قولان:
الأول: ما ذهب إليه الجمهور، وهو أنَّ الحديث محمول على من أوصى بالنوح عليه، أو لم يوصِ بتركه، مع علمه بأنَّ الناس يفعلونه عادة؛ ولهذا قال عبد الله بن المبارك: إذا كان ينهاهم في حياته ففعلوا شيئًا من ذلك بعد وفاته، لم يكن عليه شيء. والعذاب عندهم بمعنى العقاب.
والآخر: أن معنى: «يعذب» ، أي: يتألم بسماعه بكاء أهله، ويرق لهم ويحزن، وذلك في البرزخ، وليس يوم القيامة، وإلى هذا ذهب محمد بن جرير الطبري وغيره، ونصره ابن تيمية، وابن القيم وغيرهما، قالوا: ليس المراد أن الله يعاقبه ببكاء الحي عليه، والعذاب أعم من العقاب كما في قوله: «السفر قطعة من العذاب» ، وليس هذا عقابًا على ذنب، وإنما هو تعذيب وتألم.
قال الألباني -رحمه الله-: وقد يؤيد هذا قوله في الحديث «في قبره» ، وكنت أميل إلى هذا المذهب برهة من الزمن، ثم بدا لي أنه ضعيف؛ لمخالفته للحديث السابع يعني حديث المغيرة بن شعبة المذكور في الكتاب الذي قَيَّدَ العذاب بأنه «يوم القيامة» ، ومن الواضح أنَّ هذا لا يمكن تأويله بما ذكروا؛ ولذلك فالراجح عندنا مذهب الجمهور، ولا منافاة عندهم بين هذا القيد، والقيد الآخر في قوله: «في قبره» ، بل يضم أحدهما إلى الآخر، وينتج أنه يعذب في قبره، ويوم القيامة، وهذا بَيِّنٌ إن شاء الله تعالى. اهـ. (1)
(1) وانظر: «مجموع الفتاوى» (24/ 370 - ) ، و «تهذيب السنن» (8/ 278) .