يدون: «وأما من اختط لنفسه أن يبين ناحية خاصة من القرآن فيكون عمله أتم فائدة، وليس الخبر كالمعاينة، ومن جمع بين علوم الراوية والدراية يكون بيانه أوثق، وبالتعويل أحق، ومن يكون مقصرا في شيء منها يكون التقصير باديا في بيانه مهما خلع عليه من ألقاب العلم ولأئمة الاجتهاد رضى الله عنهم استنباطات دقيقة من آيات الأحكام بها تظهر منازلهم في الغوص، وبها يتدرج المتفقهون على مدارج الفقه، فتجب العناية بها كل العناية لتثمر ثمرتها
كما .. .
والدراسة الموضوعية والتخصصية المشار إليها في السطور الآنفة هي أوقع المناهج وأعمقها للكشف عن علل النصوص ومناسباتها وحكمها وهديها ودلالاتها وظلالها، باستخدام منظار القرآن نفسه طلبا لإدراك ملكة التعرف على المقاصد القرآنية.
فلا غرابة في مدى تأثير كتاب الله تعالى على النهوض بالملكة العلمية فهو مجمع الكليات ومكنز المعاني الحاكمة لكل النصوص الشرعي منها والاجتهادي.
يقول الشاطبي رحمه الله في هذا الشأن: «إن الكتاب قد تقرر أنه كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه، وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير واستدلال عليه، لأنه معلوم من دين الأمة. وإذا كان كذلك، لزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة وطمع في إدراك مقاصدها واللحاق بأهلها أن يتخذه سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على
مر الأيام والليالي نظرا وعملا لا اقتصارا على أحدهما».
وقال الإمام الشافعي رحمه الله: «جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة، وجميعا، فرع للقرآن» .
وقال أيضا: «جميع ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن» .
فهذا القرآن بقاعدته وأصله وما فيه من موارد الحق ومصدريته يتضح منه مظاهر إعجازه قال الطاهر بن عاشور رحمه الله: «فنرى ملاك وجوه الإعجاز راجعا إلى ثلاث جهات:
الجهة الأولى: بلوغه الغاية القصوى مما يمكن أن يبلغه الكلام العربي البليغ من حصول كيفيات في نظمه مفيدة معاني دقيقة ونكتا من أغراض الخاصة من بلغاء العرب مما لا يفيده أصل وضع اللغة، بحيث يكثر فيه ذلك كثرة لا يدانيها شيء من كلام البلغاء من شعرائهم
وخطبائهم.
الجهة الثانية: ما أبدعه القرآن من أفانين التصرف في نظم الكلام مما لم يكن معهودا في