وهذا جائز عند الحنابلة، والشافعية، واستدلوا على ذلك بقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أميركم زيد؛ فإن قُتل فجعفر؛ فإن قتل فعبد الله بن رواحة» أخرجه البخاري برقم (4261) ، من حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما-، قالوا: وهذا في معناه. قالوا: وهو عقدٌ اعتُبر في حق الوكيل حكمه، وهو إباحة التصرف وصحته؛ فكان صحيحًا كما لو قال: أنت وكيلي في بيع عبدي إذا قدم الحاج ولأنه لو قال: وكلتك في شراء كذا في وقت كذا. صحَّ بلا خلاف، ومحل النزاع في معناه.
وقال الشافعي -رحمه الله-: لا يصح التوكيل، لكن إن تصرف؛ صحَّ تصرفه لوجود الإذن، وإن كان وكيلًا بجعل مسمى؛ فسد، وله أجر المثل؛ لأنه عقد يملك به التصرف في الحياة، فأشبه البيع.
قلتُ: الصواب القول الأول، ولا دليل للشافعي على ما قال، والله أعلم، وقياسه مع الفارق. (1)
مسألة [6] : الوكالة تصح بجعل وبغير جعل.
قال ابن قدامة -رحمه الله- في «المغني» (7/ 204) : وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِجَعْلٍ وَغَيْرِ جَعْلٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَكَّلَ أُنَيْسًا فِي إقَامَةِ الْحَدِّ، وَعُرْوَةَ فِي شِرَاءِ شَاةٍ، وَعَمْرًا وَأَبَا رَافِعٍ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ جَعْلٍ (2) ، وَكَانَ يَبْعَثُ عُمَّالَهُ لِقَبْضِ الصَّدَقَاتِ، وَيَجْعَلُ
(1) انظر: «المغني» (7/ 204) .
(2) توكيله لعمرو بن أمية الضمري في زواجه - صلى الله عليه وسلم - بأم حبيبة -رضي الله عنها-، ذكره ابن إسحاق في المغازي (ص 259) ، حدثني أبو جعفر، وهو محمد بن علي بن الحسين مرسلًا. وتوكيله لأبي رافع في زواجه - صلى الله عليه وسلم - بميمونة بنت الحارث -رضي الله عنها-، أخرجه مالك في «الموطأ» (1/ 348) ، وعنه الشافعي كما في «المسند» (1/ 180) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا رافع مولاه، ورجلا من الأنصار، فزوجاه ميمونة بنت الحارث. ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، قبل أن يخرج. وهذا إسنادٌ مرسلٌ.