فهرس الكتاب

الصفحة 14650 من 25742

وجاء الخلنجي فجلس كما كان يجلس فالتصقت ذنبته بالدّبق، وتمكن منها. فلما تقدم إليه الخصوم، وأقبل عليهم بجميع جسده كما كان يفعل انكشف رأسه، وبقيت الذنبة في موضعه مصلوبة وقام الخلنجي مغضبا، وعلم أنها حيلة وقعت عليه، فغطى رأسه بطيلسانه وقام، فانصرف وتركها مكانها حتى جاء بعض أعوانه فأخذها.

وقال بعض شعراء أهل ذلك العصر فيه:

إنّ الخلنجي من تتايهه ... أثقل باد لنا بطلعته ...

ما تيه ذي (1) نخوة مناسبه ... بين أخاوينه وقصعته ...

يصالح الخصم من يخاصمه ... خوفا من الجور في قضيّته ...

لو لم تدبّقه (2) كفّ قانصه ... لطارتيها على رعيّته

قال: وشهرت الأبيات والقصة ببغداد، وعمل علّوية حكاية أعطاهما الزفانين (3) والمخنثين فأحرقوه (4) فيها، وكان علّوية يعاديه لمنازعة كانت بينهما ففضحه، واستعفى الخلنجي من القضاء ببغداد وسأل أن يولّى بعض الكور البعيدة فولّي جند دمشق أو حمص فلمّا ولي المأمون الخلافة غناه علّوية بشعر الخلنجي وهو (5) :

برئت من الإسلام إن كان ذا الذي ... أتاك به الواشون عني كما قالوا ...

ولكنهم لما رأوك غريّة ... بهجري تواصوا بالنميمة واحتالوا ...

فقد صرت إذنا للوشاة سميعة ... ينالون من عرضي (6) ولو شئت ما نالوا

فقال له المأمون: من يقول هذا الشعر؟ قال: قاضي دمشق، فأمر المأمون بإحضاره فكتب إلى صاحب دمشق بإشخاصه فأشخص وجلس المأمون [للشرب] (7) وأحضر علّوية ودعا بالقاضي فقال له: أنشدني قولك:

برئت من الإسلام إن كان ذا الذي

فقال له: يا أمير المؤمنين هذه أبيات قلتها منذ أربعين سنة وأنا صبي، وو الذي أكرمك

(1) الأغاني: «ما إن لذي نخوة مناسبة» والأخاوين جمع خوان وهو ما يؤكل عليه الطعام.

(2) التدبيق: صيد الطائر بالدّبق.

(3) الزفانون: الرقاصون.

(4) الأغاني: فأحرجوه.

(5) الأبيات في الأغاني 11/ 339 ـ 340 والوافي 17/ 444.

(6) عن المصدرين السابقين وبالأصل: غرض.

(7) الزيادة عن الأغاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت