363.
85 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب البكاء من خشية الله، رقم 6479، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، رقم 1031.
86 أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في فضل البكاء من خشية الله، رقم 1633. والنسائي في السنن كتاب الجهاد، فضل من عمل في سبيل الله على قدمه، رقم 3108.
وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، رقم 7778.
87 أخرجه الترمذي في سننه، كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، باب ما جاء في فضل الحرس في سبيل الله، رقم 1639.
وقال الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شعيب بن زريق.
وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة 6/ 380 رقم 2673.
عناصر الموضوع
مفهوم البكاء
البكاء في الاستعمال القرآني
الألفاظ ذات الصلة
الضحك والبكاء من دلائل القدرة
أسباب البكاء
فوائد البكاء