فهرس الكتاب

الصفحة 1277 من 2431

فأما الأول فالوديعة تجعلها عند شخص، تقول مثلًا: هذه ساعتي عندك، احفظها لي، أو: هذه دراهم، احفظها لي، وما أشبه ذلك، فهذه وديعة فيها بقيت عنده لمصلحة مالكها.

وأما التي لمصلحة من هي بيده فالعارية، يعطيك شخصٌ شيئًا يعيرك إياه من إناء أو فراش أو ساعة أو سيارة، فهذه بقيت في يدك لمصلحتك.

وأما التي لمصلحة مالكها ومن هي بيده فالعين المستأجرة، فهذه مصلحتها للجميع؛ استأجرت مني سيارة وأخذتها، فأنت تنتفع بها في قضاء حاجتك، وأنا أنتفع بالأجرة، وكذلك البيت والدكان، وما أشبه ذلك، كل هذه من الأمانات» 113.

ومن أمانة الأموال: الأموال التي يؤتمن عليها الموظف في العمل، سواء كان مديرًا له حق التصرف في الميزانية، أو أمين صندوق، أو موظف حسابات أو غيرهم، فإنها وديعة بيده، يجب أن يحافظ عليها، ولا يتصرف فيها إلا فيما فيه مصلحة العمل، سواء كان العمل حكوميًا أو خاصًا.

ونجد كثيرًا من الناس يتساهلون في الأموال العامة التي تكون تحت تصرفهم من أموال الوزارات والمؤسسات العامة حكومية كانت أو غير حكومية، فترى بعض المسئولين كبارًا كانوا أو صغارًا يعتبرون أن المؤسسة أو المكتب الذي يعملون فيه كأنه ملكهم الشخصي، لهم حرية التصرف فيه كما يشاءون، أضف إلى ذلك استغلال المناصب للأمور الشخصية، وأمثال هؤلاء الموظفين الذين خانوا الأمانة يتجاهلون أن أعمالهم هذه ستكون وبالًا عليهم في الآخرة، فالأصل في الموظف أنه أجير، والأجير لابد أن يكون أمينًا.

وقد دلت الأدلة على حرمة الخوض في الأموال العامة، فعن خولة الأنصارية رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن رجالًا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة) 114.

قال الحافظ ابن حجر: «قوله: (يتخوضون في مال الله بغير حق) أي: يتصرفون في مال المسلمين بالباطل» 115.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بحقه، ووضعه في حقه، فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه، كان كالذي يأكل ولا يشبع) 116.

وليست بالضرورة أن تكون هذه الأموال نقودًا، بل كل مال ولو أعيانًا كالسيارات والأجهزة والأدوات والعدد وغيرها تعد أموالًا مملوكة للدولة أو المؤسسة لا يحق التصرف فيها إلا بإذن، قليلها وكثيرها، من القلم والورق وغيرها!

وهذا واضح من العموم في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) 117.

فلم يفرق بين القليل والكثير.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه) 118.

ومن الآفات التي يجب أن تحارب: أن تتحول المصالح في القطاعات وفي المؤسسات وفي الوظائف لخدمة شخص أو مسئول، وليس لخدمة عامة الناس، ويزداد الجرم أن هذه الأموال تعتبر أموالًا لبيت مال المسلمين، فالذي يأكل، يأكل من مال الفقراء والمحتاجين واليتامى، فهو من أعظم السحت.

وقد قال الله سبحانه وتعالى في حق اليهود: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة: 42] .

ومن الأمانة في المال: إعطاء الموظف والأجير أجره دون حيف أو نقص، فأرباب العمل والمسئولون عليهم أن يؤدوا للموظفين حقوقهم المالية كاملة دون تأخير أو أذى؛ لأن المسئول قد يعطي الحق كاملًا، ولكنه يؤخره، ويماطل فيه، فيؤذي أخاه المسلم، وإذا كان الله تعالى قد منع الأذى في الصدقة، بقوله: {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: 264] .

مع أنها مبنية على المسامحة؛ لأنها تطوع فمن باب أولى منع الأذى في حقوق الآخرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت