قال الماوردي رحمه الله تعالى: «فقوله: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) فيها وجهان: أحدهما: أنها الصدقة التي بذلوها من أموالهم تطوعًا، والثاني: أنها الزكاة التي أوجبها الله تعالى في أموالهم فرضًا؛ ولذلك قال: (مِنْ أَمْوَالِهِمْ) ، لأن الزكاة لا تجب في الأموال كلها، وإنما تجب في بعضها، (تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) ، أي: تطهر ذنوبهم، وتزكي أعمالهم» 76، «والتزكية: جعل الشيء زكيًا، أي: كثير الخيرات، فقوله: (تُطَهِّرُهُمْ) إشارة إلى مقام التخلية عن السيئات، وقوله: (وَتُزَكِّيهِمْ) إشارة إلى مقام التحلية بالفضائل والحسنات، ولا جرم أن التخلية مقدمة على التحلية، فالمعنى: أن هذه الصدقة كفارة لذنوبهم، ومجلبة للثواب العظيم» 77.
يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ? وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ? وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ?267?الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ? وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ?268?) [البقرة: 267 - 268] .
قال البغوي رحمه الله تعالى: «ومعنى الآية: أن الشيطان يخوفكم بالفقر، ويقول للرجل: أمسك عليك مالك فإنك إذا تصدقت به افتقرت، (وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) ، أي: بالبخل ومنع الزكاة» 78؛ وذلك «لأن الشيطان يصد الناس عن إعطاء خيار أموالهم، ويغريهم بالشح أو بإعطاء الرديء والخبيث، ويخوفهم من الفقر إن أعطوا بعض مالهم» 79.
وكما في قصة أصحاب الجنة في سورة القلم، قال تعالى: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ?17?وَلَا يَسْتَثْنُونَ ?18?فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ?19?فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ?20?) الآيات [القلم: 17 - 20] .
«فلما منعوا الناس خيرها، وبخلوا بحق الله فيها؛ أهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها» 80.
قال تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى? مَيْسَرَةٍ ? وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ? إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ?280?) [البقرة: 280] .
فالبخيل الذي لا يتصدق ليس له من هذا الخير نصيب، و «المراد بالخير: حصول الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة» 81.
قال الله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى? ?8?وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى? ?9?فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى? ?10?) [الليل: 8 - 11] .
ففي هذه الآية دليل على أن البخيل أموره كلها متعسرة.
فلقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآثام والرذائل التي يثمرها البخل حين قال -في الحديث الذي رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما-: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) 82.
وفي رواية لأبي داود من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إياكم والشح، فإنما هلك من كان قبلكم بالشح: أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا) 83.
فقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما مر في حديث جابر بن عبد الله السابق.
كما مر في حديث جابر بن عبد الله السابق أيضًا.
فالبخل يعيق الصلح بين الناس، ويزرع الفرقة والتمزق في المجتمع، وإذا ابتلي المجتمع الإسلامي بالفرقة والقطيعة بين أهله، ومزقوا شر ممزق، كانت النتيجة: تمكن العدو، وإحكامه القبضة على أعناقه، وتضييق الخناق عليه، فتطول الطريق، وتكثر التكاليف، على النحو الذي نشهده، ونعيشه نحن المسلمين اليوم.
قال تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) } [النساء: 114] .
وختامًا لهذا المبحث نقول: إن البخيل بعد هذا كله أشد الناس عناءً وشقاءً في الدنيا، فهو مبغوض مكروه حتى من أقرب الناس إليه كزوجته وأبنائه وأقاربه، وربما تمنى موت البخيل أقربهم إليه، وأحبهم له، بل قد يصل بهم الحد إلى أن يدعوا عليه، لأنه حرمهم من نواله، وطمعًا في ثروته، حتى يستطيعوا التنعم بما حرمهم منه من أموال، فالبخيل يعيش في قلق واضطراب نفسي، يكدح في جمع المال والثراء، ولكن لا يستطيع الاستمتاع والتلذذ به، وسرعان ما يخلفه للورثة، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء مع وجود المال معه، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم.
موضوعات ذات صلة:
الإكراه، الحرام، الحلال، الضر
1 لسان العرب ابن منظور 11/ 47 بتصرف، وانظر: العين، الفراهيدي 4/ 272، الصحاح الجوهري 4/ 1632، مجمل اللغة، ابن فارس ص 118، مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 207، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 965.
2 تاج العروس، الزبيدي 28/ 62 - 63.
3 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 5/ 193 بتصرف.
4 فتح الباري، ابن حجر 10/ 457.
5 مشارق الأنوار على صحاح الآثار، أبو الفضل البستي 2/ 245.
6 نظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبدالباقي ص 115.
7 انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 2/ 227.
8 مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 178.
وانظر: مجمل اللغة، ابن فارس ص 500، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 226، تاج العروس، الزبيدي 6/ 497 - 502، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة 1/ 474.
9 لسان العرب، ابن منظور 2/ 495.
10 المصدر السابق 2/ 496.
11 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 446.
12 الوابل الصيب، ابن القيم ص 33.
13 مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 55.
وانظر: العين، الفراهيدي 5/ 124، لسان العرب، ابن منظور 5/ 70، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 459، تاج العروس، الزبيدي 13/ 361، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/ 714.
14 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 655.
15 العين، الفراهيدي 7/ 10.
16 مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 357.
وانظر: مجمل اللغة، ابن فارس ص 560، لسان العرب، ابن منظور 13/ 261، تاج العروس، الزبيدي 35/ 339.
17 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 512.
18 الصحاح، الفارابي 5/ 2019.
وانظر: العين، الفراهيدي 5/ 368، مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 171، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 1153، تاج العروس، الزبيدي 33/ 335، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة 2/ 784.
19 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 707.
20 التعريفات، الجرجاني ص 184.
21 مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 53.
وانظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة 1/ 6.
22 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 18/ 26.
23 التعريفات، الجرجاني ص 40.
24 أخرجه الترمذي 4/ 612، رقم 2417، كتاب أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب في القيامة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها 2/ 629، رقم 946.
25 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 158 بتصرف.
26 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 4/ 293.
27 التحرير والتنوير، ابن عاشور 26/ 134.
28 معالم التنزيل، البغوي 2/ 384.
29 النكت والعيون، الماوردي 5/ 307.
30 مفاتيح الغيب، الرازي 28/ 63.
31 التحرير والتنوير، ابن عاشور 26/ 135.
32 الدر المنثور، السيوطي 7/ 505.
33 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/ 324.
34 معالم التنزيل، البغوي 1/ 330.
35 أخرجه البخاري 2/ 115، رقم 1442، كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) } ، ومسلم 2/ 700، رقم 1010، كتاب الزكاة، باب في المنفق والممسك.
36 أضواء البيان، الشنقيطي 6/ 282.
37 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 687 بتصرف.
38 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 5/ 406.
39 مفاتيح الغيب، الرازي 11/ 237.
40 النكت والعيون، الماوردي 3/ 276.
41 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 467.
42 التفسير الوسيط، مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر 5/ 810 - 811.
43 مفاتيح الغيب، الرازي 21/ 413 بتصرف.
44 أخرجه مسلم 4/ 1996، رقم 2578، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم.
45 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 109.
46 أخرجه البخاري 8/ 79، رقم 6367، كتاب الدعوات، باب التعوذ من فتنة المحيا والممات، ومسلم 4/ 2079، رقم 2706، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من العجز والكسل وغيره.
47 البخلاء، الخطيب البغدادي ص 225.
48 التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/ 653.
49 فتح القدير، الشوكاني 2/ 66.
50 مفاتيح الغيب، الرازي 10/ 79.
51 دروس للشيخ الألباني 6/ 11، بترقيم الشاملة آليا.
52 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 336 بتصرف.
53 مفاتيح الغيب، الرازي 28/ 63.
54 التحرير والتنوير، ابن عاشور 26/ 137.
55 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 791.
56 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 14/ 152 - 153.
57 جامع البيان، الطبري 20/ 232.
58 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 865.
59 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/ 391.
60 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 661.
61 أيسر التفاسير، الجزائري 4/ 255.
62 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 18/ 129.
63 أخرجه البخاري 2/ 110، رقم 1419، كتاب الزكاة، باب فضل صدقة الشحيح الصحيح، ومسلم 2/ 716، رقم 1032، كتاب الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح.
64 أخرجه البخاري 8/ 14، رقم 6037، كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء، وما يكره من البخل، ومسلم 4/ 2057، رقم 157 كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان.
65 مفاتيح الغيب، الرازي 16/ 77.
66 قال الزمخشري رحمه الله تعالى: «وقيل: الإسراف إنما هو الإنفاق في المعاصي، فأما في القرب فلا إسراف، وسمع رجلٌ رجلًا يقول: لا خير في الإسراف، فقال: لا إسراف في الخير» . الكشاف 3/ 293.
67 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/ 70.
68 مفاتيح الغيب، 10/ 87.
69 أخرجه البخاري 1/ 8، رقم 6، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسلم 4/ 1803، رقم 2308، كتاب الفضائل، باب كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير من الريح المرسلة.
70 أخرجه أحمد في المسند 19/ 160، رقم 12107، والترمذي 4/ 448، رقم 2140، أبواب القدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن، وابن ماجه 2/ 1257، رقم 3834، كتاب الدعاء، باب دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الترمذي: وهذا حديث حسن.
وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته 1/ 347، رقم 1685.
71 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 158.
72 مفاتيح الغيب، الرازي 9/ 443.
73 الاستقامة، ابن تيمية 2/ 269.
74 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 791.
75 في ظلال القرآن، سيد قطب 6/ 3303.
76 النكت والعيون، الماوردي 2/ 398.
77 التحرير والتنوير، ابن عاشور 11/ 23.
78 معالم التنزيل، البغوي 1/ 372.
79 التحرير والتنوير، ابن عاشور 3/ 59.
80 اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الحنبلي 19/ 285 بتصرف.
81 مفاتيح الغيب، الرازي 7/ 87.
82 أخرجه مسلم 4/ 1996، رقم 2578، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم.
83 أخرجه أبو داود 3/ 123، رقم 1698، كتاب الزكاة، باب في الشح.
وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته 1/ 521، رقم 2678.