فهرس الكتاب

الصفحة 1390 من 2431

وقال الشنقيطي رحمه الله: «أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة: أن يصبر نفسه، أي: يحبسها مع المؤمنين الذي يدعون ربهم أول النهار وآخره، مخلصين له، لا يريدون بدعائهم إلا رضاه جل وعلا، وقد نزلت هذه الآية الكريمة في فقراء المهاجرين كعمار، وصهيب، وبلال، وابن مسعود ونحوهم، لما أراد صناديد الكفار من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطردهم عنه، ويجالسهم بدون حضور أولئك الفقراء المؤمنين، وأن الله كما أمره هنا بأن يصبر نفسه معهم أمره بألا يطردهم، وأنه إذا رآهم يسلم عليهم، وذلك في قوله: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} الآية [الأنعام: 52] » 50.

وقال الله تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] .

قال الطبري رحمه الله: «وقوله: {فَاعْبُدْهُ} يقول: فالزم طاعته، وذل لأمره ونهيه {وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} يقول: واصبر نفسك على النفوذ لأمره ونهيه، والعمل بطاعته؛ تفز برضاه عنك، فإنه الإله الذي لا مثل له، ولا عدل، ولا شبيه في جوده وكرمه وفضله» 51.

وقال القرطبي رحمه الله في قوله: {وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} : «أي: لطاعته، ولا تحزن لتأخير الوحي عنك، بل اشتغل بما أمرت به، وأصل اصطبر: اصتبر؛ فثقل الجمع بين التاء والصاد؛ لاختلافهما؛ فأبدل من التاء طاء» 52.

وقال ابن عاشور: «والخطاب في {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ} للنبي صلى الله عليه وسلم، والاصطبار: شدة الصبر على الأمر الشاق؛ لأن صيغة الافتعال ترد لإفادة قوة الفعل، وكان الشأن أن يعدى الاصطبار بحرف على كما قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132] .

ولكنه عدي هنا باللام؛ لتضمينه معنى الثبات، أي اثبت للعبادة؛ لأن العبادة مراتب كثيرة من مجاهدة النفس، وقد يغلب بعضها بعض النفوس؛ فتستطيع الصبر على بعض العبادات دون بعض منها، قال النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العشاء: (هي أثقل صلاة على المنافقين) 53، فلذلك لما أمر الله رسوله بالصبر على العبادة كلها، وفيها أصناف جمة تحتاج إلى ثبات العزيمة، نزل القائم بالعبادة منزلة المغالب لنفسه؛ فعدي الفعل باللام كما يقال: اثبت لعداتك» 54.

وقال السمرقندي رحمه الله: « {فَاعْبُدْهُ} أي: أطعه، {وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} يعني: احبس نفسك على عبادته» 55.

وقال البغوي رحمه الله: «أي: اصبر على أمره ونهيه» 56.

وقال القشيري: بأن الاصطبار نهاية الصبر، وأن من صبر ظفر، ومن لازم وصل 57.

وقال ابن سعدي رحمه الله: « {وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} أي: اصبر نفسك عليها وجاهدها، وقم عليها أتم القيام وأكملها، بحسب قدرتك، وفي الاشتغال بعبادة الله تسلية للعابد عن جميع التعلقات والمشتهيات» 58.

وقال الله تعالى: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} [طه: 130] .

وقال: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق: 39] .

يقول الطبري رحمه الله: «يقول جل ثناؤه لنبيه: {فَاصْبِرْ} يا محمد على ما يقول هؤلاء المكذبون بآيات الله من قومك لك إنك ساحر، وإنك مجنون وشاعر ونحو ذلك من القول» 59.

وقال القرطبي رحمه الله: «قوله تعالى: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أمره بالصبر على ما يقوله المشركون، أي: هَوِنْ أمرهم عليك، وقيل: معناه: فاصبر على ما يقوله اليهود من قولهم: إن الله استراح يوم السبت» 60.

وقال أبو حيان رحمه الله: «أمره تعالى بالصبر على ما يقول مشركو قريش، وهم الذين عاد الضمير عليهم في {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} [طه: 128] .

وكانوا يقولون أشياء قبيحة مما نص الله عنهم في كتابه، فأمره تعالى بالصبر على أذاهم والاحتمال لما يصدر من سوء أخلاقهم، وأمره بالتسبيح والحمد لله، و {بِحَمْدِ رَبِّكَ} في موضع الحال، أي وأنت حامد لربك» 61.

قال ابن سعدي رحمه الله: «هذا تسلية للرسول، وتصبير له عن المبادرة إلى إهلاك المكذبين المعرضين، وأن كفرهم وتكذيبهم سبب صالح لحلول العذاب بهم، ولزومه لهم؛ لأن الله جعل العقوبات سببًا وناشئًا عن الذنوب، ملازمًا لها، وهؤلاء قد أتوا بالسبب، ولكن الذي أخره عنهم كلمة ربك، المتضمنة لإمهالهم وتأخيرهم، وضرب الأجل المسمى، فالأجل المسمى ونفوذ كلمة الله، هو الذي أخر عنهم العقوبة إلى إبَان وقتها، ولعلهم يراجعون أمر الله؛ فيتوبَ عليهم، ويرفع عنهم العقوبة، إذا لم تحقَ عليهم الكلمة، ولهذا أمر الله رسوله بالصبر على أذيتهم بالقول، وأمره أن يتعوض عن ذلك، ويستعين عليه بالتسبيح بحمد ربه، في هذه الأوقات الفاضلة، قبل طلوع الشمس وغروبها، وفي أطراف النهار، أوله وآخره، عموم بعد خصوص، وأوقات الليل وساعاته، لعلك إن فعلت ذلك؛ ترضى بما يعطيك ربك من الثواب العاجل والآجل، وليطمئن قلبك، وتقر عينك بعبادة ربك، وتتسلى بها عن أذيتهم؛ فيخف حينئذ عليك الصبر» 62.

وقال الله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132] .

يقول الطبري رحمه الله: «قوله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَأْمُرْ} يا محمد {أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} يقول: واصطبر على القيام بها، وأدائها بحدودها أنت {لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا} يقول: لا نسألك مالًا، بل نكلفك عملًا ببدنك، نؤتيك عليه أجرًا عظيمًا، وثوابًا جزيلًا يقول: {نَحْنُ نَرْزُقُكَ} نحن نعطيك المال ونُكْسِبَكَهُ، ولا نسألُكَه، وقوله: {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} يقول: والعاقبة الصالحة -مِن عملِ كلِ عاملٍ- لأهل التقوى والخشية من الله، دون من لا يخاف له عقابًا، ولا يرجو له ثوابًا» 63.

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «أي: اسْتَنْقِذْهم من عذاب الله؛ بإقام الصلاة، واصطبر أنت على فعلها، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6] » 64.

وقد ورد الثناء على إسماعيل عليه الصلاة والسلام لأمره أهله بالصلاة، كما في قوله سبحانه: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم: 54 - 55] .

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن ينذر عشيرته وقرابته، كما في قوله سبحانه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] .

وأمر سبحانه بوقاية النفس والأهل من نار جهنم، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ} الآية [التحريم: 6] .

قال ابن كثير رحمه الله: «أي: مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، ولا تدعوهم هملا فتأكلهم النار يوم القيامة» 65.

وقال البغوي رحمه الله: « {وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} أي اصبر على الصلاة؛ فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر» 66.

وقال السمرقندي رحمه الله في قوله: «يعني: اصبر على ما أصابك فيها من الشدة» 67.

وقد تقدم كلام ابن عاشور رحمه الله على الآية كما في قوله: {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} في سورة مريم.

قال ابن سعدي رحمه الله: « {وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} أي: على الصلاة بإقامتها، بحدودها وأركانها وآدابها وخشوعها، فإن ذلك شاق على النفس، ولكن ينبغي إكراهها وجهادها على ذلك، والصبر معها دائمًا، فإن العبد إذا أقام صلاته على الوجه المأمور به، كان لما سواها من دينه أحفظ وأقوم، وإذا ضيعها كان لما سواها أضيع، ثم ضمن تعالى لرسوله الرزق، وأن لا يشغله الاهتمام به عن إقامة دينه، فقال: {نَحْنُ نَرْزُقُكَ} أي: رزقك علينا قد تكفلنا به، كما تكفلنا بأرزاق الخلائق كلهم، فكيف بمن قام بأمرنا، واشتغل بذكرنا؟! ورزق الله عام للمتقي وغيره، فينبغي الاهتمام بما يجلب السعادة الأبدية، وهو: التقوى، ولهذا قال: {وَالْعَاقِبَةُ} في الدنيا والآخرة {لِلتَّقْوَى} التي هي فعل المأمور، وترك المنهي، فمن قام بها، كان له العاقبة، كما قال تعالى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] » 68.

وقال الله تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الروم: 60] .

وقال: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [غافر: 55] .

{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [غافر: 77] .

قال الطبري رحمه الله: «وقوله: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فاصبر يا محمد لأمر ربك، وانفذ لما أرسلك به من الرسالة، وبلِغ قومك ومن أمرت بإبلاغه ما أنزل إليك، وأيقن بحقيقة وعد الله الذي وعدك من نصرتك، ونصرة من صدقك وآمن بك، على من كذبك، وأنكر ما جئته به من عند ربك، وإن وعد الله حق لا خلف له، وهو منجز له {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} يقول: وسله غفران ذنوبك، وعفوه لك عنها، {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} يقول: وصل بالشكر منك لربك {بِالْعَشِيِّ} وذلك من زوال الشمس إلى الليل {وَالْإِبْكَارِ} وذلك من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، وقد وجه قوم الإبكار إلى أنه من طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى، وخروج وقت الضحى، والمعروف عند العرب القول الأول» 69.

وقال رحمه الله: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فاصبر يا محمد على ما يجادلك به هؤلاء المشركون في آيات الله التي أنزلناها عليك، وعلى تكذيبهم إياك، فإن الله منجِز لك فيهم ما وعدك من الظفر عليهم، والعلو عليهم، وإحلال العقاب بهم، كسنتنا في موسى بن عمران ومن كذبه {فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ} ، يقول جل ثناؤه: فإما نرينك يا محمد في حياتك بعض الذي نعد هؤلاء المشركين، من العذاب والنقمة أن يحل بهم {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} قبل أن يَحِلَ ذلك بهم {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} يقول: فإلينا مصيرك ومصيرهم؛ فنحكم عند ذلك بينك وبينهم بالحق بتخليدنا هم في النار، وأكرمناك بجوارنا في جنات النعيم» 70.

وقال ابن كثير رحمه الله: «أي: اصبر على مخالفتهم وعنادهم، فإن الله تعالى منجز لك ما وعدك من نصره إياك، وجعله العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة» 71.

وقال القرطبي رحمه الله في قوله: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} : «أي: اصبر على أذاهم فإن الله ينصرك {وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ} أي: لا يستفزنك عن دينك، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته يقال: استخف فلان فلانا أي: استجهله حتى حمله على اتباعه في الغي، وهو في موضع جزم بالنهي، أكد بالنون الثقيلة؛ فبني على الفتح، كما يبنى الشيئان إذا ضم أحدهما إلى الآخر» 72.

وحذف متعلق الأمر بالصبر لدلالة المقام عليه، أي اصبر على تعنتهم، وجملة {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} تعليل للأمر بالصبر، وهو تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم بتحقيق وعد الله من الانتقام من المكذبين ومن نصر الرسول عليه الصلاة والسلام، والحق: مصدر حَقَ يَحِق بمعنى ثبت، فالحق: الثابت الذي لا ريب فيه ولا مبالغة، والاستخفاف: مبالغة في جعله خفيفًا، فالسين والتاء للتقوية مثلها في نحو: استجاب واستمسك، وهو ضد الصبر.

والمعنى: لا يحملنك على ترك الصبر، والخفة مستعارة لحالة الجزع وظهور آثار الغضب» 73.

وقال الشوكاني رحمه الله: «ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على الأذى فقال: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} أي: اصبر على أذى المشركين كما صبر من قبلك من الرسل؛ إن وعد الله الذي وعد به رسله حق لا خلف فيه، ولا شك في وقوعه كما في قوله: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا} [غافر: 51] .

وقوله: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171 - 173] » 74.

وقال الله تعالى: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17] .

قال الطبري رحمه الله: « {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} يقول: واصبر على ما أصابك من الناس في ذات الله، إذا أنت أمرتهم بالمعروف، ونهيتهم عن المنكر، ولا يصدنك عن ذلك ما نالك منهم {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} يقول: إن ذلك مما أمر الله به من الأمور عزما منه» 75.

وقال القرطبي رحمه الله في هذه الآية ثلاث مسائل: «الثانية: قوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} يقتضي حضًا على تغيير المنكر -وإن نالك ضرر-، فهو إشعار بأن المغير يؤذى أحيانًا، وهذا القدر على جهة الندب والقوة في ذات الله، وأما على اللزوم، فلا، وقيل: أمره بالصبر على شدائد الدنيا كالأمراض وغيرها، وألا يخرج من الجزع إلى معصية الله عز وجل، وهذا قول حسن؛ لأنه يعم، الثالثة: قوله تعالى: {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} قال ابن عباس: من حقيقة الإيمان الصبر على المكاره، وقيل: إن إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من عزم الأمور، أي: مما عزمه الله، وأمر به، قاله ابن جريج، ويحتمل أن يريد أن ذلك من مكارم الأخلاق وعزائم أهل الحزم السالكين طريق النجاة، وقول ابن جريج أصوب» 76.

وقال البغوي رحمه الله: « {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} يعني من الأذى، {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} يريد الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى فيهما، من الأمور الواجبة التي أمر الله بها، أو من الأمور التي يُعْزم عليها لوجوبها» 77.

وقال الماوردي في قوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} : «يحتمل وجهين:

أحدهما: على ما أصابك من الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الثاني: على ما أصابك من البلوى في نفسك أو مالك.

{إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} فيه ثلاثة أوجه:

أحدها: ما أمر الله به من الأمور.

الثاني: من ضبط الأمور، قاله المفضل.

الثالث: من قطع الأمور» 78.

وقال الله تعالى: {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 6] .

قال البغوي رحمه الله: «أي: انطلقوا من مجلسهم الذي كانوا فيه عند أبي طالب، يقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على آلهتكم، أي: اثبتوا على عبادة آلهتكم، {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} أي: لأمر يراد بنا، وذلك أن عمر لما أسلم وحصل للمسلمين قوة بمكانه قالوا: إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لشيء يراد بنا» 79.

وقال الماوردي رحمه الله في قوله: {أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ} : «فيه وجهان:

أحدهما: اتركوه واعبدوا آلهتكم.

الثاني: امضوا على أمركم في المعاندة، واصبروا على آلهتكم في العبادة، والعرب تقول: امش على هذا الأمر، أي: امض عليه والزمه» 80.

وقال القاسمي رحمه الله في هذه الآية: « {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ} أي: الأشراف من قريش يحضون بعضهم على التمسك بالوثنية، ويتواصون بالصبر على طغيانهم قائلين: {أَنِ امْشُوا} أي: في طريق آبائكم: {وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ} أي: عبادتها مهما سمعتم من تسفيه أحلامنا، وتفنيد مزاعمنا: {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} تعليل للأمر بالصبر؛ أي: يراد منا إمضاؤه وتفنيده لا محالة؛ أي: يريده محمد من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه، لا قول يقال من طرف اللسان، أو المعنى: إن هذا الأمر لشيء من نوائب الدهر يراد منا، أي: بنا، فلا انفكاك لنا عنه، وما لنا إلا الاعتصام عليه بالصبر» 81.

وقال ابن سعدي رحمه الله في قوله: {أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ} «أي: استمروا عليها، وجاهدوا نفوسكم في الصبر عليها وعلى عبادتها، ولا يردكم عنها راد، ولا يصدنكم عن عبادتها صاد» 82.

وقال الله تعالى: {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 17] .

وقال في آية أخرى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل: 10] .

قال الطبري رحمه الله: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: اصبر يا محمد على ما يقول مشركو قومك لك مما تكره قيلهم لك، فإنا ممتحنوك بالمكاره امتحاننا سائر رسلنا قبلك، ثم جاعلو العلو والرفعة والظَفَر لك على من كذبك وشاقك، سنتنا في الرسل الذين أرسلناهم إلى عبادنا قبلك، فمنهم عبدنا أيوب وداود بن إيشا، فاذكره ذا الأيد، ويعني بقوله: {ذَا الْأَيْدِ} ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله والصبر على طاعته» 83.

وقال القرطبي رحمه الله: «قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ} لما ذكر من أخبار الكفار وشقاقهم وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم، أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالصبر على أذاهم، وسلاه بكل ما تقدم ذكره، ثم أخذ في ذكر داود وقصص الأنبياء؛ ليتسلى بصبر من صبر منهم، وليعلم أن له في الآخرة أضعاف ما أُعْطَيه داود وغيره من الأنبياء، وقيل: المعنى اصبر على قولهم، واذكر لهم أقاصيص الأنبياء، لتكون برهانًا على صحة نبوتك» 84.

أمر الله تبارك وتعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم على جلالة قدره بأن يقتدي في الصبر على طاعة الله بداود وذلك تشريف عظيم وإكرام لداود، حيث أمر الله أفضل الخلق محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي به في مكارم الأخلاق» 85.

وقال الله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} [الأحقاف: 35] .

أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما لقيه منهم من أذى، وضرب له المثل بالرسل أولي العزم، ويجوز أن تكون الفاء فصيحة، والتقدير: فإذا علمت ما كان من الأمم السابقة وعلمت كيف انتقمنا منهم وانتصرنا برسلنا فاصبر كما صبروا 86.

وقال الخازن رحمه الله: «قوله تعالى: {وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} يعني اصبر على أذاهم، لا تستعجل بنزول العذاب عليهم؛ فإنه نازل بهم لا محالة كأنه صلى الله عليه وسلم ضجر بعض الضجر؛ فأحب أن ينزل العذاب بمن أبى منهم، فأمره الله تعالى بالصبر وترك الاستعجال، ثم أخبر بقرب العذاب، فقال تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ} يعني من العذاب في الآخرة {لَمْ يَلْبَثُوا} يعني يفي الدنيا، {إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ} يعني أنتهم إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم» 87.

والفاء في قوله: {فَاصْبِرْ} الفصيحة؛ لأنها جواب شرط مقدر، أي: إذا كانت عاقبة الكفار ما ذكر؛ فاصبر على أذاهم، واصبر فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر تقديره أنت، وكما صبر في محل نصب مفعول مطلق، أو حال، وأولو العزم فاعل صبر، ومن الرسل حال 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت