أبصرت أشجارا على نهر ... فذكرت أنهارا وأشجارا ...
لله أيّام نعمت بها ... بالقفص (1) أحيانا وفي بارا ...
إذ لا أزال أزور غانية ... ألهو بها وأزور خمّارا ...
لا أستجيب لمن دعا لهدى ... وأجيب شطّارا ودعّارا ...
أعصي النصيح وكلّ عاذلة ... وأطيع أوتارا ومزمارا
فغضب المأمون وقال: أنا في وجه عدوّ، وأحضّ الناس على الغزو، وأنت تذكّرهم نزهة بغداد؟ فقلت: الشيء بتمامه، ثم قلت:
فصحوت بالمأمون من (2) سكري ... ورأيت خير الأمر ما اختارا ...
ورأيت طاعته مؤدية ... للفرض إعلانا وإسرارا ...
فخلعت ثوب الهزل من (2) عنقي ... ورضيت دار الخلد (3) لي دارا ...
وظللت معتصما بطاعته ... وجواره وكفى به جارا ...
إن حلّ أرضا فهي لي وطن ... وأسير عنها حيث ما سارا
فقال له يحيى بن أكثم: ما أحسن ما قال يا أمير المؤمنين! أخبر أنه كان في سكر وخسار، فترك ذلك وارعوى، وآثر طاعة خليفته، وعلم أن الرشد فيها، فسكن وأمسك.
أخبرنا أبو الحسن بن قبيس، وأبو منصور بن خيرون قالا: قال لنا أبو بكر الخطيب (4) : أحمد بن محمّد بن أبي محمّد يحيى بن المبارك، أبو جعفر اليزيدي. سمع جده يحيى بن المبارك، وأبا زيد سعيد بن أوس الأنصاري. روى عنه أخوه عبيد الله وابن أخيه محمّد بن العباس بن محمّد اليزيدي، وعون بن محمّد الكندي. وكان أديبا عالما بالنحو شاعرا، مدح المأمون والمعتصم وغيرهما. ومات قبل سنة ستين ومائتين (6) بمدة (7) طويلة.
(1) القفص: بالضم ثم السكون قرية مشهورة بين بغداد وعكبرا قريب من بغداد.
(2) الأغاني: عن.
(3) الأغاني: الجدّ.
(4) تاريخ بغداد 5/ 117.
(5) عن تاريخ بغداد وبالأصل: ومائة.
(6) عن تاريخ بغداد، وبالأصل «مدة» .