فهرس الكتاب

الصفحة 1952 من 2431

3.الفتنة في الدين بالإكراه في حق المنافقين.

الفتنة في الدين بالإكراه في حق المنافقين ناتجة عن أمرين، علم الله بحقيقة ما في صدورهم، وخبايا أنفسهم، فكره الله نصرتهم للدين فثبطهم عنها، وكذلك فإنهم يكرهون الحق ويحرضون ضده، ويعملون بكل ما أوتوا من قوة مادية ومعنوية، وكراهية مستديمة لطمس الحق ومحاربته، وسأوضح الحالتين وفق التالي:

الحالة الأولى: كراهة الله عز وجل للمنافقين في الخروج لنصرة الدين:

لما علم الله سبحانه وتعالى من طبيعة وسجية المنافقين، ونواياهم المنطوية على السوء للمسلمين، لم يبعث فيهم الهمة للخروج لنصرة الدين، فكره الله جهادهم مع المجاهدين، فقال تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة: 46] .

ولعل السبب في تثبيط الله عز وجل للمنافقين في عدم خروجهم لنصرة الدين، يوضحه ربنا سبحانه وتعالى بقوله تعالى في الآية التي تلي آية الإكراه مباشرة، يقول تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة: 47] .

«فالقلوب الحائرة تبث الخور والضعف في الصفوف، والنفوس الخائنة خطر على الجيوش؛ ولو خرج أولئك المنافقون ما زادوا المسلمين قوة بخروجهم بل لزادوهم اضطرابًا وفوضى، ولأسرعوا بينهم بالوقيعة والفتنة والتفرقة والتخذيل، وفي المسلمين من يسمع لهم في ذلك الحين» 51.

وهذا يبين ويوضح حجم تلك الفتنة في دين الله عز وجل من قبل هؤلاء المنافقين، الذين ينصبون أنفسهم دعاة للحق والفضيلة وهم في كينونتهم يمارسون التضليل الممنهج، والفساد الكبير في إفسادهم للمجتمع المسلم، ولهذا حذرنا القرآن الكريم في مواطن شتى من المنافقين وبين لنا صفاتهم في القرآن الكريم، وحذر من اتباعهم، وبين عاقبتهم يوم القيامة.

الحالة الثانية: كراهة المنافقين أنفسهم للحق أو نصرته:

وهنا المشهد الثاني للمنافقين حيث إن ذواتهم الخاوية من الإيمان، وطبائعهم الغير سليمة، وقلوبهم المنحرفة، تجعلهم يكرهون الحق وأهله، وحتى الحق -جل وعلا- يكرهونه والعياذ بالله، يقول تعالى: {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 48] .

«لقد ابتغى هؤلاء المنافقون إيقاع الشرور والمفاسد في صفوف المسلمين، من قبل ما حدث منهم في غزوة تبوك، ومن مظاهر ذلك أنهم ساءهم انتصاركم في غزوة بدر، وامتنعوا عن مناصرتكم في غزوة أحد، متبعين في ذلك زعيمهم عبد الله بن أبي بن سلول، ثم واصلوا حربهم لكم سرًا وجهرًا حتى كانت غزوة تبوك التي فضح الله فيها أحوالهم» 52.

وأكد ذلك قوله سبحانه وتعالى عن فرحهم في التخلف عن نصرة الدين والحق، وكراهتهم لبذل النفس والمال في سبيل الله تعالى، واختلقوا أعذارًا وهمية لعدم الخروج للجهاد.

يقول سبحانه وتعالى: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) } [التوبة: 81] .

ولذلك فقد بين الله سبحانه وتعالى بأن المنافقين لو أنفقوا بالرضا أو الإكراه، لن تقبل منهم لعلم الله المسبق بحقيقتهم، فقال تعالى: {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ} [التوبة: 53] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت