أحمد بن علي الجزري، في سنة سبع وسبعين وأربعمائة بحلب ـ إملاء في داره ـ نا القاضي الجليل أبو الحسين أحمد بن يحيى العطّار الدّينوري بمدينة ميّافارقين (1) في سنة ست عشرة وأربعمائة قال:
خرجت مع خالي في سنة خمسين (2) وثلاثمائة نطلب الحج حتى إذا كنا بمكة وقضينا حجّنا رأيت حلقة دائرة عليها خلق من الناس، فسألت بعضهم فقلت: من هؤلاء؟ [فقالوا] (3) حجاج بن المغرب، فدنوت منهم فإذا هم يقولون: هذا أبو سعيد الأشجّ، فجلست إليهم حتى صرنا في جماعة كثيرة، فقالوا له: حدّثنا، قال: نعم، خرجت مع أبي من المغرب من قرية يقال لها مريذة (4) نطلب الحج، فوصلنا مصر فبلغنا حرب علي بن أبي طالب مع معاوية بن أبي سفيان، فقال لي أبي: أقم بنا يا بنيّ حتى نقصد إلى علي بن أبي طالب، ونشاهده، فلما وصلنا إلى دمشق، خرجنا نطلب العسكر، فبينا نحن سائرون وكان يوما شديد الحر، فلحق أبي عطش شديد، فقلت له: يا أبة اجلس حتى أمضي ارتد لك الماء، وأحملك إليه حتى لا تتعب، فجلس، وقصدت إلى طلب الماء يمينا وشمالا، فبينا أنا أدور رأيت عينا شبه البركة، فلم أملك نفسي أن خلعت ما كان عليّ وطرحت نفسي فيها، فتغسّلت وشربت من مائها وجئت إلى عند أبي فوجدته قد قضى، فواريته وانصرفت أطلب أمير المؤمنين، فوصلت العسكر ليلا، فبتّ، فلما كان من غد جئت، فوقفت على باب خيمته، فخرج، وقدّم له بغلة النبي صلى الله عليه وسلم، فهمّ أن يركب، فأسرعت أن أقبّل ركابه، فنفحني بركابه ـ أو قال: بالمهماز (5) ـ فشجّني هذه الشّجّة، وكشف عن رأسه، فرأينا أثر الشّجة، قال: فتأخّرت عنه فنزل وصاح إلي: ادن مني فأنت الأشجّ، فدنوت منه، فمرّ يده عليّ وقال لي: حدّثني بحديثك، فحدّثته ما كان مني ومن أبي إلى أن وصلت العين كيف سبحت فيها وشربت من مائها، فقال لي: يا بنيّ تلك عين الحياة، اللهمّ عمّره، اللهم عمّره، يقولها [ثلاثا] (6) ، وقال: أنت المعمّر أبو الدنيا، اسمع ما أحدّثك به، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول، فذكر خمسة أحاديث من جملة الأحاديث التي وقعت إلينا من طريق المفيد عن الأشجّ.
(1) من مدن ديار بكر، مشهورة (انظر معجم البلدان) .
(2) كذا بالأصل وم، وفي المختصر 16/ 88 خمس.
(3) الزيادة عن م.
(4) كذا بالأصل، وبدون إعجام في م، وفي المختصر: «مربذة» ولم أجدها.
(5) المهماز: حديدة في مؤخر خفّ الرائض جمع مهامز ومهاميز (القاموس المحيط) .
(6) سقطت من الأصل وأضيفت عن م.