فهرس الكتاب

الصفحة 1276 من 2431

ومما يدل على الحث على الأمانة في الجانب المالي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء:58] .

فهي تتناول جميع الأمانات، ومن ضمنها ما يتعلق بالأمانات المادية.

وقوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} [آل عمران:75] .

فهذه الآية في الأمانة في الأموال، وقد قال أكثر المفسرين: إنها نزلت في اليهود كلهم، أخبر الله تعالى أن فيهم أمانة وخيانة.

فإن قيل: فأي فائدة في هذه الأخبار، وقد علمنا أن الناس كلهم لم يزالوا كذلك، منهم الأمين ومنهم الخائن؟

قلنا: تحذير من الله تعالى للمؤمنين أن يأتمنوهم على أموالهم، أو يغتروا بهم؛ لاستحلالهم أموال المؤمنين 110.

فذكر الله هاهنا فريقين من أهل الكتاب، فريقًا يؤدي الأمانة تعففًا عن الخيانة، وفريقًا لا يؤدي الأمانة، ومن الفريق الأول: عبد الله بن سلام، ومن الفريق الثاني: فنحاص بن عازوراء، وكلاهما من يهود يثرب، والمقصود من الآية ذم الفريق الثاني؛ إذ كان من دينهم في زعمهم إباحة الخون.

قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [آل عمران:75] .

ولذلك طول الكلام فيه، وإنما قدم عليه قوله: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ} [آل عمران:75] إنصافًا لحق هذا الفريق؛ لأن الإنصاف مما اشتهر به الإسلام؛ وتقديم المسند في قوله: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} في الموضعين للتعجب من مضمون صلة المسند إليهما، ففي الأول: للتعجب من قوة الأمانة مع إمكان الخيانة، ووجود العذر له في عادة أهل دينه، والثاني: للتعجب من أن يكون الخون خلقًا لمتبع كتاب من كتب الله، ثم يزيد التعجب عند قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا} فيكسب المسند إليهما زيادة تعجب من حالهم.

وقد جعل القنطار والدينار مثلين للكثرة والقلة، والمقصود ما يفيده الفحوى من أداء الأمانة فيما هو دون القنطار، ووقوع الخيانة فيما هو فوق الدينار.

وقوله: {إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} أطلق القيام هنا على الحرص والمواظبة، كقوله: {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} أي: لا يفعل إلا العدل، والدوام حقيقته استمرار الفعل، وهو هنا مجاز في طول المدة لتعذر المعنى الحقيقي، مع وجود أداة الاستثناء؛ لأنه إذا انتهى العمر لم يحصل الإلحاح بعد الموت 111.

ومجال الأمانة في الأموال مجال واسع:

فمن أمانة الأموال: العفة عما ليس للإنسان به حق من المال، وتأدية ما عليه من حق لذويه، وتأدية ما تحت يده منه لأصحاب الحق فيه، وتدخل الأمانة في البيوع والديون والمواريث والودائع والرهون والعواري والوصايا وغير ذلك.

فكما أن الإنسان لا يحب أن يتعدى أحد على أمواله الخاصة فإنه كذلك يجب أن لا يتعدى على مال غيره دون إذنٍ منه.

قال سبحانه: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188] .

وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يحل مال امرئٍ مسلم إلا بطيب نفسٍ منه) 112.

خاصةً أن صاحب المال لم يأته ماله بالراحة، بل في الغالب بعد تعب وجهد، فكيف يجوز أخذه منه بغير حق؟!

قال ابن عثيمين رحمه الله في الكلام على الأمانة في الأموال: «ومنها الأمانة المالية، وهي: الودائع التي تعطى للإنسان؛ ليحفظها لأهلها، وكذلك الأموال الأخرى التي تكون بيد الإنسان لمصلحته أو مصلحته ومصلحة مالكها؛ وذلك أن الأمانة التي بيد الإنسان إما أن تكون لمصلحة مالكها أو لمصلحة من هي بيده، أو لمصلحتهما جميعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت