فهرس الكتاب

الصفحة 1273 من 2431

وهذا مدح من الله لأوامره ونواهيه؛ لاشتمالها على مصالح الدارين، ودفع مضارهما؛ لأن شارعها السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم بمصالح العباد ما لا يعلمون 93.

وهذا الخطاب -وإن رأى بعضهم- أنه موجه إلى الذين يحكمون وهم الحكام من ولاة وقضاة وغيرهم ممن يلون الحكم إلا أنه لا مانع من أن يكون الخطاب موجهًا إلى الأمة كلها؛ لأن الأمة العزيزة التي تتولى أمور نفسها من غير تحكم من ملك أو طاغ قاهر هي محكومة ومحكمة، فهي التي تختار حاكمها وهي في هذا محكمة، مطلوب منها العدل، فلا تختار لهوى أو لعطاء أو لمصلحة شخصية أيًا كان نوعها، وهي محكمة في حاكمها فلا تقول فيه إلا حقًا، ولا تطالبه إلا بما هو حق لا جور فيه، ولا تشتط في نقده، ولا تسكت عن نصيحته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الدين النصيحة ... ، لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) 94.

وأما الحكم بالعدل بين الناس فالنص يطلقه هكذا عدلًا شاملًا {بَيْنَ النَّاسِ} جميعًا، لا عدلًا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب، ولا عدلًا مع أهل الكتاب دون سائر الناس، وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه (إنسانًا) فهذه الصفة -صفة الناس- هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني، وهذه الصفة يلتقي عليها البشر جميعًا، مؤمنين وكفارًا، أصدقاء وأعداء، سودًا وبيضًا، عربًا وعجمًا، والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل -متى حكمت في أمرهم- هذا العدل الذي لم تعرفه البشرية قط -في هذه الصورة- إلا على يد الإسلام وإلا في حكم المسلمين وإلا في عهد القيادة الإسلامية للبشرية، والذي افتقدته من قبل ومن بعد هذه القيادة فلم تذق له طعمًا قط، في مثل هذه الصورة الكريمة التي تتاح للناس جميعًا؛ لأنهم (ناس) لا لأية صفة أخرى زائدة عن هذا الأصل الذي يشترك فيه الناس!

وهذا هو أساس الحكم في الإسلام، كما أن الأمانة -بكل مدلولاتها- هي أساس الحياة في المجتمع الإسلامي، والتعقيب على الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل هو التذكير بأنه من وعظ الله سبحانه وتوجيهه، ونعم ما يعظ الله به ويوجه ... ، ثم إنها لم تكن (عظة) إنما كانت (أمرًا) ولكن التعبير يسميه عظة؛ لأن العظة أبلغ إلى القلب، وأسرع إلى الوجدان، وأقرب إلى التنفيذ المنبعث عن التطوع والرغبة والحياء! 95.

وحديث القرآن عن وجوب إقامة العدل، ودفع الظلم، حديث مستفيض.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النحل:90] .

وقال تعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} [ص:26] .

وقال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام:152] .

وقال تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا} [المائدة:8] .

ثم إن قوله: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} يشمل الحكم بينهم في الدماء، والأموال، والأعراض، القليل من ذلك والكثير، على القريب والبعيد، والبر والفاجر، والولي والعدو.

والمراد بالعدل الذي أمر الله بالحكم به: هو ما شرعه الله على لسان رسوله من الحدود والأحكام، وهو فصل الحكومة على ما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا الحكم بالرأي المجرد، فإن ذلك ليس من الحق في شيء، إلا إذا لم يوجد دليل تلك الحكومة في كتاب الله ولا في سنة رسوله فلا بأس باجتهاد الرأي من الحاكم الذي يعلم بحكم الله سبحانه، وبما هو أقرب إلى الحق عند عدم وجود النص، وأما الحاكم الذي لا يدري بحكم الله ورسوله، ولا بما هو أقرب إليهما، فهو لا يدري ما هو العدل؛ لأنه لا يعقل الحجة إذا جاءته، فضلًا عن أن يحكم بها بين عباد الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت