يقول الحق جل وعلا: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النحل: 35] .
وأورد سبحانه وتعالى آية أخرى في سورة البقرة في معرض نفيه أن دخول الإسلام يكون إجبارًا، وهي قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256] .
يقول الإمام ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: «لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام؛ فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا» 18.
ويقول شيخ المفسرين الطبري رحمه الله: «ومعنى قوله: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} لا يكره أحد في دين الإسلام عليه، وإنما أدخلت (الألف واللام) في {الدِّينِ} ، تعريفًا للدين الذي عنى الله بقوله: (لا إكراه فيه) ، وأنه هو الإسلام» 19.
ويقول سيد قطب في الظلال: «وفي هذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان، واحترام إرادته وفكره ومشاعره، وترك أمره لنفسه فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه» 20.
ويقول المفسر العلامة السعدي في تفسيره: «يخبر تعالى أنه {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} لعدم الحاجة إلى الإكراه عليه؛ لأن الإكراه لا يكون إلا على أمر خفية أعلامه، غامضة آثاره، أو أمر في غاية الكراهة للنفوس، وأما هذا الدين القويم والصراط المستقيم فقد تبينت أعلامه للعقول، وظهرت طرقه، وتبين أمره، وعرف الرشد من الغي، ولا تدل الآية الكريمة على ترك قتال الكفار المحاربين، وإنما فيها أن حقيقة الدين من حيث هو موجب لقبوله لكل منصف قصده اتباع الحق» 21.
ومن هذا الاستدلال التفسيري لبيان معنى الآيتين يتضح لنا أن الإكراه غير معتبر في الإيمان والإسلام، وأن الدخول في الإسلام قائم على الحجة والعقل والمنطق، والاعتناق برغبة ذاتية كاملة من المكلفين، وأما دعوة الناس للإيمان والتزام أوامر الدين بالسنان وحملهم عليها فهذا مما لا يقبله الإسلام.
يقول الشيخ الزرقاني: «أما السيف ومشروعية الجهاد في الإسلام فلم يكن لأجل تقرير عقيدة في نفس، ولا لإكراه شخص أو جماعة على عبادة، ولكن لدفع أصحاب السيوف عن إذلاله واضطهاده، وحملهم على أن يتركوا دعوة الحق حرة طليقة، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله» 22.
وورد في نزول قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} أكثر من سبب للنزول، منها:
الأول: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كانت المرأة تكون مقلاتًا 23، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا! فأنزل الله تعالى ذكره: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} » 24.
الثاني: قال السدي قوله: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} إلى {لَا انْفِصَامَ لَهَا} قال: نزلت في رجل من الأنصار يقال له أبو الحصين: كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما باعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية، فتنصرا فرجعا إلى الشام معهم، فأتى أبوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن ابني تنصرا وخرجا، فأطلبهما؟ فقال: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} ، ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب، وقال: أبعدهما الله! هما أول من كفر! فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما،