فقوله تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} هو دعوة من الله تعالى لعباده إلى العمل في هذه الحياة، وإلى السعي في الأرض، والضرب في وجوهها المختلفة، فالله سبحانه قد سخر للناس خيرات كثيرة في هذه الأرض، وعليهم أن يتحركوا في كل وجه على هذا البساط، وأن يمدوا أيديهم إلى كل شيء يقدرون عليه من هذا الخير.
فإن هم لم يفعلوا، فقد بخسوا أنفسهم حقها من الحياة الكريمة على هذه الأرض، ومناكب الأرض، هي أجزاؤها العليا فيها، أشبه بمنكبي الإنسان، وهما جانبا الكتفين، وهذا يعنى أن يستدعي الإنسان قواه كلها حتى يأخذ مكانًا متمكنًا من الأرض، يستطيع به أن يستثمر قوى الطبيعة فيها.
فهذا هو مكان الإنسان الذي يعرف قدر إنسانيته، إنه الخليفة على هذه الأرض، ومقام الخلافة يقتضيه أن يأخذ مكان الصدارة فيها، وأن يجلس مجلس السلطان من رعيته، وفى تعدية الفعل (امشوا) بحرف الجر (في) بدلًا من (على) إشارة إلى أن ينفذ الإنسان في أعماق هذه المناكب، وإلى أن يعمل على كشف أسرارها، لا مجرد اتخاذها طريقًا يمشى عليه 68.
ورغم كثرة الأدلة التي تحث المسلمين على أن يكونوا منتجين لا مستهلكين، إلا أن العديد من الأقطار الإسلامية أصبحت أسواقًا لمنتجات غير المسلمين، وهذا ما يحرص عليه أعداء الإسلام حتى يبقى العالم الإسلامي سوقًا لمنتجاتهم، ويسهل عليهم التدخل في الشؤون الداخلية للأقطاره، ولذلك ينبغي على المسلمين أن يستغنوا عن غيرهم، وأن يكونوا منتجين لا مستهلكين، فإن من لا يملك قوته لا يملك قراره.
إنه لمن الواجب على الأمة الإسلامية أن تعمل على استثمار وإنتاج كل حاجياتها؛ لتستغني عن غيرها، فهي تحتاج إلى غيرها بقدر ما تقصر في الإنتاج، إذ القدرة الإنتاجية هي المتحكمة وذات السيادة الدولية. وقد أعطى الله المؤمنين ما يؤهلهم للصدارة واحتلال مكانهم، والمحافظة على مكانتهم، وإشادة كيانهم بالدين والدنيا معًا 69.
قال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} [الإسراء:12] .
وقال: {رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص:73] .
وقال: {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} [النبأ:11] .
فبين تعالى أنه خلق الكون على هذه الكيفية من اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما لتنتظم أوقات عباده وأعمالهم، فيعملون ويكدون في النهار، ويرتاحون في الليل، وفي ذلك بيان لمشروعية العمل وأن الله أراده من عباده.
والعمل المطلوب من الأمة أفرادًا وجماعات هو العمل الجاد والنشاط.
قال تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل:20] .
فسمى الله تعالى السعي على الرزق ضربًا في الأرض، وفي ذلك إعلام منه تعالى لعباده أن العمل والكفاح في هذه الحياة يجب أن يكون في منتهى القوة والجد 70.
قال الشعراوي: «والضرب -كما نعرف- هو انفعال الجارحة على شيء آخر بعنف وقوة. وقوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} [النساء:101] . معناها أن الحياة كلها حركة وانفعال، ولماذا الضرب في الأرض؟ لأن الله أودع فيها كل أقوات الخلق، فحين يحبون أن يخرجوا خيراتها؛ يقومون بحرثها حتى يهيجوها، ويرموا البذور، وبعد ذلك الري، ومن بعد ذلك تخرج الثمار، وهذه هي عملية إثارة الأرض. إذن كل حركة تحتاج إلى شدة ومكافحة، والحق سبحانه يقول: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [المزمل:20] .
وما دامت المسألة ضربًا في الأرض فهي تحتاج إلى عزم من الإنسان وإلى قوة» 71.