الْأَقْوَالِ جَوَازُ هَذَا كُلِّهِ، لَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ بِغَيْرِهِمْ ثَانِيًا إلَّا لِحَاجَةِ أَوْ مَصْلَحَةٍ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ غَيْرُهُ، أَوْ هُوَ أَحَقُّ الْحَاضِرِينَ بِالْإِمَامَةِ؛ لِكَوْنِهِ أَعْلَمَهُمْ بِكِتَابِ الله وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، أَوْ كَانُوا مُسْتَوِينَ فِي الْعِلْمِ وَهُوَ أَسْبَقُهُمْ إلَى هِجْرَةِ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ، أَوْ أَقْدَمُهُمْ سِنًّا؛ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحِ» عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله؛ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ؛ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً؛ فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا» . (1)
فَقَدَّمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالْفَضِيلَةِ فِي الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْعِلْمِ قُدِّمَ بِالسَّبْقِ إلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَقُدِّمَ السَّابِقُ بِاخْتِيَارِهِ وَهُوَ الْمُهَاجِرُ عَلَى مَنْ سَبَقَ بِخَلْقِ الله لَهُ وَهُوَ الْكَبِيرُ السِّنِّ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ» (2) ، فَمَنْ سَبَقَ إلَى هَجْرِ السَّيِّئَاتِ بِالتَّوْبَةِ مِنْهَا فَهُوَ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَيُقَدَّمُ فِي الْإِمَامَةِ، فَإِذَا حَضَرَ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ وَكَانَ قَدْ صَلَّى فَرْضَهُ؛ فَإِنَّهُ يَؤُمُّهُمْ كَمَا أَمَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِطَائِفَةٍ بَعْدَ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مَرَّتَيْنِ، وَكَمَا كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي ثُمَّ يَؤُمُّ قَوْمَهُ أَهْلَ قُبَاء؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَحَقَّهُمْ بِالْإِمَامَةِ.
وَقَدْ ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ حَدِيثَ مُعَاذٍ مَنْسُوخٌ، وَلَمْ يَأْتُوا عَلَى ذَلِكَ بِحُجَّةِ صَحِيحَةٍ، وَمَا ثَبَتَ مِنْ الْأَحْكَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا يَجُوزُ دَعْوَى نَسْخِهِ بِأُمُورِ
(1) سيأتي في «البلوغ» برقم (398) .
(2) أخرجه البخاري برقم (10) ، ومسلم برقم (40) ، وليس عند مسلم ذكر المهاجر.