فهرس الكتاب

الصفحة 866 من 2431

قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة: 213] .

اختلف أهل التأويل في معنى (الأمة) الذين وصفهم الله بأنهم: كانوا أمة واحدة.

فقال بعضهم: هم الذين كانوا بين آدم ونوح، وهم عشرة قرون، كلهم كانوا على شريعة من الحق، فاختلفوا بعد ذلك.

قاله: ابن عباس وقتادة.

وقال آخرون: بل تأويل ذلك كان آدم على الحق إمامًا لذريته، فبعث الله النبيين في ولده، ووجهوا معنى (الأمة) إلى طاعة لله، والدعاء إلى توحيده واتباع أمره، من قول الله عز وجل: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} [سورة النحل: 120] ، يعني بقوله: {أُمَّةً} : إمامًا في الخير يقتدى به، ويتبع عليه. قاله مجاهد.

وقال آخرون: معنى ذلك كان الناس أمة واحدة على دين واحد يوم استخرج ذرية آدم من صلبه، فعرضهم على آدم.

قاله أبي بن كعب وابن زيد.

وقال آخرون بخلاف ذلك كله في ذلك.

وقالوا: إنما معنى قوله: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} ، على دين واحد، فبعث الله النبيين. قاله ابن عباس.

وأولى التأويلات في هذه الآية بالصواب أن يقال: إن الله عز وجل أخبر عباده أن الناس كانوا {أُمَّةً وَاحِدَةً} على دين واحد وملة واحدة، وكان الدين الذي كانوا عليه دين الحق، فاختلفوا في دينهم، {فَبَعَثَ اللَّهُ} عند اختلافهم في دينهم {النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} .

فإن دليل القرآن واضحٌ على أن الذين أخبر الله عنهم أنهم كانوا أمة واحدة، إنما كانوا أمة واحدة على الإيمان ودين الحق دون الكفر بالله والشرك به، وذلك أن الله جل وعز قال: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [يونس: 19] .

فتوعد جل ذكره على الاختلاف لا على الاجتماع، ولا على كونهم أمة واحدة، ولو كان اجتماعهم قبل الاختلاف كان على الكفر ثم كان الاختلاف بعد ذلك، لم يكن إلا بانتقال بعضهم إلى الإيمان، ولو كان ذلك كذلك لكان الوعد أولى بحكمته جل ثناؤه في ذلك الحال من الوعيد؛ لأنها حال إنابة بعضهم إلى طاعته، ومحالٌ أن يتوعد في حال التوبة والإنابة، ويترك ذلك في حال اجتماع الجميع على الكفر والشرك 23.

وفي هذه الآية: اختار ابن كثير رواية ابن عباس: كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} ؛ لأنها أصح سندًا ومعنى؛ ولأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا عليه السلام، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض 24.

وقال ابن كثير عند قوله تعالى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا} [يونس: 19] ، «ثم أخبر الله تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد، وهو الإسلام» 25.

وقال ابن القيم: «وهذا هو القول الصحيح في الآية» 26.

وبنحوه قال الشنقيطي: «أن آدم أرسل إلى ذريته وهم على الفطرة لم يصدر منهم كفر فأطاعوه، ونوح هو أول رسول أرسل لقوم كافرين ينهاهم عن الإشراك بالله تعالى، ويأمرهم بإخلاص العبادة له وحده، ويدل على هذا قوله تعالى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً} [يونس: 19] ، أي: على الدين الحنيف، أي: حتى كفر قوم نوح، وقوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ ... الآية} [البقرة: 213] ، والله تعالى أعلم» 27، وهو قول الجمهور 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت