فهرس الكتاب

الصفحة 1945 من 2431

إن الإسلام العظيم يعنى بداخل الإنسان: القلب والجوهر والعقل، فإذا تهذب القلب واطمأن لحول الله وقوته وآمن لربه، واقتنع العقل والفكر؛ فإنه لا يمكن لقوة في الأرض أن تثني الإنسان عن ربه؛ ولو حصل فإنه يكون باللسان والفعل لا بالقلب والاقتناع، ولذا فقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم أن ما استكره عليه الإنسان من الأقوال والأفعال، مما تجاوز عنه ربنا سبحانه وتعالى في حق أمة محمد صلى الله عليه وسلم: فعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) 31.

يقول الشيخ سيد قطب رحمه الله في سياق عرضه للآية الكريمة في الظلال: «والنص هنا يغلظ جريمة من كفر بالله من بعد إيمانه؛ لأنه عرف الإيمان وذاقه، ثم ارتد عنه إيثارًا للحياة الدنيا على الآخرة، فرماهم بغضب من الله، وبالعذاب العظيم، والحرمان من الهداية؛ ووصمهم بالغفلة وانطماس القلوب والسمع والأبصار؛ وحكم عليهم بأنهم في الآخرة هم الخاسرون. ذلك أن العقيدة لا يجوز أن تكون موضع مساومة، وحساب للربح والخسارة، ومتى آمن القلب بالله فلا يجوز أن يدخل عليه مؤثر من مؤثرات هذه الأرض؛ فللأرض حساب، وللعقيدة حساب ولا يتداخلان، وليست العقيدة هزلًا، وليست صفقة قابلة للأخذ والرد فهي أعلى من هذا وأعز، ومن ثم كل هذا التغليظ في العقوبة، والتفظيع للجريمة» 32.

إن الله سبحانه وتعالى إذ أعطى الإنسان المسلم رخصة النطق بكلمة الكفر إكراهًا واضطرارًا وجوز له فيها؛ إلا أنها تحت شروط معينة، فقال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28] .

ولقد أجزل الله تعالى في العطاء لمن صبر في سبيل الله ولم يساوم على دينه وعقيدته من أجل دنيا فانية، ولنا خير مثال في أصحاب الأخدود الذين ما ساوموا على الكفر بعد الإيمان، فأجزل لهم العطاء الأخروي، وسجل الله عز وجل موقفهم في قرآن يتلى إلى يوم القيامة.

يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} [البروج: 9 - 10] .

وسجل ربنا سبحانه وتعالى أنهم انتصروا على عدوهم مع أنه رماهم في النار وحرقهم، إلا أن المبدأ انتصر وفاز على جبروت الطاغية وجلاوزته، ومن هنا فإنه على أهل الإيمان في شتى بقاع الأرض أن يأخذوا بالعزيمة في الثبات على الإيمان والمبادئ والثوابت وانتزاع الحرية، وتحرير العباد من عبادة العباد، لعبادة رب العباد، وإن الثبات على الحق وتجرع المر أفضل مائة مرة من الهوان والعيش في ذلة وخنوع، «وهذا الصحابي الجليل حبيب بن زيد الأنصاري يعلمنا درسًا في الصمود والثبات على المبادئ، ولو على نفسه حينما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم برسالته إلى مسيلمة الكذاب، فقيده مسيلمة الكذاب وجعل يقول له: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فجعل يقطعه عضوًا عضوًا حتى مات في يديه، لا يزيده على ذلك» 33.

وأورد الواحدي في كتابه (أسباب النزول) روايتين لسبب نزول الآية الكريمة، نذكر منها واحدًا، «فعن ابن عباس: نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسرًا وأمه سمية وصهيبًا وبلالًا وخبابًا وسالمًا، فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجئ قبلها بحربة، وقيل لها: إنك أسلمت من أجل الرجال، فقتلت وقتل زوجها ياسر وهما أول قتيلين قتلا في الإسلام، وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهًا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن عمارًا كفر، فقال: كلا إن عمارًا ملئ إيمانًا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل رسول الله عليه الصلاة والسلام يمسح عينيه، وقال: (إن عادوا لك فعد لهم بما قلت) ، فأنزل الله تعالى هذه الآية» 34.

الحد الذي إذا بلغه الشخص عد مكرهًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت