الشيخ: فأنا أرجو من الله تبارك وتعالى أن يجعل هذه الجلسة هي من هذا القبيل أن تكون خالصةً لوجه الله تبارك وتعالى، وحينئذٍ فيجب أن نرتب عليها أحكام الجلسة التي تقام في مسجد من المساجد من ذلك ألا نكون متفرقين بعضنا عن بعض، بل أن نكون مجتمعين متضامين ذلك أولًا لما ذكرت لكم من الحديث السابق، ألا وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (ما لي أراكم عزين؟!) وأما هذا دلالة على وجوب الاجتماع بالأجساد هذا الاجتماع الذي يكون إرهاصًا ومقدمةً للالتقاء والاجتماع بالقلوب، وهذا هو بيت القصيد.
أهم من الحديث السابق: حديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده بإسناد قوي: عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله تعالى عنه قال:"كنا إذا سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم سفرًا ونزلنا منزلًا تفرقنا في الشعاب والوديان، فقال لنا عليه الصلاة والسلام ذات يومٍ: (إنما تفرقكم هذا من عمل الشيطان) "قال أبو ثعلبة:"فكنا بعد ذلك إذا نزلنا منزلًا اجتمعنا حتى لو جلسنا على بساطٍ لوسعنا".
هذا كما ترون حديث، اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم فيه تفرق الصحابة في السفر تحت الشجر في الشعاب والوديان من عمل الشيطان، فكيف يكون شأن مثل هذا التفرق إذا كان في مسجدٍ من مساجد الله أو في بيت من بيوت الله يتلى فيه كتاب الله، ويتدارس؟! لاشك أن هذا التفرق في مثل هذا المجلس يكون شرًا من ذاك التفرق في المنازل، في الصحراء، في الشعاب والوديان، الذي وصفه الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه من عمل الشيطان.
لذلك أذكر - والذكرى تنفع المؤمنين - أنكم إذا جلستم مجلس علمٍ فإياكم ثم إياكم أن تجلسوا هكذا متفرقين بعيد بعضكم عن بعض، وإنما كما قيل:"تزاحموا تراحموا".