وكيف يفخر الإنسان على غيره بما ليس من كسبه وما لا جهد له فيه؟!
وقد أعلم النبي صلى الله عليه وسلم -يوم أن أمره الله بالصدع بالرسالة- أهله وقومه أن أنسابهم وأحسابهم لن تغني عنهم شيئًا يوم القيامة، فعن أبي هريرة قال: (قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] .
قال: (يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، و يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، و يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئا) 93.
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا ينبغي للإنسان أن يتكل على شرف النسب وفضيلة الآباء ويقصر في العمل، فقال: (ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه) 94.
ولو أن النسب ينفع صاحبه دون العمل لانتفع به أبو لهب، ولكن هيهات، وقد قال الله: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} [المسد: 1 - 2] .
وقال سبحانه: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101] .
ولا شك أن التفاخر بالأحساب والأنساب وغير ذلك من أمور العنصرية البغيضة يؤدي إلى وجود تحزبات وحزازات بين المسلمين، ووقوع الفرقة والبغضاء في صفوفهم، كما وقع بين الأنصار بسبب المكيدة التي دبرها شاس بن قيس اليهودي، فعن زيد بن أسلم قال: مَرَّ شاس بن قيس -وكان شيخًا قد عسا 95 في الجاهلية، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم- على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج، في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه.
فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة 96 بهذه البلاد! لا والله ما لنا معهم، إذا اجتمع ملؤهم بها، من قرار!
فأمر فتى شابًّا من يهود وكان معه، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، وذكرهم يوم بعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار -وكان يوم بعاث يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج- ففعل. فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب: أوس بن قيظي، أحد بني حارثة بن الحارث من الأوس، وجبار بن صخر، أحد بني سلمة من الخزرج. فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها الآن جذعةً! 97 وغضب الفريقان، وقالوا: قد فعلنا، السلاح السلاح! موعدكم الظاهرة -والظاهرة: الحرة- فخرجوا إليها.
وتحاوز الناس، فانضمت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض، على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم، فقال: (يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارًا؟) .
فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيدٌ من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم، وبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس وما صنع.
فأنزل الله في شاس بن قيس وما صنع: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 98 - 99] .
الآية. وأنزل الله عز وجل في أوس بن قيظي وجبار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا عما أدخل عليهم شاس بن قيس من أمر الجاهلية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [آل عمران: 100] .
إلى قوله: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105] 98.
ولا يزال كثير من الناس في زماننا تدور بينهم المفاخرة بالآباء والأجداد، والتغني بمآثرهم وأمجادهم، وأصالة أحسابهم وأنسابهم، والتعالي بذلك على من يعدونهم أقل منهم نسبًا وحسبًا، وهذا مصداق حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة) 99.
فالواجب على المسلمين أن يتخلصوا من العنصرية البغيضة في أقوالهم وأفعالهم، ويعملوا ميزان الإسلام فيما بينهم، لا فرق بين أبيض وأسود، وعربي وأعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح.
موضوعات ذات صلة:
الاستكبار، الإنصاف، السياسة، الظلم، العدل
1 انظر: الصحاح، الجوهري 2/ 750، لسان العرب، ابن منظور 4/ 611، المصباح المنير، الفيومي 2/ 63، تاج العروس، الزبيدي 2/ 407.
2 العنصرية اليهودية، أحمد الزغيبي 1/ 60.
3 موقف الإسلام من التفرقة العنصرية، محمد الأنصاري، مقال منشور على موقع: إسلام نت.
4 انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 1/ 447، لسان العرب، ابن منظور 4/ 239.
5 الكليات ص 409.
6 مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 336.
7 لسان العرب، ابن منظور 1/ 606.
8 تهذيب اللغة، الأزهري 2/ 30.
9 فكر ابن خلدون العصبية والدولة، الجابري ص 168.
10 لسان العرب 5/ 3519.
11 مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 55.
12 انظر: النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير 1/ 945، المفردات، الراغب الأصفهاني ص 115، لسان العرب، ابن منظور 1/ 308.
13 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 432، المفردات، الراغب الأصفهاني ص 115، لسان العرب، ابن منظور 9/ 225.
14 مقاييس اللغة 6/ 90.
15 المفردات ص 857.
16 انظر: تفسير المراغي 1/ 88، التفسير الميسر ص 6.
17 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/ 425.
18 انظر: الكشاف، الزمخشري 2/ 90.
19 انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي 12/ 130.
20 التفسير الوسيط، طنطاوي 12/ 130.
21 صفوة التفاسير، الصابوني 1/ 119.
22 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، رقم 93.
23 إكمال المعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض 1/ 361.
24 التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب 11/ 829 - 830.
25 في ظلال القرآن، سيد قطب 5/ 2910.
26 المصدر السابق 4/ 2270.
27 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 476.
28 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/ 157.
29 انظر: الدر المنثور، السيوطي 1/ 207.
30 الوسيط في التفسير، طنطاوي 4/ 96.
31 التفسير الواضح، محمد حجازي 1/ 499.
32 محاسن التأويل، القاسمي 3/ 169.
33 انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 2/ 95.
34 الكشاف، الزمخشري 1/ 520.
35 صفوة التفاسير، الصابوني 3/ 259.
36 البحر الحيط، أبو حيان 10/ 22.
37 صفوة التفاسير، الصابوني 1/ 406.
38 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 392.
39 صفوة التفاسير، الصابوني 3/ 149.
40 فتح البيان، صديق خان 12/ 236.
41 المصدر السابق 12/ 236.
42 انظر: جامع البيان، الطبري 23/ 407.
43 التفسير الوسيط، طنطاوي 14/ 410.
44 انظر: التحرير والتنوير 28/ 249.
45 التفسير الوسيط، طنطاوي 14/ 410.
46 في ظلال القرآن 6/ 3580.
47 انظر: جامع البيان، الطبري 23/ 406.
48 زهرة التفاسير، أبو زهرة 7/ 3744.
49 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، رقم 93.
50 صفوة التفاسير، الصابوني 2/ 11.
51 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل. باب في فضل سعد بن أبي وقاص، رقم 2413، 4/ 1878.
52 في ظلال القرآن 2/ 1100.
53 المصدر السابق.
54 في ظلال القرآن 6/ 3432.
55 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/ 226.
56 الكشاف، الزمخشري 4/ 74.
57 انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ص 420.
58 تفسير المراغي 2/ 112.
59 التفسير الوسيط، طنطاوي 1/ 248.
60 المصدر السابق 1/ 249.
61 جامع البيان، الطبري 2/ 377.
62 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 337.
63 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 60.
64 انظر: الدر المنثور، السيوطي 2/ 725.
65 صفوة التفاسير، الصابوني 1/ 290.
66 انظر: الدر المنثور، السيوطي 1/ 217.
67 التفسير الميسر ص 14.
68 انظر: عنصرية اليهود، الزغيبي 2/ 59.
69 التفسير المنير، الزحيلي 3/ 266.
70 سورة القصص دراسة تحليلية، محمد المطني ص 216.
71 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/ 220.
72 سورة القصص دراسة تحليلية، محمد المطني ص 216.
73 المصدر السابق ص 216.
74 صفوة التفاسير، الصابوني 1/ 30.
75 زهرة التفاسير، أبو زهرة 1/ 130.
76 صفوة التفاسير، الصابوني 1/ 30.
77 زهرة التفاسير، أبو زهرة 1/ 132.
78 صفوة التفاسير، الصابوني 1/ 30.
79 في ظلال القرآن، سيد قطب 1/ 574.
80 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، رقم 2564، 4/ 1987.
81 التفسير الوسيط، الزحيلي 1/ 824.
82 أخرجه أحمد في مسنده، رقم 23489، 38/ 474، والطبراني في المعجم الأوسط، رقم 4749، 5/ 86، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم 4774، 7/ 132. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 6/ 449.
83 انظر: روائع حضارتنا، مصطفى السباعي ص 112 - 113.
84 انظر: أجنحة المكر الثلاثة، الميداني ص 204.
85 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، رقم ح 2586، 4/ 1999.
86 التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص 51.
87 التفسير القرآني للقرآن، الخطيب 11/ 831.
88 أوضح التفاسير، محمد حجازي 1/ 493.
89 أخرجه أحمد في مسنده، رقم 23489، 38/ 474، والطبراني في المعجم الأوسط، رقم 4749، 5/ 86، والبيهقي في شعب الإيمان، رقم 4774، 7/ 132. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 6/ 449.
90 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك، رقم 30، 1/ 15.
91 انظر: إرشاد الساري، القسطلاني 1/ 115.
92 عبية الجاهلية: الكبر والأنفة. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 3/ 169.
93 الجعلان بكسر جيم وسكون عين، جمع جعل، بضم ففتح: دويبة كالخنفساء.
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 1/ 277.
94 أخرجه أبو داود في سننه، أبواب النوم،.باب التفاخر بالأحساب، رقم 5116، 7/ 348، والترمذي في سننه، أبواب المناقب، باب فضل الشام واليمن، رقم 3956، 6/ 229، وقال: هذا حديث غريب. وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح 3/ 1373.
95 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (وأنذر عشيرتك الأقربين) ، رقم 4771، 6/ 111، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) ، رقم 206، 1/ 192.
96 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، رقم 2699، 4/ 2074.
97 عسا: كبر وأسن. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 316.
98 بنو قيلة: هم الأنصار من الأوس والخزرج، وقيلة: اسم أم لهم قديمة، هي قيلة بنت كاهل، سموا بها. انظر: النهاية، ابن الأثير 4/ 134.
99 ردها جذعة: أي جديدة كما بدأت. والجذع والجذعة: الصغير السن من الأنعام، أول ما يستطاع ركوبه. يعني أعدناها شابة فتية. انظر: النهاية، ابن الأثير 1/ 250.