أنشدنا لنفسه على لسان الأديب نصر الهيتي يرثي مقلى انكسرت له:
لقد جار هذا الدهر في الحكم واستعلا ... وجرعني كأسا أمرّ من الدّفلا ...
وحمّلت من أهواله فوق طاقتي ... ولكنّها هانت لحزني على المقلا ...
أتانا بها من أرض بيروت تاجر ... وأنزلها قبليّ دار أبي يعلا ...
فجئت وقد حددت أذني نحوها ... أخطى بها شبه الحمار إذا أدلا ...
وقد راقني منها صفاء وبهجة ... كأن عليها سندر وسابه تطلا ...
ترى عروبتها والحروف صحيحة ... فلا حرف منها إن تأمّلت معتلّا ...
وقلت له أنفقت بيعك فاقتصد ... إذا سمتنا والزم طريقتك المثلا ...
فإني أنا الهيتي أشعر من نشا ... وأفضل مخلوق مشى واحتذى نعلا ...
أشدّهم بأسا وأنداهم يدا ... وأسمحهم نفسا وأكرمهم فعلا ...
فوزني ثلاثين من نقد جلق ... وكان على الوزن مذ لم أزل سهلا ...
وجزت بها في دار سيف وإنّها ... لفي ناظري من كل مقلا بها أحلا ...
ولست ترى يوما أشد استدارة ... وأحسن منها إن تأمّلتها شكلا ...
أخاف عليها العين حين أزفّها ... إلى منزلي شبه العروس إذا تجلا ...
فطورا أواريها بكمي وتارة ... أجرّدها مثل الحسام إذا سلّا ...
فحين حواها أثر ذلك مطبخي ... نقلت إليه الفحم والحطب الجزلا ...
وأعددتها ذخرا لترويح طعمنا ... وللشحم إذ يسلى، وللبيض إذ يقلا ...
أحمص فيها كفّ لوز وحمّص ... وطورا أقلي كفّ قمح وباقلا ...
وأكرم أضيافي بذاك إذا انتشوا ... وأتركه ما بين أيديهم نقلا ...
فما أكثر الحسّاد فيها وقولهم ... ورب شبيه ما رأينا لها مثلا ...
وقولهم لو كنت آثرتنا بها ... وقد علموا أنّي لها منهم أولى ...
وكم طلبوا أن يوكسوها بجلهم (1) ... وأوهمهم أني أفاخرهم هزلا ...
فما وجدوا فيها مقالا لعائب ... ولا نالها وصم فترفض أو تقلا ...
فلمّا أراد الله إنفاذ حكمه ... وكان قضاء الله في خلقه عدلا ...
أتاح لها حطبا (2) من الدهر فاتكأ ... فأودى بها هلكا وغادرني عطلا
(1) في م: وقد طلبوا أن يوكسوها بجهلهم.
(2) كذا بالأصل وم، وفي المختصر 15/ 366 خطبا.