فخيانة الأمانة، وعدم الوفاء بالعهد من الكبائر، ومن علامة النفاق، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) 53.
وعن أنس رضي الله عنه قال: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) 54.
والمقصود أن الله مدح المؤمنين من عباده، فوصفهم بأنهم يرعون العهد، فلا يخونونه أو ينكثونه، ويحفظون الأمانة فلا يضيعونها أو يهملونها، وإنما يؤدونها إلى أهلها كاملة وافية.
وقد اعتبرت الأمانة صفة من صفات عباد الله المؤمنين من الجن والإنس.
قال تعالى على لسان أحد العفاريت الذين سخرهم لنبيه سليمان عليه السلام، عندما طلب سليمان إحضار عرش بلقيس من اليمن إليه: {قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) } [النمل 38 - 39] .
وأخبر أن الأمانة من صفات الملائكة الأبرار، ومنهم جبريل الذي نزل بالقرآن على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الأمانة من صفات الأنبياء والمرسلين الذين ائتمنهم الله على رسالته إلى خلقه، والذين هم أمناء على ما يعود بالنفع على أمتهم، حريصون على هدايتهم وإرشادهم، وكل هذا ترغيب بهذه الصفة الكريمة، وحث على الاتصاف بها.
وحسبك من رفع شأن الأمانة أن صاحبها جدير بولاية أمر المسلمين؛ لأن ولاية أمر المسلمين أمانة لهم ونصح؛ ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو كان أبو عبيدة حيًا لاستخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيك صلى الله عليه وسلم يقول 55: (إن لكل أمة أمينًا، وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح) 56.
وحسبك من رفع شأن الأمانة أن من خانها قطعت يده، ولو في ربع دينار فقط، مع أنه عرف من الشرع أن اليد فيها نصف الدية، ودية الذهب ألف دينار، فتكون دية اليد خمسمائة دينار، فكيف تؤخذ في مقابلة ربع دينار؟ وما وجه العدالة والإنصاف في ذلك؟ وهذا النوع من اعتراضات الملحدين الذين لا يؤمنون بالله ورسوله قد نظمه المعري بقوله 57:
يدٌ بخمس مئينٍ عسجدٍ وديت
ما بالها قطعت في ربع دينار؟
تناقض ما لنا إلا السكوت له
ونستعيذ بمولانا من النار
وقد رد عليه أحد الشعراء بقوله 58:
قل للمعري عارٌ أيما عار
جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عاري
يدٌ بخمس مئينٍ عسجدًا وديت
ما بالها قطعت في ربع دينار
صيانة النفس أغلاها وأرخصها
ذل الخيانة فافهم حكمة الباري