السائل: أستاذنا، لاشك أن أهم مزايا الدعوة السلفية هي نبذ الجمود والتعصب المذهبي، لكن نلاحظ في كتابات بعض الأفراد السلفيين يعني وجود ما يشير أنهم على طريقة التقليد، يعني مثلًا في كتاب صاحب كتاب بدعة التعصب المذهبي نجد في كتابه ما يكرر عبارة قال شيخنا، قال شيخنا، ألا يُعتبر هذا نوع من أنواع التقليد؟ جزاك الله خير.
الشيخ: هذا السؤال مهم جدًا، طالما نحن تكلمنا حوله، إيجاب باختصار، أقول: التقليد لا ينجو منه إنسان، لا يمكن أن ينجو منه إنسان مهما سما وعلا وكان من كبار العلماء، الأخ السائل الظاهر ما يدور في باله هذه الحقيقة والذي نحن ننكره وندندن حول الإنكار له، ليس هو مجرد التقليد هذا الذي لا ينجو منه إنسان بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، التقليد الذي ننكره هو أن يتخذ المسلمون التقليد دينًا أن يتدينوا وأن يتقربوا إلى الله بتقليد شخص من الناس معين، أما إذا كان المسلم من عامة المسلمين كما ذكرنا آنفًا في التعليق على قوله تعالى: (( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) )الذين لا يعلمون هم أكثر الناس والآن نضع السائل أمام هذا السؤال، حينما يأتي رجل من عامة الناس ويسأل عالمًا ليس عالمًا بالمفهوم الذي جعلناه آنفًا مرجوحًا، وإنما عالمًا بالمعنى الراجح وهو العلم بالكتاب والسنة، يأتي العامي فيسأل هذا العالم مسالة ما، فيجيبه وينطلق ماذا نسمي تبني هذا العامي لجواب ذلك العالم؟ أنت وأنا سوف نسميه تقليدًا هكذا أنا أفترض، لكن السائل يا ترى يشاركني في هذا؟ تسميه تقليدًا؟
السائل: إن لم يكن عن دليل فهو مقلد.
الشيخ: أنا ما قلت عن دليل، أنت فقط خليك معي، رجل جاء إلى عالم وسأله عن مسألة وأجابه بما يعلم؟
السائل: نعم، مقلد.
الشيخ: مقلد، يجوز له أن يأخذ بهذا القول أم لا؟
السائل: هذا يعتمد شيخنا على مرتبته العلمية، هل هو ..
الشيخ: الله يهديك، الله يهديك، أنا أسألك رجل عامي؟
السائل: لاشك العامي يقلد.
الشيخ: طيب، لماذا يا أخي ما تمشي معي؟ أنا أقول إنه القرآن قسم الأمة قسمين: علماء وغير علماء، هؤلاء العلماء في منهم عامة، وفي منهم مثقفين، مثقفين ممكن يكون دكتور في الطب، لكن هو أجهل من أبي جهل في الفقه مثلًا يعني، لكن عامة المسلمين لا علم عندهم في الأحكام الشرعية، يأتي ويقول مثلًا أنا عملت كذا وحكيت كذا، وزوجتي طلقت أو ما طلقت إلى آخره، بقول له لا ما طلقت، بقول له: جزاك الله خير، تبنى هذا القول وراح يعاشر زوجته كما كان من قبل، هذا تقليد أم ليس بتقليد؟
السائل: تقليد، نعم.
الشيخ: طيب، هذا جائز وإلا غير جائز؟
السائل: جائز.
الشيخ: جائز، إذًا يجب أن نفرق بين تقليد جائز وبين تقليد غير جائز، وهذا الذي يجب أن نبينه للناس، عرفنا الآن ما هو التقليد الجائز، وهو الذي لا يستطيع أن ينجو منه حتى العلماء، مثلًا كبار الصحابة كانوا يقلد بعضهم بعضًا، لماذا؟ لأنهم كانوا يعترفون كما قال رب العالمين: (( وفوق كل ذي علمٍ عليم ) )فإذا جاء العامي وسأل رجل من أهل العلم عن مسألة، وقال له حلال، حرام، يجوز ما يجوز، إلى آخره، وانطلق يمشي هذا جائز، ما الذي لا يجوز؟ إذا سأل وأجيب، ثم تبيّن له فيما بعد أن هذا الجواب يخالف نصًا في الكتاب أو في السنة، فيضل يقول لا، أنا مقلد لفلان، سواء كان هذا الفلان حيًا أو ميتًا، المهم أنه هو لا يحيد عن التمسك بقول رجل عالم واحد، هذا هو الذي نكني عنه بكلمة التدين بالتقليد، هذا لا يجوز، فإذا رأيت شخصًا يستفيد من عالم شخصٍ يعتقد أنه على شيء من العلم، فما الذي يريبك في هذا؟ أنت تستطيع أو اعلم منك أن يقول قال البخاري كذا، أو قال مسلم كذا، قال أبو حنيفة كذا، قال الشافعي كذا، ما يستطيع، لكن العالم مثل النحلة يختار من كل زهرة ما فيه الغذاء النافع، أما الذي لا يعلم فقد ضرب الإمام الشافعي مثلًا رائعًا لهذا الجاهل الذي هو المقلد، قال:"مثل المقلد كمثل الحاطب الذي يحتطب الحطب ليلًا ثم يُلقي هذا الحطب على ظهره، وفيها الأفعى قد تلدغه وهو لا يشعر"، لماذا؟ لأنه جماع جمع حطب من هنا وهنا، وهكذا التقليد ليس علمًا كما شرحنا آنفًا، لكن هذا لا يعني أن العلماء لا يستفيد بعضهم من بعض، ولا يثق بعضهم ببعض، وأنا الحقيقة أستغرب هذا السؤال جدًا، ومن شخص نعرف أنه معنا على الكتاب والسنة، لكن الظاهر أنه هو يتصور إنه مجرد انتماء الإنسان إلى الكتاب والسنة، صار بقى يستطيع أن يجتهد في كل مسألة، ولا يذكر من علمه هذه المسألة أو تلك.