مسألة [2] : التعزير بالعقوبات المالية.
قال ابن القيم -رحمه الله- في «الطرق الحكمية» (ص 266 - ) : وَأَمَّا التَّعْزِيرُ بِالْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةِ فَمَشْرُوعٌ أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَأَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ جَاءَتْ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وَعَنْ أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ: مِنْهَا: إبَاحَتُهُ - صلى الله عليه وسلم - سَلَبَ الَّذِي يَصْطَادُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ لِمَنْ وَجَدَهُ (1) . وَمِثْلُ: أَمْرِهِ - صلى الله عليه وسلم - بِكَسْرِ دِنَانِ الْخَمْرِ وَشَقِّ ظُرُوفِهَا (2) . وَمِثْلُ: أَمْرِهِ لِعَبْدِ الله بْنِ عَمْرو بِأَنْ يُحَرِّقَ الثَّوْبَيْنِ الْمُعَصْفَرَيْنِ (3) . وَمِثْلُ: أَمْرِهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ خَيْبَرَ بِكَسْرِ الْقُدُورِ الَّتِي طُبِخَ فِيهَا لَحْمُ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ، ثُمَّ اسْتَأْذَنُوهُ فِي غَسْلِهَا، فَأَذِنَ لَهُمْ (4) ؛ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً بِالْكَسْرِ. وَمِثْلُ: هَدْمِهِ مَسْجِدَ الضِّرَارِ (5) . وَمِثْلُ: تَحْرِيقِ مَتَاعِ الْغَالِّ (6) .
وَمِثْلُ: حِرْمَانِ السَّلَبِ الَّذِي أَسَاءَ
(1) أخرجه مسلم (1364) عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-.
(2) أخرجه الترمذي (1293) ، والدارقطني (4702، و 4706) ، والطبراني (4714) من طريق ليث ابن أبي سليم، عن يحيى بن عباد، عن أنس، عن أبي طلحة به وإسناده ضعيف؛ لضعف ليث بن أبي سليم.
(3) أخرجه مسلم برقم (2077) عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-.
(4) أخرجه البخاري برقم (4196) ، ومسلم برقم (1802) عن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه-.
(5) راجع ذلك في تفسير ابن كثير، تفسير سورة التوبة، آية (107) .
(6) ضعيف .. أخرجه أبو داود (2715) ، والحاكم (2/ 130) ، والبيهقي (9/ 203) من طريق الوليد ابن مسلم، حدثنا زهير بن محمد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر، وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه.
قال ابن الملقن في «البدر المنير» (9/ 139) : وقال البيهقي: الأحاديث الواردة في الغلول ليس فيها أنه -عليه السلام- أمر بتحريق متاع الغال. قال: وفي ذلك دليل على ضعف هذا الحديث. قال: ويقال: إن زهيرًا هذا مجهول، وليس بالمكي. قلت: غريب. وقال الرافعي عن الشافعي: لو صح هذا الحديث قلت به. قال الرافعي: يريد أنه لم تظهر صحته. اهـ
قلتُ: وإن كان زهير بن محمد هو الخراساني؛ فرواية الشاميين عنه غير مستقيمة، وهذا منها؛ فالراوي عنه هو الوليد بن مسلم، وهو شامي.
وجاء من حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-:
أخرجه أبو داود (2713) ، والترمذي (1461) ، والبزار (123) ، والحاكم (2/ 127 - 128) ، والبيهقي (9/ 102) من طريق صالح بن محمد بن زائدة، عن سالم، عن أبيه، عن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من وجدتموه قد غل فأحرقوا متاعه» . قال الترمذي رحمه الله: سألتُ محمدًا عن هذا الحديث، فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة، وهو أبو واقد الليثي، وهو منكر الحديث، قال محمد: وقد روي في غير حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغال، فلم يأمر فيه بحرق متاعه. انتهى.