[وعاش نيفا وتسعين سنة، قال: كتبت لخمارويه بن أحمد بن طولون] (1) وأنا حدث، فركبتني الأشغال وقطعني ترادف الأعمال عن تصفّح أحوال المعطلين وتفقّدهم، وكان ببابي شيخ من مشيخة الكتّاب قد طالت عطلته وأغفلت أمره، فرأيت في منامي ذات ليلة [أبي] (2) وكأنه يقول لي: ويحك يا بني، أما تستحي من الله جلّ وعزّ أن تتشاغل بلذاتك، وأعمالك والناس (3) يتلفون ببابك ضرّا وهزلا. هذا فلان من شيوخ الكتّاب قد أفضى أمره إلى أن تقطع سراويله، فما يمكنه أن يشتري بدلة وهو كالميت جوعا، وأنت لا تنظر في أمره، أحبّ أن لا تغفل أمره أكثر من هذا، قال: فانتبهت مذعورا، واعتقدت الإحسان إلى الشيخ، ونمت وأصبحت وقد أنسيت أمر الشيخ، فركبت إلى دار خمارويه، فأنا والله أسير إذ تراءى لي الرجل على دويبة له ضعيفة، ثم أومأ إلى الترجّل، فانكشف فخذه فإذا هو لابس خفا بلا سراويل، فحين وقعت عيني على ذلك ذكرت المنام وقامت قيامتي، فوقفت في موضعي واستدعيته، وقلت: يا هذا، ما حلّ لك أن تركت إذكاري بأمرك؟ أما كان في الدنيا من يوصل لك رقعة أو يخاطبني فيك (4) ، الآن، قد قلدتك الناحية الفلانية، وأجريت عليك رزقا في كل شهر، وهو مائتا دينار، وأطلقت عليك من خزانتي ألف دينار صلة ومعونة على الخروج إليها، وأمرت لك من الثياب والحملان بكذا وكذا، فاقبض ذلك واخرج، فإن يحسن أثرك في تصرّفك زدتك وفعلت بك وصنعت، قال: وضممت إليه غلاما يتنجز له ذلك كله، ثم سرت فما انقضى اليوم حتى فعل به جميع ما أمرت به.
قالوا: وقال لنا الخطيب (5) : محمّد بن عليّ بن أحمد بن رستم أبو بكر المادرائي الكاتب نزيل مصر، كتب إليّ أبو زكريا يحيى بن عبد الوهّاب، وحدّثني أبو بكر اللفتواني عنه، أنبأنا عمّي أبو القاسم بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن أبي عبد الله بن مندة قال: قال لنا أبو سعيد بن يونس: ح وأخبرنا أبو القاسم الحسيني [وأبو الحسن] (6) المالكي، قالا: حدّثنا ـ وأبو منصور بن خيرون، أنبأنا أبو بكر الخطيب (7) ، حدّثنا الصوري، حدّثنا محمّد بن عبد
(1) ما بين معكوفتين سقط من الأصل واستدرك عن د، و «ز» ، وتاريخ بغداد.
(2) سقطت من الأصل واستدركت عن د، و «ز» ، وتاريخ بغداد.
(3) في تاريخ بغداد: بلذاتك، وعمالك يتلفون ببابك.
(4) بالأصل ود، و «ز» : «قبل» ، والمثبت عن تاريخ بغداد.
(5) تاريخ بغداد 3/ 79.
(6) ما بين معكوفتين سقط من الأصل واستدرك لتقويم السند عن د، و «ز» .
(7) تاريخ بغداد 3/ 79 ـ 80.