فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 2431

قال ابن عاشور: «وعلم من قوله: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ} أن كراهة أكثرهم للحق ناشئة عن كون الحق مخالفًا أهواءهم، فسجل عليهم أنهم أهل هوى، والهوى شهوةٌ ومحبةٌ لما يلائم غرض صاحبه» 125.

وحين يكثر الفساد؛ يكون ذلك سبب طبع الله على قلوب العباد، ألم يقل الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) } [محمد: 16]

يتعجب المرء من فعل هؤلاء القوم، فيأتيه الجواب مباشرة: إن سبب ذلك؛ طبع الله على قلوبهم نتيجة اتباع الهوى.

قال ابن سعدي: «أي: ختم عليها، وسد أبواب الخير التي تصل إليها بسبب اتباعهم أهواءهم التي لا يهوون فيها إلا الباطل» 126.

2.التكذيب والضلال.

إن من عواقب الاتباع المذموم أنه يؤدي إلى التكذيب، فهو علةٌ له، والتكذيب مؤدٍ إلى الضلال لا محالة؛ لأن المرء حين يكذب الحق فسوف يضل بلاشك.

قال تعالى: {وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [القمر: 3] .

فالآية تثبت أن القوم كذبوا، وهذا التكذيب «لا دافع لهم إليه إلا اتباع ماتهواه أنفسهم من بقاء حالهم على ما ألفوه وعهدوه واشتهر دوامه» 127، وإلا فقد ظهر لهم من البراهين والحجج القواطع على يديه مايدل على صدق نبوته وأن الواجب الإيمان به واتباع دعوته، ولذلك؛ جاء في موضعٍ آخر تأكيد هذا الأمر، وهو أن اتباع الهوى مؤدٍ إلى التكذيب.

فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعدم اتباع أهواء الذين كذبوا.

فقال تعالى {فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150) } [الأنعام: 150] .

إن هذا الهوى - وكما ظهر - أنه أدى إلى التكذيب وإنكار البعث وأدى إلى الشرك، وهذا عين الضلال.

قال تعالى: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) } [الأنعام: 56] .

وقد أكد النهي عن اتباع الهوى بقوله: {قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا} ، فإنه إن اتبعتكم على أهوائكم فلاشك أنني ضال، «وتقديم جواب (إذًا) على (إذًا) في هذه الآية للاهتمام بالجواب، ولذلك الاهتمام أكد بـ (قد) مع كونه مفروضًا، وليس بواقع، للإشارة إلى أن وقوعه محقق لو تحقق الشرط المقدر الذي دلت عليه إذًا» 128.

3.الحرمان من ولاية الله.

باديء ذي بدء؛ يمكن القول: إن الله جعل ولاية أتباع الباطل وسلطانهم مقرونة بالشياطين.

فقال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) } [الأعراف: 27] .

وحين يتولى الشيطان الإنسان؛ يوقعه في سوء عمله.

لكن ذلك فحسب؛ بل إنه نزع ولايته سبحانه وسلطانه عن متبعي أهواء المبطلين، ومتبعي غير الحق.

يقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) } [البقرة: 120] .

ويقول تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37) } [الرعد: 37] .

إن الأمر في الآيتين للرسول صلى الله عليه وسلم وللأمة من باب الأولى، بالتحذير من اتباع الهوى، وحين يستبدل المؤمن الهوى بالهدى؛ فهذا مؤذنٌ بنزع ولاية الله عنه.

قال الطبري: «ليس لك من وليٍ يلي أمرك، وقيمٍ يقوم به، ولا نصيرٍ ينصرك من الله، فيدفع ماينزل بك من عقوبته ويمنعك من ذلك إن أحل بك ذلك ربك» 129.

ويرى ابن عاشور أن هذه الجملة أكدت بعشر مؤكدات 130. وقد أفادت هذه المؤكدات عظم التحذير وخطورته.

وكما نزع عنهم الولاية في الآية الأولى؛ نزع عنهم الوقاية من العذاب في الثانية، وعلى المرء أن لا يأمن بعد ذلك مكر الله، فإنه إن تنزع عنه ولاية الله؛ تنزع عنه وقايته من العذاب.

4.الاحتكام إلى الهوى.

حين يحدث كل الذي سبق؛ يصبح المرء أسيرًا لهواه وشهوته، يسبر معها كيف سارت، ويدور معها حيث دارت، وهنا يحدث الفساد؛ لأن الهوى هو الذي يسير الناس.

يقول الله تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) } [هود: 116] .

تحكي الآية صنفًا من الناس ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يقرب إلى الآخرة، واشتغل بالمال والملذات وأمور الدنيا والرئاسة، وعند ذلك لم ينفعهم نصح الناصحين ولا وجود المصلحين؛ لأنهم ساروا خلف أهوائهم التي عبرت عنها الآية بـ {مَا أُتْرِفُوا فِيهِ} ، وكان هذا الأمر سببًا في استئصالهم، وتأمل قوله: {وَاتَّبَعَ} إذ يعني: الانقطاع للترف، والإقبال عليه، إقبال المتبع لمتبوعه 131.

5.التخاصم.

وكل الذي ذكرته آنفًا؛ إنما هو في الدنيا، أما في الآخرة؛ فإن ظاهرة التخاصم بين المتبوعين وأتباعهم واضحة جلية، ذكرها القرآن في مواضع كثيرة على شكل حوار بين الضعفاء والمستكبرين تارة، وبين القرناء وقرنائهم أخرى، وبين أول من يدخل النار وآخر من يدخلها ثالثة.

ولنتأمل هذا الحوار: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21) } [إبراهيم: 21] .

لاشك أن صدق المتبوعين قد وضع على المحك في هذا الموقف؛ لأنه سوف يظهر هزالهم وافتضاح أمرهم، وخجلهم أمام أتباعهم، وانظر إلى مذلة الأتباع أمام متبوعيهم، حتى في هذا الموقف الذي تنقطع فيه الوشائج والصلات تجدهم يقولون: {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} ، فهم يظهرون تبعيتهم لهم، ليكون ذلك أدعى لشفاعتهم لهم عند الله، وما دروا أن كبراءهم بحاجة إلى من يشفع لهم، وهم مشغولون عنهم بما هم فيه من العذاب، عندها يجيب الكبراء: {لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} ، فهم يعتذرون لأتباعهم بأنهم لو استطاعوا النفع لنفعوا أنفسهم، أما وإنهم لم يستطيعوا ذلك؛ فإنهم لن يقدروا على نفع غيرهم، وهذا الاعتراف من السادة يدل على قدر من الذل والهوان، {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} فإن العذاب واقعٌ لامحالة، ولايغني عنه الجزع والصبر.

ولم تكف الخصومة في الموقف؛ بل أعادوها في النار، حيث نجد كلًا من الفريقين يدلي بحجته؛ لعلها تنقذه من النار: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) } [غافر: 47 48] .

إن اللجوء إلى الكبراء في مثل هذا الموقف يدل على طبيعة قد تأصلت في الأتباع، حيث إنهم يلجؤون إليهم في ملمات الأمور ومهماتها، فيقفون معهم؛ عندها ظنوا أنهم سيقفون معهم هنا، فكان الرد صاعقًا: {إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ} ، وجملة {إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ} «تتنزل بمنزلة بدل الاشتمال من جملة {إِنَّا كُلٌّ فِيهَا} ، فكلتا الجملتين جوابٌ لهم مؤيسٌ من حصول التخفيف عنهم، والمعنى: نحن مستورون في العذاب، وهو حكم الله، فلا مطمع في التفصي من حكمه، فقد جوزي كل فريق بما يستحق» 132.

6.التبرؤ.

هذا الأثر مبنيٌ على سابقه ونتيجة طبيعية له، فإنه لا تكفي الخصومة، وحين تحدث الخصومة؛ يحدث التبرؤ، ويرمي كل فريق على الآخر بالتهمة ظانًا منه أنه سوف يسلم منها، وستكون له حجة أمام الله تعالى، فضلًا عن تبرئه من العمل أصلًا.

وقد صور القرآن مشاهد كثيرة في ذلك، ومنها قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) } [البقرة: 166 - 167] .

لقد حدثت الخصومة وعاين القوم العذاب، وكان للفريقين، فلم يخص أحد دون الآخر بشيء، وعند ذلك تبرأ المتبوعون من الأتباع، وتنصلوا من جميع الوعود التي وعدوهم إياها، ولعل سبب التبرؤ تقطع الأسباب، وذلك أن «الآيس من كل وجه يرجو به الخلاص مما نزل به وبأوليائه من البلاء؛ يوصف بأنه تقطعت به الأسباب» 133، لأنه خاب أمل القوم، ولم يتوقعوا ذلك من متبوعيهم، كما أن المتبوعين لم يحسبوا حسابًا لهذا العذاب والنكال.

إن هذه الثمرة هي ثمرة العلائق التي قامت على الباطل، فقد رأوا أعمالهم حسرات، وخلدوا في نار جهنم.

وقريب من ذلك {كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) } [مريم: 82] .

وقوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6) } [الأحقاف: 5 6] .

وغيرها كثير.

وكما عرضت لنموذج الخصومة الجماعية والتبرؤ الجماعي، فثمة نموذج للتبرؤ الفردي، وهو تبرؤ الشيطان من أتباعه الذين أغواهم وأضلهم، ثم حين يشاهد عذابهم يوم القيامة؛ فإنه يتبرأ منهم، ويلقي باللائمة عليهم، ويبرز لهم عدم قدرته على نفعهم في هذا الحال، قال تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) } [إبراهيم: 22] .

فبعد تلك الخصومة والتبرؤ؛ يقوم الشيطان الذي هو أصل كل فساد خطيبًا في أتباعه يوم القيامة بعد أن حقق ما يصبو إليه، وضمن دخولهم جنة، فيتحدث إليهم ويزيدهم حسرة وهمًا على حسرتهم وهمهم، وتبدو صورتهم مثيرة للاشمئزاز، وصورته واضحة أمامهم قائلًا: {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} ، فقد بين لكم الطريق في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وأظهر لكم أن ثمة جزاءً وحسابًا، وجنة للمطيع وعذابًا للعاصي، فصدقكم، ووعدتكم فأخلفتكم، ولكن الخطأ خطؤكم، حين اتبعتموني واستجبتم لوساوسي! {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

كانت هذه كلمات الشيطان لهم، في الوقت الذي يقوم نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم فيشفع للأمة بإخراجها من النار، أو تخفيف العذاب عن العصاة.

7.حبوط العمل:

بعد كل ما مضى من اتباع طرق الباطل والهوى، والبعد عن طريق الحق والهدى، ماذا نتوقع أن تكون النتيجة؟ ليست إلا سخط الله تعالى، وحبوط أعمالهم، قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28) } [محمد: 28] .

هذا الأثر نتيجة حتمية لأعمال هؤلاء القوم؛ لأن حبوط العمل يعني: الخسران في الآخرة، وماذا يبقى للمرء بعد حبوط عمله؟ وبمن يستغيث؟ إنه والحالة هذه ليس أمامه سوى العاقبة الأخيرة من عواقب الاتباع المذموم، ألا وهي:

8.الحسرة والندم.

هذا الذي تبقى لهم، مع أنه لن يغني عنهم من الله شيئًا، لكنه محاولة لإلهاء النفس عما أحاط بها من العذاب، ومحاولة لتسويغ الماضي سيء الذكر، ولذلك فقد نقل لنا القرآن تحسرهم وندمهم في مواضع كثيرة، منها: قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29) } [الفرقان: 27 29] .

لقد وصل التحسر والندم بهذا الرجل الظالم درجة بلغت أن يعض على يديه من شدة ندمه على مافات، حين ترك اتباع طريق الرسول صلى الله عليه وسلم، واتبع بعض قرناء السوء من شياطين الإنس والجن الذين أضلوه وصدوه عن ذكر الله.

والعض: «عبارة عن الندم لما جرى به عادة الناس أن يفعلوه عند ذلك» 134.

ولا شك أن ظاهر الآية وسبب النزول يوحيان بأن المقصود شخصٌ واحدٌ، إلا أن الأولى تعميمه في كل من هذه حاله، كما رجحه ثلة من المفسرين.

يقول الرازي: «كما بينا أن الظلم غير مخصوص بشخص واحد، بل يعم جميع الظَلَمَة؛ فكذا المراد بقوله: (فلانًا) ليس شخصًا واحدًا، بل كل من أطيع في معصية الله» 135.

والحاصل: ندم هؤلاء القوم على عدم متابعتهم الرسول صلى الله عليه وسلم متابعة توصلهم إلى النجاة لو لزموها، وهذا كافٍ في إبراز مدى العقوبة التي سوف تحل بكل ما من هذه شأنه.

موضوعات ذات صلة:

الأبوة، التقليد، الشيطان، القدوة، الهوى، الوحي

1 مقاييس اللغة، ابن فارس، 1/ 362.

2 لسان العرب، ابن منظور، 8/ 27.

3 موسوعة أخلاق القرآن، الشرباصي 5/ 138.

4 انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 149 - 153، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب التاء ص 360 - 363.

5 انظر: الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان، ص 155 - 156، المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 162، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص 85 - 86، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 2/ 293.

6 انظر: مجمع بحار الأنوار، الكجراتي 1/ 59، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 8/ 635، مختار الصحاح، الرازي ص 18.

7 تهذيب اللغة، الأزهري 13/ 95.

8 تفسير غريب ما في الصحيحين، الحميدي ص 43.

9 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 51، الكليات، الكفوي ص 114.

10 مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 431.

11 التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور 9/ 303.

وانظر للمزيد: الفروق اللغوية، العسكري ص 334، الحدود الأنيقة، زكريا الأنصاري ص 77.

12 انظر مقال: تفنيد زعم القرآنيين بأنه لا طاعة للنبي، ممدوح أحمد فؤاد، موقع رابطة أدباء الشام.

13 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/ 169.

14 جامع البيان، الطبري 25/ 146.

15 بدائع التفسير، ابن القيم 4/ 147.

16 انظر: روح المعاني، الألوسي 11/ 201، تيسير الكريم الرحمن، السعدي 3/ 187.

17 فتح القدير، الشوكاني 4/ 260.

18 روح المعاني، الألوسي 7/ 156.

19 التحرير والتنوير، ابن عاشور 7/ 243.

20 الكشاف، الزمخشري 2/ 111.

21 تيسير الكريم الرحمن، السعدي 3/ 67.

22 المحرر الوجيز، ابن عطية 15/ 14.

23 تفسير القرآن العظيم 1/ 366.

24 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 15/ 26.

25 أنوار التنزيل، البيضاوي 3/ 38.

26 تيسير الكريم الرحمن، السعدي 1/ 192.

27 التحرير والتنوير 16/ 290.

28 أخرجه أحمد في مسنده، 1/ 435 - 465، وأخرجه الحاكم في مستدركه، 2/ 318.

قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ولم يتعقبه الذهبي.

29 التحرير والتنوير، ابن عاشور 5/ 173.

30 معالم التنزيل، البيضاوي 2/ 189.

31 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7/ 93.

32 تيسير الكريم الرحمن، السعدي 2/ 234.

33 جامع البيان، الطبري 5/ 163.

34 مجموع فتاوى ابن تيمية 4/ 26.

35 أخرجه البخاري من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما، كتاب فضائل أصحاب النبي، باب فضائل أصحاب النبي، رقم 3650.

36 أضواء البيان، الشنقيطي 2/ 474.

37 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 136.

38 انظر: إعلام الموقعين، ابن القيم 4/ 123 - 152.

39 مجموع فتاوى ابن تيمية 12/ 253.

40 بدائع التفسير، ابن القيم 3/ 477.

41 تفسير القرآن العظيم 3/ 454.

42 إعلام الموقعين 4/ 130.

43 تيسير الكريم الرحمن، السعدي 6/ 78.

44 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/ 496.

45 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 9/ 126.

46 مفاتيح الغيب، الرازي 18/ 111.

47 التحرير والتنوير، ابن عاشور 12/ 273.

48 بدائع التفسير، ابن القيم 4/ 262.

49 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 259.

50 أخرجه أحمد في مسنده، 2/ 509، وابن ماجه في سننه، كتاب الأدب، باب بر الوالدين، رقم 3660.

وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، رقم 2953.

51 جامع البيان، الطبري 3/ 239.

52 أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى عليه السلام، رقم 2366.

53 المفردات، ص 455.

54 جامع البيان 28/ 51.

55 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 853.

56 بدائع التفسير 3/ 338.

57 التحرير والتنوير، ابن عاشور 17/ 192.

58 أخرجه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس، وأن مع كل إنسان قرينًا، رقم 2812.

59 شرح صحيح مسلم، النووي 17/ 157.

60 انظر: ما أخرجه مسلم عن جابر أيضًا في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس، وأن مع كل إنسان قرينًا، رقم 2813.

61 تفسير القرآن العظيم 1/ 482.

62 أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب لايتناجى اثنان دون الثالث، رقم 6288.

63 التحرير والتنوير، ابن عاشور 15/ 80.

64 تفسير المنار، محمد رشيد رضا 10/ 226.

65 المفردات، الراغب ص 57.

66 الاعتصام، الشاطبي 1/ 164.

67 مفاتيح الغيب، الرازي 25/ 134.

68 التحرير والتنوير، ابن عاشور 8/ 82.

69 المفردات، الراغب، ص 776.

70 روح المعاني 15/ 76.

71 المفردات، الراغب، ص 183.

72 المصدر السابق، ص 590.

73 الكشاف، الزمخشري 2/ 233.

74 دلائل الإعجاز، الجرجاني، وقد توسع في ذلك، ص 182 - 185.

75 المفردات، الراغب، ص 849.

76 التعريفات، الجرجاني ص 257.

77 مجموع فتاوى ابن تيمية 3/ 384.

78 أضواء البيان، الشنقيطي، 7/ 25.

79 مفاتيح الغيب، الرازي 26/ 175.

80 جامع البيان 5/ 321.

81 تفسير القرآن العظيم 3/ 152.

82 المصدر السابق.

83 مفاتيح الغيب، الرازي 24/ 75.

84 الكشاف 3/ 439.

85 المفردات، ص 539.

86 الكليات، الكفوي، ص 594.

87 جامع البيان، الطبري 8/ 79.

88 المحرر الوجيز، ابن عطية 6/ 136.

89 مفاتيح الغيب، الرازي 13/ 133.

90 الجامع لأحكام القرآن 11/ 82.

91 أضواء البيان، الشنقيطي، 4/ 310.

92 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 5/ 21.

93 الكليات، الكفوي، ص 176 - 181.

94 التحرير والتنوير، ابن عاشور 25/ 348.

95 نظم الدرر، البقاعي، 7/ 329.

96 الكشاف 2/ 48.

97 دلائل الإعجاز، الجرجاني، ص 119.

98 جامع البيان، الطبري، 5/ 297.

99 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 1/ 572.

100 التحرير والتنوير، ابن عاشور 16/ 293.

101 المرجع السابق.

102 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 55.

103 الاستقامة، ابن تيمية، 1/ 277.

104 دلائل الإعجاز، ص (174) .

105 انظر: المنهاج الواضح للبلاغة، حامد عوني، 2/ 103.

106 التحرير والتنوير، 9/ 87.

107 مفاتيح الغيب، الرازي، 11/ 150.

108 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 6/ 151.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت