فهرس الكتاب

الصفحة 1709 من 7959

الشيخ: نحن اليوم يا مشايخ مصابون في نشئ جديد، فصحيح أنه يحب أن ينطلق على الكتاب والسنة لكنهم لا يقدرون العلم حق قدره , ويتوهمون أن أحدهم يستطيع أن يصبح عالما بمعنى الكلمة بالكتاب والسنة ما بين عشية وضحاها، يتوهمون الأمر هكذا، ثم يصابون بكثير من العلم والغرور , وبحب الظهور؛ وقديما قال بعض الحكماء كما تعلمون:"حب الظهور يقطع الظهور"ولذلك يتكلم بعضهم بما قام في نفسه متوهما أنه هو العالم بعينه , وكثيرا ما ينطلقون في هذا المجال المدعى أنه علم , وهو في الحقيقة جهل ردا لبعض العقائد المنحرفة عن الكتاب والسنة , ولكن تكون النتيجة أنهم يعالجون الأمر على طريقة أبي نواس:"وداوني بالتي كانت هي الداء".

فمثلا هذه المسألة التي رددت علي فيها , هم يزعمون أن الطريق في رد عقيدة الجبر التي نشأت عند الجبرية من غلوهم في الإيمان بالقضاء والقدر , وفهمهما أو فهمهم لهذه العقيدة فهما خاطئا , استلزموا من هذه العقيدة الجبر , فقالوا بلازمه في زعمهم أنه كما جاء في بعض أشعارهم:

"ألقاه في اليم مكتوفا ثم قال له إياك إياك أن تبتل بالماء"

هذا يصور عقيدة الجبرية؛ فمن أين جاءت الجبرية من الإيمان بالقضاء والقدر مع الفهم الخاطئ , مع الفهم الخاطئ , فعالج هذا الخطأ الفريق الآخر وهو المعتزلة , قالوا لا سبيل لنا إلى إبطال الجبر إلا بما اتكئوا عليه من الإيمان وهو القدر , إذا لا قدر؛ كلاهما على طرفي نقيض، وكلاهما على مذهب أبي نواس:"وداوني بالتي كانت هي الداء".

فأنا أرى أن كثيرا من العقائد يساء فهمها , فتعالج على هذا المذهب المنحرف عن الحق، وقد يقع في مثل هذا كثير من كبار العلماء المشهورين وعذرهم في ذلك إساءة العامة وربما بعض الخاصة معهم للعقيدة الصحيحة , فيضربون سوء الفهم بضرب العقيدة الصحيحة. لاشك أنكم تعلمون أن من العقائد الصحيحة التي توارثها الخلف عن السلف الإيمان بنزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان , ويقترن معه الإيمان بخروج المهدي ...

نعود إلى أصل المسألة القدر؛ فكيف عالجت المعتزلة الجبر معالجة سيئة , وذلك لما لم يستطيعوا أن يفهموا القدر الإلهي فهما لا يستوجب الجبر , بل هم شاركوا الجبريين في فهمهم للقدر بأنه يستلزم الجبر؛ والجبر باطل , وما لزم منه باطل فهو باطل؛ فإذا لم يجدوا وسيلة ـ أعني بطبيعة الحال المعتزلة ـ بمحاربة الجبر إلا بنسف عقيدة القدر , وهم بلاشك ما يستطيعون وإن كانوا ضلالا فهم مؤمنون بكتاب الله عزوجل؛ فهم لا يستطيعون أن ينكروا القدر كلفظ مذكور في القرآن الكريم في غير ما آية، ما يستطيعون أن ينكروا ذلك وإلا خرجوا من الدين؛ لكنهم ـ وهكذا شأن كل الفرق الضالة الذين انحرفوا عن الكتاب والسنة ـ أنهم يؤمنون بألفاظ الكتاب ولا يؤمنون بمعانيها، فهم آمنوا بالقدر , ولكنهم تأولوا القدر بما يساوي العلم , كما فعلوا في كثير من الآيات المتعلقة بالصفات الإلهية.

فهم مثلا ينكرون أن يكون الله تبارك وتعالى له صفة السمع والبصر , وهم يعلمون مثل قول رب العالمين: (( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) )فهم لا يستطيعون أن ينكروا هاتين الصفتين أنه سميع وبصير , إلا بالطريقة ذاتها التي أنكروا فيها القدر ألا وهو التأويل بل هو التعطيل , فقالوا السميع البصير يعني العليم؛ فكذلك أولوا القدر بمعنى أيش؟ العلم , مع أنه كما لا يخفاكم العلم صفة ذاتية، أما التقدير الإلهي فصفة فعل , من صفات الأفعال؛ فهم خلطوا بين هذه الصفة الذاتية وبين الصفة العلمية؛ لماذا هذا الخلط؟ ليضربوا الجبر، لكن أصابهم كما يقول المثل في بعض البلاد:"كانوا تحت المطر وصاروا تحت المزراب"معروف هذا عندكم؟.

السائل: نعم.

الشيخ: والشاعر العربي القديم كما تعلمون يقول:

"أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل"

فيجب الجمع بين الصفات الإلهية كلها والمشتقة من كتاب الله وأحاديث رسول الله، ولا يجوز ضرب بعضها ببعض أو إنكار بعضها على حساب البعض؛ وما أحسن ما قال ابن القيم رحمه الله في هذه المناسبة:

"العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه"

ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه

كلا ولا جحد الصفات ونفيها حذرا من التعطيل والتشبيه""

وهذا هو الموقف العدل لا تعطيل ولا تشبيه , وإنما هو الإيمان على ما أراد الله عزوجل بهذه الآيات وأحاديث الرسول عليه السلام التي تثبت الصفات الإلهية.

الشاهد أعود إلى ما كنت انتهيت إليه أن كثيرا من العلماء حينما يريدون أن يعالجوا بعض الانحرافات التي أصابت الجماهير قديما وحديثا , إنما يعالجونها بانحراف مثله أو بأخطر منه، وضربت على ذلك مثلا عقيدة نزول عيسى عليه السلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت