«وقال تعالى: {وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (86) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [النحل: 86 - 87] .
أي: ذهب واضمحل ما كانوا يعبدونه افتراء على الله، فلا ناصر لهم، ولا معين ولا مجيز» 84.
2.الفضيحة على رؤوس الأشهاد.
أخبر سبحانه وتعالى عن حال المفترين وفضيحتهم في الدار الآخرة على رؤوس الخلائق، فقال: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [القصص: 74 - 75] .
وقال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53) } [الأعراف: 52 - 53] .
وكما قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] .
يبين تعالى حال المفترين عليه، وفضيحتهم في الدار الآخرة على رؤوس الخلائق؛ من الملائكة والرسل والأنبياء وسائر البشر والجان 85.
ويفسر ذلك ما رواه الإمام أحمد بسنده عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذًا بيد ابن عمر؛ إذ عرض له رجلٌ، فقال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: في النجوى يوم القيامة؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله عز وجل يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك. قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون، فيقول الأشهاد: {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} 86.
{أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} حيث فوتوها أعظم الثواب، واستحقوا أشد العذاب {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي: اضمحل دينهم الذي يدعون إليه ويحسنونه، ولم تغن عنهم آلهتهم التي يعبدون من دون الله؛ لما جاء أمر ربك {لَا جَرَمَ} أي: حقًا وصدقًا {أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ} حصر الخسار فيهم، بل جعل لهم منه أشده لشدة حسرتهم وحرمانهم، وما يعانون من المشقة والعذاب 87.
«إنه التشهير والتشنيع بالإشارة «هؤلاء» {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا} وعلى من؟ {عَلَى رَبِّهِمْ} لا على أحد آخر!
إن جو الفضيحة هو الذي يرتسم في هذا المشهد، تعقبها اللعنة المناسبة لشناعة الجريمة {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} يقولها الأشهاد كذلك، فهو الخزي والتشهير -إذن- في ساحة العرض الحاشدة! أو هو قرار الله سبحانه في شأنهم إلى جانب ذلك الخزي والتشهير على رءوس الأشهاد» 88.
إن جزاء اختلاق الكذب والتشهير والتشنيع بالمؤمنين الصادقين التشهير والتشنيع في الآخرة، والجزاء من جنس العمل.