فعندهم اصطلاح في بعض الأنعام والحرث أنهم يقولون فيها: {هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} أي: محرم {لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ} أي: لا يجوز أن يطعمه أحد، إلا من أردنا أن يطعمه، أو وصفناه بوصف -من عندهم-.
وكل هذا بزعمهم لا مستند لهم ولا حجة إلا أهويتهم، وآراؤهم الفاسدة، وأنعام ليست محرمة من كل وجه، بل يحرمون ظهورها، أي: بالركوب والحمل عليها، ويحمون ظهرها، ويسمونها الحام، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها، بل يذكرون اسم أصنامهم، وما كانوا يعبدون من دون الله عليها، وينسبون تلك الأفعال إلى الله.
وهم كذبة فجار في ذلك {سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} على الله، من إحلال الشرك، وتحريم الحلال من الأكل، والمنافع.
ومن آرائهم السخيفة أنهم يجعلون بعض الأنعام، ويعينونها محرمًا ما في بطنها على الإناث دون الذكور، فيقولون: {مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا} أي: حلال لهم، لا يشاركهم فيها النساء، {وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} أي: نسائنا، هذا إذا ولد حيًا، وإن يكن ما في بطنها يولد ميتًا فهم فيه شركاء، أي: فهو حلال للذكور والإناث.
{سَيَجْزِيهِمْ} الله {وَصْفَهُمْ} حين وصفوا ما أحله الله بأنه حرام، ووصفوا الحرام بالحلال، فناقضوا شرع الله وخالفوه، ونسبوا ذلك إلى الله {إِنَّهُ حَكِيمٌ} حيث أمهل لهم، ومكنهم مما هم فيه من الضلال {عَلِيمٌ} بهم، لا تخفى عليه خافية، وهو تعالى يعلم بهم وبما قالوه عليه وافتروه، وهو يمهلهم جل جلاله.
ثم بين خسرانهم وسفاهة عقولهم، فقال: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي: خسروا دينهم وأولادهم وعقولهم، وصار وصفهم -بعد العقول الرزينة- السفه المردي، والضلال {وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ} أي: ما جعله رحمة لهم، وساقه رزقًا لهم، فردوا كرامة ربهم، ولم يكتفوا بذلك، بل وصفوها بأنها حرام، وهي من أحل الحلال.
وكل هذا {افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ} أي: كذبًا يكذب به كل معاند كفار {قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} أي: قد ضلوا ضلالًا بعيدًا، ولم يكونوا مهتدين في شيء من أمورهم 44.
وقد ذمهم الله سبحانه على قولهم وفعلهم، فقال تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [المائدة: 103] .
أي: ما شرع الله هذه الأشياء، ولا هي عنده قربة، ولكن المشركين افتروا ذلك، وجعلوه شرعًا لهم وقربة يتقربون بها إليه، وليس ذلك بحاصل لهم، بل هو وبال عليهم 45.
والبحيرة: ناقة يشقون أذنها، ثم يحرمون ركوبها ويرونها محترمة.
والسائبة: ناقة، أو بقرة، أو شاة، إذا بلغت شيئًا اصطلحوا عليه، سيبوها فلا تركب ولا يحمل عليها ولا تؤكل، وبعضهم ينذر شيئًا من ماله يجعله سائبة.
والحام: جمل يحمى ظهره عن الركوب والحمل، إذا وصل إلى حالة معروفة بينهم.
فكل هذه مما جعلها المشركون محرمة بغير دليل ولا برهان، وإنما ذلك افتراء على الله، وصادرة من جهلهم، وعدم عقلهم 46.
روى البخاري بسنده عن سعيد بن المسيب قال: «البحيرة: التي يمنع درها للطواغيت، فلا يحلبها أحدٌ من الناس، والسائبة: كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيءٌ» .
قال: وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت عمرو بن عامرٍ الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب) .