واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس: «لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى رجال دماء أُناس وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» ، وفي رواية: «البينة على المدَّعِي، واليمين على من أنكر» .
قال ابن القيم -رحمه الله- في «أعلام الموقعين» (2/ 312) في بيان عدم التعارض بين الحديثين: وَاَلَّذِي شَرَعَ الْحُكْمَ بِالْقَسَامَةِ هُوَ الَّذِي شَرَعَ أَنْ لَا يُعْطَى أَحَدٌ بِدَعْوَاهُ الْمُجَرَّدَةِ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ الله، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَلَمْ يُعْطَ فِي الْقَسَامَةِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَكَيْفَ يَلِيقُ بِمَنْ بَهَرَتْ حِكْمَةُ شَرْعِهِ الْعُقُولَ أَنْ لَا يُعْطِيَ الْمُدَّعِي بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ عُودًا مِنْ أَرَاكٍ، ثُمَّ يُعْطِيه بِدَعْوَى مُجَرَّدَةٍ دَمَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ؟ وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ الظَّاهِرِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ فَوْقَ تَغْلِيبِ الشَّاهِدَيْنِ، وَهُوَ اللَّوَثُ، وَالْعَدَاوَةُ، وَالْقَرِينَةُ الظَّاهِرَةُ مِنْ وُجُودِ الْعَدُوِّ مَقْتُولًا فِي بَيْتِ عَدُوِّهِ، فَقَوَّى الشَّارِعُ الْحَكِيمُ هَذَا السَّبَبَ بِاسْتِحْلَافِ خَمْسِينَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ الَّذِينَ يَبْعُدُ أَوْ يَسْتَحِيلُ اتِّفَاقُهُمْ كُلُّهُمْ عَلَى رَمْيِ الْبَرِيءِ بِدمٍ لَيْسَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ، وَلَا يَكُونُ فِيهِمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يُرَاقِبُ اللهَ؟.
قال: وَلَوْ عُرِضَ عَلَى جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ هَذَا الْحُكْمُ، وَالْحُكْمُ بِتَحْلِيفِ الْعَدُوِّ الَّذِي وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي دَارِهِ بِأَنَّهُ مَا قَتَلَهُ؛ لَرَأَوْا أَنَّ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْعَدْلِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
وَلَوْ سُئِلَ كُلُّ سَلِيمِ الْحَاسَّةِ عَنْ قَاتِلِ هَذَا؛ لَقَالَ: مَنْ وُجِدَ فِي دَارِهِ. وَاَلَّذِي يَقْضِي مِنْهُ الْعَجَبُ أَنْ يُرَى قَتِيلٌ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ وَعَدُوُّهُ هَارِبٌ بِسِكِّينٍ مُلَطَّخَةٍ