من آثار أداء الأمانة الحصول على رحمة الله ومغفرته للأفراد والجماعات، فالعقبى الحميدة، والنهاية الرشيدة لمن يوفي الأمانة حقها، ويرعى لها مكانتها، فمن أدى الأمانة استحق من الله الرحمة والغفران، والثواب الجزيل، ومن لم يؤدها بل خانها استحق العقاب الوبيل، وصار خائنًا لله وللرسول ولأمانته، منقصًا لنفسه بكونها اتصفت بأخس الصفات، وأقبح السمات وهي الخيانة، مفوتًا لها أكمل الصفات وأتمها، وهي الأمانة.
وقد رتب الله على أداء الأمانات، والقيام بحقوقها أعظم الثواب، فقال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون:8 - 11] .
فذكر الله في هذه الآيات صفات المؤمنين، الذين يرثون الفردوس، وهي أعلى منازل الجنة، ومن هذه الصفات أنهم يؤدون الأمانة، ويوفون بالعهد، فبين جزاءهم بقوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ} وهذا الجزاء بسبب ما اتصفوا من هذه الصفات.
وذكر في بداية هذه السورة أن هؤلاء الموصوفين بهذه الصفات التي منها حفظ الأمانة مفلحون، فقال: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:1] .
وغاية ما يطلبه المؤمنون هو الفلاح في الدنيا والآخرة، وليس بعدها غاية تمتد إليها عين أو خيال.
وفي هذا تنويه من الله بذكر عباده المؤمنين، وذكر فلاحهم وسعادتهم، وبأي شيء وصلوا إلى ذلك، وفي ضمن ذلك الحث على الاتصاف بصفاتهم، والترغيب فيها، فليزن العبد نفسه وغيره على هذه الآيات، يعرف بذلك ما معه، وما مع غيره من الإيمان، زيادة ونقصًا، كثرة وقلة.
ثم قال: {أُولَئِكَ} أي: الموصوفون بتلك الصفات {هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ} الذي هو أعلى الجنة ووسطها وأفضلها؛ لأنهم حلوا من صفات الخير أعلاها وذروتها، أو المراد بذلك: جميع الجنة؛ ليدخل بذلك عموم المؤمنين على درجاتهم ومراتبهم، كل بحسب حاله {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} لا يظعنون عنها، ولا يبغون عنها حولًا؛ لاشتمالها على أكمل النعيم وأفضله وأتمه، من غير مكدر ولا منغص.
والمقصود أن جزاء الأمانة عند الله عز وجل في الآخرة النعيم المقيم، والنجاة من العذاب الأليم.
وفي موضع آخر أخبر الله تبارك وتعالى أن الملتزمين بالأمانة في جنات مكرمون، فقال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المعارج:32] .
ثم قال: {أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} [المعارج: 35] .
وقال تعالى: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ} [الرعد:20] .
إلى أن قال: {أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ} [الرعد:22 - 23] .
فالله تبارك وتعالى هنا عدد صفات المؤمنين، وذكر من ضمنها الوفاء بالعهد، والمحافظة على الميثاق، والعهد والميثاق من الأمانات، والعهد يفهم منه أن الإنسان لن يكون مؤمنًا حق الإيمان ولن ينال الأجر الكبير، ولن يدخل جنات النعيم، ويكرم معه أهله حتى يكون أمينًا، ملتزمًا بشرع الله التزامًا شاملًا، من دون نقصان.
فالذين تحملوا الأمانة، وقاموا بها وجدوا واجتهدوا في تحقيقها هم أهل الإيمان، وأهل كرامة الله تبارك وتعالى في الدنيا والآخرة.