قال تعالى: (وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكري فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنكًا وَنَحشُرُهُ يَومَ القِيامَةِ أَعمى ?124? قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرتَني أَعمى وَقَد كُنتُ بَصيرًا ?125? قالَ كَذلِكَ أَتَتكَ آياتُنا فَنَسيتَها وَكَذلِكَ اليَومَ تُنسى ?126? وَكَذلِكَ نَجزي مَن أَسرَفَ وَلَم يُؤمِن بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبقىٹ) [طه: 124 - 127] .
فقوله تعالى: (وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكري) أي: كتابي الذي يتذكر به جميع المطالب العالية، وأن يتركه على وجه الإعراض عنه، أو ما هو أعظم من ذلك، بأن يكون على وجه الإنكار له، والكفر به (فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنكًا) ، أي: فإن جزاءه، أن نجعل معيشته ضيقة مشقة، ولا يكون ذلك إلا عذابًا.
وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر، وأنه يضيق عليه قبره، ويحصر فيه ويعذب، جزاء إعراضه عن ذكر ربه، وهذا أصح الأقوال. فتلك المعيشة الضنكة التي قال الله: (فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنكًا وَنَحشُرُهُ يَومَ القِيامَةِ أَعمى) .
وعن النعمان ابن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا. ولفظه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (معيشة ضنكا قال: عذاب القبر) 91.
وقد رجح الطبري هذا التفسير مستندًا إلى قوله في آخر الآيات: (وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبقىٹٹ) .
قال: «فكان معلومًا بذلك أن المعيشة الضنك التي جعل الله لهم قبل عذاب الآخرة. ثم قال: وهذا العذاب ليس في الحياة الدنيا أيضًا، فإن هناك كثيرًا ممن أعرض عن ذكر الله من الكفار أوسع معيشة من كثير من المقبلين على ذكر الله، فبقي أن ذلك في البرزخ» 92.
وبعض المفسرين يرى أن المعيشة الضنك، عامة في دار الدنيا، بما يصيب المعرض عن ذكر ربه، من الهموم والغموم والآلام، التي هي عذاب معجل، وفي دار البرزخ، وفي الدار الآخرة، لإطلاق المعيشة الضنك، وعدم تقييدها. (وَنَحشُرُهُ) أي: هذا المعرض عن ذكر ربه (يومَ القِيامَةِ أَعمى) البصر على الصحيح، كما قال تعالى: (?ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما) . قال ابن كثير: «قوله تعالى: (وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكري) أي: خالف أمري، وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه (فَإِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنكًا) أي: في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيقٌ حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلقٍ وحيرةٍ وشكٍ، فلا يزال في ريبةٍ يتردد. فهذا من ضنك المعيشة» 93.
-يحشرون يوم القيامة عميًا.
فقد ذكر الله تعالى لنا أيضًا أن من عقوبة المسرفين في الآخرة أنهم يحشرون يأخذ الله بأبصارهم وأعينهم، ولا يكون لديهم قدرة على الرؤيا؛ وذلك نتيجة إسرافه في الكفر والمعاصي والإعراض عن ذكر الله تعالى. قال الله تعالى: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124] .
فذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من أعرض عن ذكره يحشره يوم القيامة في حال كونه أعمى هذا أصح التفاسير. وقال مجاهدٌ، وأبو صالحٍ، والسدي: أعمى أي: لا حجة له. وقال عكرمة: عمي عليه كل شيءٍ إلا جهنم 94.
ولكن الصحيح أن الله تعالى يحشره يوم القيامة في حال كونه أعمى، ويؤيد صحة هذا التفسير أن في نفس الآية الكريمة قرينةً متصلةً دالةً على خلاف قول مجاهدٍ وأبي صالحٍ، وعكرمة. وأن المراد بقوله: {أَعْمَى} ، أي: أعمى البصر لا يرى شيئًا. والقرينة المذكورة هي قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا} [طه: 125] .
فصرح بأن عماه هو العمى المقابل للبصر وهو بصر العين؛ لأن الكافر كان في الدنيا أعمى القلب كما دلت على ذلك آياتٌ كثيرةٌ من كتاب الله، وقد زاد جل وعلا في سورة «الإسراء» أنه مع ذلك العمى يحشر أصم أبكم أيضًا، وذلك في قوله تعالى: {وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء: 97] 95.
ثم يخبرنا تعالى أن هذا العذاب {وَكَذَلِكَ نَجْزِي} ، أي: مثل ذلك الجزاء {نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ} أي من جاوز الحد في المعصية، فهذا هو أحد أنواع عذاب الكفار المسرفين يوم القيامة، فهذا الجزاء الأليم كان لعلة إسراف الكافر على نفسه في الطغيان والمعاصي والتكذيب بآيات الله سبحانه وتعالى، ونسيانه لآيات الله تعالى تركها، وعدم الإيمان بها.
2.أن المسرفين هم أصحاب النار.
حكم الله تعالى في كتابه بأشد العذاب على أهل الإسراف، وأنهم هم أصحاب النار الذين لايخرجون منها إن ماتوا على الكفر والشرك بالله.
قال تعالى: {وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} [غافر: 43] .
قال قتادة وابن سيرين: يعني المشركين. وقال ابن مسعود ومجاهدٌ والشعبي: هم السفهاء والسفاكون للدماء بغير حقها. وقال عكرمة: الجبارون والمتكبرون. وقيل: هم الذين تعدوا حدود الله. قال القرطبي: «وهذا جامعٌ لما ذكر» 96.
فبهذا يتبين شدة عقاب الله تعالى لأهل الإسراف، وأنهم في الآخرة من أصحاب النار.
موضوعات ذات صلة:
الاستطاعة، الاقتصاد، الإنفاق، السعة
1 انظر: الصحاح، الجوهري، 4/ 1342، لسان العرب، ابن منظور، 9/ 148، المصباح المنير، الفيومي، 1/ 274، تاج العروس، الزبيدي، 24/ 433.
2 مقاييس اللغة، 3/ 153.
3 المفردات، ص 407.
4 التحرير والتنوير، 11/ 112.
5 التعريفات، ص 24.
6 جامع البيان، 7/ 579.
7 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 349،350، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب السين ص 624.
8 انظر: عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، 2/ 193 - 194، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 2/ 105، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص 363 - 364.
9 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 4/ 50.
10 الجامع لأحكام القرآن، 10/ 247.
11 انظر: حاشية رد المحتار،6/ 759.
12 انظر: الصحاح، الجوهري، 6/ 223، تاج العروس، الزبيدي، 36/ 397.
13 انظر: الكليات، الكفوي، ص 349، النظم المستعذب على المهذب، ابن بطال الركبي، 1/ 338.
14 انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، 2/ 714.
15 التوقيف، 1/ 105.
16 انظر: تاج العروس، الزبيدي، 9/ 35.
17 التوقيف، المناوي، 1/ 272.
18 انظر: الفروق اللغوية، العسكري، 1/ 212.
19 انظر: البحر المحيط، أبو حيان 6/ 21.
20 انظر: النكت والعيون، الماوردي 5/ 153، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 15/ 308.
21 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 17/ 222، غرائب القرآن، النيسابوري 3/ 568، لباب التأويل، الخازن 2/ 431.
22 انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، إرشاد العقل السليم، أبو السعود 6/ 48، والسراج المنير، الشربيني 2/ 8.
23 انظر: تفسير القرآن، السمعاني، معالم التنزيل، البغوي 7/ 148.
24 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 737.
25 انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي 3/ 107، إرشاد العقل السليم، أبو السعود 4/ 126.
26 انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 5/ 46، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 16/ 62 - 63.
27 انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب 5/ 3177.
28 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 8/ 232.
29 انظر: المنار، محمد رشيد رضا 8/ 455.
30 انظر: البحر المحيط، أبو حيان 3/ 521، إرشاد العقل السليم، أبو السعود 8/ 40.
31 انظر: المنار، 8/ 455.
32 أخرجه الطبري في تفسيره 5/ 472.
33 أخرجه أحمد في مسنده 2/ 182، رقم 6708، والحاكم في المستدرك، 4/ 150، رقم 7188.
قال الحاكم: صحيح الإسناد.
34 أخرجه أحمد في مسنده، 28/ 42، رقم 17186، والترمذي في سننه، أبواب الزهد، باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل، 4/ 590، رقم 2380.
قال الترمذي: «حسن صحيح» .
وصححه الشيخ الألباني. في الإرواء، رقم 1983.
35 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 8/ 123.
36 انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي 3/ 121، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 8/ 370.
37 انظر: غرائب التفسير، الكرماني 2/ 862، مفاتيح الغيب، الرازي 24/ 580.
38 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 16/ 136، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 773.
39 البحر المحيط، أبو حيان 4/ 239.
40 انظر: البحر المحيط، أبو حيان 4/ 239، البحر المديد، ابن عجيبة 2/ 34.
41 انظر: البحر المحيط، أبو حيان 9/ 55.
42 انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي 4/ 264، البحر المحيط، أبو حيان 9/ 53.
43 انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب 5/ 2962.
44 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 2/ 89.
45 انظر: العين، الفراهيدي 4/ 347، الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني 5/ 52.
46 انظر: الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني 10/ 248، شرح ديوان الحماسة، المرزوقي ص 156.
47 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 15/ 91، 94.
48 انظر: النكت والعيون، الماوردي 3/ 240، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 10/ 255.
49 انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 3/ 88.
50 انظر: جامع البيان، الطبري 17/ 440، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 10/ 255.
51 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا، رقم 6469.
52 انظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين، ابن الجوزي 2/ 590.
وأثر ابن عمر رضي الله عنهما، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم) ، رقم 6863.
53 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: (أن النفس بالنفس) ، رقم 6878، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة، باب ما يباح به دم المسلم، رقم 1676.
54 انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 364.
55 انظر: البحر المديد، ابن عجيبة 5/ 91.
56 انظر: جامع البيان، الطبري 7/ 272، تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم 3/ 783.
57 انظر: فتح القدير 1/ 443.
58 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، رقم 6035.
59 انظر: فتح الباري، 11/ 198.
60 انظر: البحر المحيط، أبو حيان 7/ 44، التحرير والتنوير، ابن عاشور 19/ 72، وأضواء البيان، الشنقيطي 6/ 75.
61 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 13/ 72 - 73.
62 انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 4/ 220.
63 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/ 123 - 124، أضواء البيان، الشنقيطي 6/ 75.
64 انظر: غرر الخصائص الواضحة، الوطواط ص 351، زهر الأكم في الأمثال والحكم، نور الدين اليوسي 2/ 87.
65 انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 6/ 75 - 76.
66 في ظلال القرآن: 5/ 2579.
67 انظر: البحر المحيط، أبو حيان 3/ 374، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 4/ 231.
68 انظر: التحرير والتنوير 4/ 120.
69 انظر: المنار، محمد رشيد رضا 4/ 124.
70 انظر: الكشاف، الزمخشري 1/ 425.
71 انظر: البحر المديد، ابن عجيبة 4/ 155.
72 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 19/ 176.
73 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 596.
74 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب سقوط الذنب بالاستغفار، رقم 2749.
75 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، تفسير سورة الزمر، رقم 4810.
76 انظر: جامع البيان، الطبري 24/ 16.
77 انظر: تفسير القرآن العظيم، 7/ 106.
78 انظر: فتح القدير، الشوكاني 4/ 538.
79 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 24/ 41.
80 انظر: العنوان في القراءات السبع، السرقسطي ص 165، إتحاف فضلاء البشر، البنا ص 482.
81 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 24/ 41.
82 انظر: جامع البيان، الطبري 21/ 377، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 736.
83 انظر: جامع البيان، الطبري 21/ 377.
84 انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي 3/ 107، البحر المديد، ابن عجيبة 2/ 455.
85 انظر: فتح القدير، 2/ 488.
86 انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 4/ 75، أنوار التنزيل، البيضاوي 4/ 47.
87 انظر: تفسير المراغي 17/ 10.
88 انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب 4/ 2369.
89 انظر: جامع البيان، الطبري 22/ 429.
90 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 27/ 6، أضواء البيان، الشنقيطي 2/ 192.
91 أخرجه الحاكم في مستدركه 2/ 381.
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
ولم يتعقبه الذهبي.
92 انظر: جامع البيان، 16/ 228.
93 انظر: تفسير القرآن العظيم، 16/ 322 - 323.
94 انظر: جامع البيان، الطبري 16/ 228 - 229.
95 انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي 2/ 16، أضواء البيان، الشنقيطي 4/ 127 - 128.
96 انظر: الجامع لأحكام القرآن 11/ 259.